الرئيسية / صفحات العالم / سوريا المختلفة

سوريا المختلفة


عبدالله السويجي

يسيطر الموضوع السوري على نشرات وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، ليس بسبب الأحداث التي تضربها فحسب، ولكن نظراً لأن سوريا تتمتع بواقع ديمغرافي وديني وعرقي قلما يوجد في البلدان المحيطة، ربما باستثناء العراق، بسبب القرب الجغرافي وتداخل الحدود والهجرات والغزوات التي تعرض لها البلدان، ومن هنا، فإن أي تغيير في سوريا سيصاحبه تغيير في الخريطة الديمغرافية والدينية والمجتمعية، وبالطبع السياسية . إضافة إلى ذلك، تقع سوريا وسط بلدين مضطربين سياسياً وأمنياً وهما العراق ولبنان، وأي فوضى تعم هذه الدولة المعرضة لكل الاحتمالات، فإن الفوضى ستعم البلدين بشكل خاص، والمنطقة بشكل عام، بما فيها الأردن، وهذه ليست دعوة للإطاحة بالنظام، كما أنها ليست دعوة للإبقاء عليه، فقد اتفقت كل الجهات، بما فيها الحكومة السورية على الإصلاح .

يبلغ عدد سكان سوريا 23 مليون نسمة تقريباً، ويقال إن هناك زهاء عشرين مليون نسمة خارج سوريا، من العاملين والمهاجرين والمغتربين، وتشمل الخريطة الديمغرافية العرب والأكراد والسريان والأرمن والأتراك والتركمان والشركس .

وسوريا تقع بين دولتين غير مستقرتين سياسياً، وينتشر فيهما السلاح كانتشار النار في الهشيم، وتوجد فيهما ميليشيات مسلحة تمتلك قوة لا يستهان بها، وهما العراق ولبنان . كما تقع سوريا بين دولتين مستقرتين نسبياً وهما تركيا والأردن، تركيا التي تضم أعراقاً أكثر من سوريا، ولاسيّما الأكراد، وتنقسم في داخلها إلى علمانية ودينية، ومرشحة لانقلاب في أي لحظة، نظراً للمحاولات الكثيرة التي قام بها العسكريون، وهذا يعني أن هناك صراعاً بين السلطتين العسكرية والدينية، أما الأردن، فإنه يتعرض إلى محاولات التغيير، وخريطته السكانية ليست ببعيدة عن الخريطة السكانية لسوريا، مع الفارق في أعداد الفلسطينيين هناك، الذين يشكلون نحو 60% من السكان، فضلاً عن الشركس والأرمن والأكراد أيضاً، إضافة إلى الخريطة الدينية المعقدة، والمعاهدات والاتفاقيات التي تربط بين الأردن والكيان الصهيوني، وهو ما لا يرضى عنه الإسلاميون .

سوريا الآن تتعرض إلى قلاقل واضطرابات ومظاهرات مدنية واقتتال، ومهما حاولت أجهزة الإعلام المختلفة أن تغض البصر عن وجود مسلحين بأعداد لا باس بها، إلا أن الحقيقة، شئنا أم أبينا، تقول أن السلاح ينتشر الآن في سوريا بكميات كبيرة، بل هناك نوعية ثقيلة من السلاح، وليس أبلغ على كلامنا من الهجوم الصاروخي الذي تعرض له مركز استخبارات، فضلاً عن عدد القتلى من الجنود النظاميين على يد ما يسمى “جيش سوريا الحر” . وهذا الواقع يرشح سوريا إلى الانتقال من التظاهرات السلمية إلى الاقتتالات العسكرية، كما حدث في ليبيا، حيث التزم المدنيون بيوتهم، وباتت عربات المسلحين تتجول في المدن والقرى، وتلتحم بقوات القذافي . وهناك حقيقة يعترف بها الجميع، أنه لولا تدخل قوات (الناتو) وحلفائه بثقلها الجوي والبري أحياناً، لما استطاع المسلحون تحقيق أي نصر، وذات الأمر ينطبق على سوريا التي تتميز بمساحة جغرافية صغيرة، وبتضاريس تختلف عن ليبيا، وهذا يعني أنه حتى تنجح المعارضة المسلحة في سوريا، لا بد من تدخل خارجي، وهذا لا يعني أننا نؤيده، وهذا التدخل سيفتح المنطقة على أبواب جهنم قد لا تهدأ، وعلى هجرات مدنية لا يحتملها الجيران، وعلى فوضى عارمة ستوفر للقطط السمان واللصوص والعصابات عصراً مزدهراً من الثراء السريع، كما حدث في العراق بالضبط، فضلاً عن موجة الجوع التي ستكتسح البلاد، نظراً إلى نسبة الفقر الكبيرة في سوريا، وهذه العوامل مجتمعة، ستخلق أزمة إنسانية تعجز عن احتوائها دول الجوار، والمنظمات الإنسانية ومنظمات الأمم المتحدة .

ومن جهة أخرى، فإن استمرار الواقع على ما هو عليه وبذات الوتيرة، سيقود إلى النتائج ذاتها في حال نشبت حرب أهلية، وهذه الحرب ستمتد إلى كل من لبنان والعراق وربما الأردن وتركيا، بفعل التداخل السياسي والبشري، وبفعل الطموحات العرقية والدينية، فضلاً عن الحرب الاقتصادية الخفية .

ما العمل إذاً، كي تتجنب المنطقة تدهوراً إنسانياً؟ فالمدنيون هم الذين يدفعون فاتورة الاقتتال الدموي، وما العمل حتى يعود العمل العربي المشترك بشكل طبيعي؟ هل كانت عملية تعليق عضوية سوريا صائبة؟ وهل من صلاحيات جامعة الدول العربية العمل على تغيير الأنظمة؟ وهل ميثاقها يسمح بكل ما يحدث من غموض في التعامل مع الأعضاء؟

الحل الوحيد لتجنب كل هذه الكوارث يكمن في تغليب صوت الحكمة داخل سوريا، وخارجها، فالموقفان الروسي والصيني حكيمان، ليس لأنهما يدعمان نظام بشار الأسد، ولكن لأنهما شاهدا بأم أعينهما كيف تم تطبيق قرار الحظر الجوي فوق ليبيا، والمصير الذي آلت إليه الأوضاع هناك، وعدد القتلى من المدنيين والعسكريين في ليبيا، وكم مليار دولار ستدفع ليبيا حتى يُعاد إعمارها . كل هذا لا تحتمله سوريا ولا دول الجوار، ولا تحتمله جامعة الدول العربية، ولهذا، لا بد من التفكير في صيغة عربية مستقلة للحل بالتعاون مع دول الجوار (باستثناء الكيان الصهيوني)، وبعيدة عن أي تأثير خارجي، صيغة يتم تنفيذها خارج ميثاق الجامعة العربية، تعمل على دفع الإصلاحات التي تؤدي إلى تدوير السلطة، وضمان الاحتجاجات السلمية، وكتابة دستور جديد للبلاد، يتيح المشاركة الفعالة لأبناء الشعب السوري في تقرير مصيره وصناعة قراراته، ودون هذه الصيغة، فإن المنطقة ستغرق في فوضى لا قبل لها بها، وليس بالضرورة أن تؤدي إلى تغيير النظام .

الخليج

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...