سوريا مأساة القرن

بشير البكر

  كانت الدكتورة السورية خريجة الجامعة الفرنسية في علم النفس تتحدث بحماسة شديدة، عن انجاز قامت به مع نشطاء في المجتمع المدني، تمثل في معالجة 25 سوريا من اعراض نفسية، ولدتها صور المجازر والدمار ، وما كادت الدكتورة تسترسل في عرض طموحات مجموعتها، حتى قاطعها شاب سوري، ليحول مجرى الحديث في صورة دراماتيكية.

ذهب الشاب إلى عمق المأساة السورية بالاستفاضة في شرح معاناة ملايين السوريين.عامان مرا ولم يعد هناك بيت سوري من دون رواية، تصلح لأن تكتب وتحول إلى فيلم هندي طويل، هذا بالاضافة إلى قصص السوريين الخاصة عن رعب اجهزة المخابرات، فسوريا، ربما كانت، البلد الوحيد في العالم، الذي عندما يعود اليه المواطن من سفر، يتغير حاله النفسي جذريا، وبدءا من هبوط الطائرة في اتجاه المطار، وحتى تجاوز حاجز الجوازات، يعيش العائد قرابة ساعتين من الخوف كفيلتين بتوليد رصيد لا ينضب من الكوابيس .

عامان من القتل والدمار والتهجير، قرابة 200 الف ضحية ونصف مليون معاق. ومن لم يمت بعد، فإنه يعيش على ذكرى موت ابن أو أخ أو قريب او صديق، ومن لم يهجّر بعد ضاق منزله بالمهجّرين، وكبر الأولاد عامين اضافيين بلا طفولة ولا مدارس.

كل ذلك، وليس هناك ضوء قريب في نهاية النفق، وحتى لو لاح ضوء اليوم، هل سترحل كوابيس السوريين إلى غير رجعة بمجرد الاعلان عن وقف اطلاق النار؟

منذ اسابيع قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس في حديث إلى صحيفة “لوموند”، ان سوريا ربما سوف تصبح مأساة القرن الحالي. وللأمانة ترددت كثيرا في اقتناء الجريدة. أخافني هذا الفأل الاسود، ولم اقرأ تفاصيل الرؤية، ولكن ذهني ذهب إلى إحالة معاناة السوريين إلى ما حل بالشعب الفلسطيني في القرن العشرين على يد الصهيونية، رغم أن الخلفية البعيدة لكلام الوزير لا ترى سوى المحرقة اليهودية.

 شعب سوريا ذاهب إلى مصير فلسطيني، أو في أحسن الأحوال نحو محرقة. شكرا مسيو فابيوس على هذه البشارة المريعة. لم أنم تلك الليلة، بعد أن شاهدت نشرة اخبار واحدة، ورأيت حصيلة ذلك النهار من القتل والدمار والصور الأولى لمجازر بانياس. هناك صورتان لن تفارقا مخيلتي: الأولى، مجموعة من الشبان يضعون ايديهم فوق رؤوسهم كعلامة استسلام، وكانوا يقادون إلى حقل الاعدام، وبعد ساعات كان هناك من يصور جثثهم مرمية في الشارع ككومة من النفايات. والثانية، مجموعة من النسوة العجائز والاطفال، يقفون في طابور طويل بانتظار عملية تحقيق على مدخل الفرقة العسكرية، التي قامت بعملية اقتحام القرى الثلاث. المشهدان لا يذكران إلا بالنازية، وبما فعلته اسرائيل لدى دخولها لبنان سنة 1982، حينما مارست سياسة العقاب الجماعي.

هل استوحى الوزير فابيوس رؤيته السوداوية من مشاهدة الصورتين، أم انه تحدث عن أهوال لم نعرفها بعد؟

مهما يكن من أمر، فإن النظام وصل الى عتبة الافلاس الاخلاقي، وكانت سنوات الثمانينات قد شهدت ظهور علامات اختلال خطيرة، تميزت بانفلات للغرائز البدائية من عقالها، وتمثل ذلك بوصول عنف الأجهزة الأمنية والجيوش الخاصة التي شكلتها عائلة الأسد، إلى درك ينذر بأن الخروج منه لن يتم إلا بمأساة كبيرة. وها نحن نعيش اليوم في خضم هذه التراجيديا، ونشهد فصولها في كل ساعة، وتكفي أي صورة من مدينة سورية للتعبير من دون كلام عن فرط توحش النظام واجهزته.

بكلام آخر، هل نشهد في هذا القرن صعود بربرية جديدة معبأة، وخارجة عن أي قانون للمحاسبة؟ نعم نحن نشهد تشكلها أمامنا، وما نقل عن رفعت الأسد ذات يوم بأنه سوف يحول الأكثرية السورية إلى أقلية، صار برنامجا لابن شقيقه، في ظل القتل والتدمير والتهجير والتدمير. أولاد الأسد يقولون ان والدهم وصل الى الحكم، وكان تعداد سكان سوريا سبعة ملايين، وأن الدولة السورية قبل حكم العائلة كانت مثل بقرة تعاني من سوء التغذية، واليوم باتت سمينة، ولن يسلموها لأحد .

يا للهول.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

62 − = 60

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...