الرئيسية / صفحات الثقافة / عن الرواية السياسية السورية../ علي جازو

عن الرواية السياسية السورية../ علي جازو

 

 

إفراطُ الميل السردي في تدوين الخراب السوري، كسجل قتلى ومعذبين، يخنق حدود الكتابة الروائية، وإنْ كانت الرواية، على أصل ومشتق معانيها، ترصد تحولاته القاسية، فإنما من جهة النتائج، فيما يظل الواقع تحت فصل الجهل. هكذا يكون التدوين أقرب إلى أدب الخبر الشفاهي منه إلى كتابة منشقة لا تحجر نفسها داخل أدب القمع وشهادات السجون؛ على أهميتها التوثيقة ومدّ ذاكرة السوريين بما يجعلهم أقرب إلى حقيقةٍ باتت مأساة إنسانية وفضيحة أخلاقية!

إخلاص واقعي

لقد تميزت الرواية السورية بإخلاص للواقع، رغم أننا لم نجد رواية مثلها تهرب من الواقع نفسه، وحاولت إلى الآن كشفه. توسلت الشرح المدرسي والتبسيط العمومي، فلبَّت نداء عاماً مفترضاً وواجباً، ولم تكن قط مصدر نداءٍ غريب ومجهول.

لكن التركيز على قراءة السياسة الخانقة بالسياسة الأدبية المناوئة علامة شح فكري وأدبي. يرزح الخيال تحت ضغط الواقع، ولا تنجو القراءة من ضغوط الواقعية كشهادة عن الحياة المغلقة. الواقع الخبري كطارد سقيم للكتابة الواقعية نفسها، الواقع كنبع للحقيقة وكمثال بخيل ووحيد.

هكذا يشترك الفضاء الأدبي بعالم النصيحة ويختلط بدواع أخلاقية، فينفذ من الأدب ما يثقل ويتراكم في النفس، وما يجعل الأدب رهين الواقع الراكد هو ما جعل الواقع نفسه رهين السياسة الشمولية كاتمة الأنفاس، فالنجاة من القمع السياسي المخابراتي تفضي إلى توسل الرواية بهكذا دور، وتنتقل علامات العجز إلى وسائل الكتابة نفسها. إنها ترضخ في الوقت الذي تحاول مرهقة وثقيلة الخروج من عالم الرضوخ. لا أحد يغادر موقعه، قدر ما يولده وينميه، غير أن مكان الجرح النفسي وتمزقه الإنساني مقابل سطوة الابتزاز المخابراتي ليس سوى مكان واحد. وما إن يختلط المكان الواحد والحامل، مكان اللغة والسرد في الرواية، بفاعلين متضادين صافيين حتى تنكمش النفس إلى وحدة عضوية مسلوبة أو تقابل كمي عقيم، فتتماثل الأضداد بنموذجها الوظيفي: رجل أمن أمام مثقف، أدب حر ضد معتقل لا إنساني.

يُنسى الدرب الوسيط، الهواء الفارغ من التناقض الآلي والتقابل الدرامي. تنسخ الدولة نموذجها في عقلية أمنية كابحة وقامعة، هي غير العاجزة قط عن خلق نماذج شتى داخل المثقفين أنفسهم. وتقدم الرواية (الثقافية الأمنية) نموذجها المضاد، بعد النسخ، بنسخ ناقم ومناوئ: التعقل مقابل السخف واللامعقول، العلمانية الخصبة ضد العقم الديني، الفردية الوطنية ضد الجمعية المزيفة، الحداثة مقابل الخرافة. غير أن تفسير الضد بالضد جزءٌ منسولٌ من داخل بنية تفسير الدولة بالأمن. إنها وظيفة وعقلية ونموذج، والرد على الوظيفة والعقلية والنموذج ردٌّ نموذجي ووظيفي.

تنجح الدولة الشمولية لا في خلق أشباهها ومريديها فقط، بل في إرغام أضدادها على خلق شبيه. إنها قادرة على خلق أعدائها وإجبارهم على العداء الصرف عارفة أن النظام أكبر من الكتابة عن النظام، وأن قبضة الأمن أوسع من مدى الصرخة.

نجاح الشمولية الأدبية

لم تفشل السياسة الشمولية في شيء. لقد ظفرت بتحويل الصناعة الأدبية إلى رد فعل. أجبرت عقلية الاستبداد ضعفاءه ومهشميه على التزلف والنفاق، وقدم العون لتحويل موظفيه إلى دمى مرنة وفعالة، مغرية من لم تغره الدمى الأمينة أن يخلق دماه الناكرة بنفسه. لا قطيعة هنا، بل وصل نسيج بنسيج آخر، وتمزق قاس بتمزق هش، وكأن الكتابة تبدأ عندما ينهي القمع وظيفته التي لا تنتهي. كأنما الكتابة تبحث عن حجة في القمع فتنهل منه نقمتها وهشاشتها ونفورها وضيقها. إنها تتنفس داخل غرقها وتكتب كما لو تقدم شهادة على كونها جثة كتابتها. يعزز التناقض الآلي من فرص رفد التناقض بنفسه. وعدم الخروج من دائرة يفضي إلى رسم دوائر أصغر فأصغر. الرد على السخف بالمنطق دليل قبول العقل بكونه تحجر داخل نظام القمع السليط، ولم يعد من منفذ سوى الكتابة في الصخر حيث الصدى لا يفرق عن الصوت، بل يوازيه دون أن يتخلص منه ولا أن يخرق صنيعه البؤسي.

لا تبخل الرواية الحاضرة النشطة في التعقل والتهذيب والأناقة الشاعرية، إنها نموذج ولا ينبغي لها أن تشبه غريمها. إنها لا تضحك، لأنها لم تجد إلا غريما هازئاً. الجدية الأمنية الحديدية تشجع على جدية أدبية لفظية، غير أن البقاء في مهمة متقلصة وحيدة أشبه بالبقاء في سجن. إن لم يقدم الأدب فرصة السخرية والضحك، لا على حساب خشونة الحال وضنك الأيام ومظالم التعسف وشناعة التعذيب والاعتقال، فأين نجد من الأدب جرأة الغريب ومرح الفوضوي ومروق المتمرد، لا على السلطة المستبدة فحسب، بل على الوظيفة التاريخية للأدب.

تحوَّلَ رجل الأمن من وظيفة حصرية ذات طابع قمعي إلى زئبقية نظام اجتماعي اقتصادي سرطاني. إنه تاجر ومعلم مدرسة وطبيب وضابط وأستاذ جامعة ونقابي وقاض ومخبر وكاتب..! قدرته على النفاذ تتعدى حدود عمله الأصلي. إنه يزيل الحدود ويكسر حصانة العمل وتخوم المهن جاعلاً من التصنيف وهماً وبخاراً. القمع الأمني قائم على فم المكان وقابع في قلب اللحظة. وما تحمُّس الرواية السورية لهكذا موضوع سوى مضاعفة من مضاعفات وهم أدبي.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...