الرئيسية / صفحات سورية / عن “رسوب” المعارضة السورية

عن “رسوب” المعارضة السورية

هوشنك بروكا

ختمت الثورة السورية منذ حوالي شهرين عامها الثاني، والأمور على الأرض لا تزال أسيرة المراوحة. الكلّ من سوريا إلى سوريا، المعارضة والنظام، الأصدقاء والأعداء، السوريون من أهل الدار والجيران، ال”مع” وال”ضد”، لا يزال يذهب من المراوحة إلى المراوحة. لا شيء يتقدم في سوريا إلى الأمام، إلا القتل في سبيل القتل، والإرهاب في سبيل الإرهاب، والجهاد في سبيل الجهاد. لا شيء يزداد فيها، سوى التصريحات والتصريحات المضادة، والديبلوماسيات والديبلوماسيات المضادة، والمؤتمرات والمؤتمرات المضادة، والمعارضات والمعارضات المضادة، هذا ناهيك عن الإزدياد اليومي الفظيع لأعداد القتلى، والمجازر، والمقابر الجماعية، والمهجّرين، والمشرّدين، والمعتقلين، والمعذّبين، والمخطوفين..إلخ.

لن نلوم النظام، كما في كلّ مرّة، ولن نلوم ما حوله من حلفاء وأصدقاء. لن نلوم الأسد (الرئيس الباقي، بكلّ أسفٍ، رغم أنف العالم، حتى الآن في الأقل)، وهو يكرر الفاشية بنسختها العربية، على الأرض السورية الطيبة، كما لن نلوم إيران وجيوبها الشيعية، من العراق إلى لبنان مروراً بسوريا، ولا روسيا والصين وأخواتهما، ولا حتى تركيا و”أخواتها السنيّات” اللواتي يعملن ليل نهار لدحر إيران في سوريا، على حساب الدم السوري “الرخيص”. لن نلوم العالم لا ب”أممه المتحدة” ولا ب”أممه المتفرقة”، وهو يتفرّج على التراجيديا السورية، منذ أكثر من سنتين في التمام والكمال، وكأنّ السوريين أمة ليس من هذا العالم، أو أمة بدون عالم. لن نلوم كلّ هؤلاء ولن نسألهم عمّا فعلوه بسوريا، ولا يزالون..لن نسألهم، لماذا قتلوا سوريا ولا يزالون..لن نسألهم لماذا أصرّوا على إسقاط سوريا ولا يزالون..لن نسأل كلّ هؤلاء، أصدقاء وأعداء، وما بينهما من “أعدقاء”، لماذا اتفقوا على ألا يتفق السوريون على سوريا كثيرة لكلّ شعوبها وأديانها وطوائفها!

لن نسأل أحداً لماذا كلّ هذا السكوت على قتل سوريا لسوريا، وحرب الماحول على سوريا، أو حرب الكلّ ضد الكلّ في سوريا..لأنّ السياسة مصالح، والمصالح في لغة السياسة غايات..والغايات تبرر الوسائل، كما قالها “العم الطلياني” نيكولاي ماكيافيللي ذات سياسةٍ.

لا شكّ، أنّ الكلّ متفقٌ، أو يكاد، على أنّ مشكلة السوريين مع النظام، ممتدة لأكثر من أربعة عقودٍ. الكلّ متفقٌ، أو يكاد، على أنّ النظام كان ولا يزال يشكّل أس المشكلة السورية وأساسها. هذه حقيقة سورية مفروغ منها..هذه بديهية سورية لا تحتاج إلى أيّ نقاش. الأسد (الذي كان والذي لا يزال) هو أساس “البلوة” السورية والمهندس الأول لصناعة الحرب في سوريا ضد سوريا وأهلها. لكنّ السؤال الجوهري، ههنا، هو: لماذا فشلت المعارضات السورية، بطبعاتها المحلية والأجنبية، الوطنية والفوق وطنية، حتى الآن، في أن تكون الحلّ لهذه المشكلة؟

لماذا فشل المعارضون السوريون، بكلّ عشائرهم وطوائفهم ومللهم ونحلهم السياسية وجيوشهم العسكرية، وكتائبهم الجهادية العابرة للأوطان، في أن يكونوا البديل المفترض لهذا النظام؟

لماذا تحوّلت الثورة السورية من ثورة شعب ضد نظام، إلى ثورة شعب ضد شعب، ودين ضد دين، وطائفة ضد طائفة، وقومية ضد قومية، وسوريا ضد سوريا؟

لماذا تحوّلت الثورة السورية، من ثورة ضد ديكتاتور، إلى ديكتاتورية مزدوجة (ديكتاتورية النظام + ديكتاتورية المعارضة) ضد نفسها؟

لماذا نجح الموت في أن يكون العنوان الأبرز لسوريا، فيما سقطت الحياة فيها، من أقصاها إلى أقصاها؟

لماذا رسبت (إن لم نقل سقطت) المعارضة السورية قبل أن يسقط النظام؟

أسئلة باتت تفرض نفسها، على الكلّ، سواء في الداخل السوري المكتوي بين نارين؛ نار النظام ونار المعارضة، أو في خارجه.

أول الرسوب، في المعارضة السورية، بدأ بكلّ أسفٍ، من الخارج السوري “الصديق”، الذي كان له الدور الأكبر في تحويل الثورة السورية، من “صناعة محلية” سورية بإمتياز، إلى صناعة أجنبية، ومن “ثورة حرية وكرامة” إلى “ثورة تحت الطلب”، أو “ثورة مرتزقة”؟

لماذا تمّ اختزال سوريا بكلّ ألوانها وأطيافها وأديانها وقومياتها وإثنياتها، إلى سوريتَين متناحرتين، “سوريا سنية” ضد “سوريا علوية”، أو بالعكس؟

لماذا تحوّلت الثورة السورية من “ثورة وطن” لأجل سوريا، إلى “جهاد” دين ضد دين، أو طائفة ضد طائفة، أو حرب “عصابات” ضد عصابة؟

أول الرسوب داخل الثورة السورية، بدأ من خارجها، حيث “المعارضات الخارجية” العابرة للحدود، والمال والسلاح العابرين للحدود، ناهيك عن “جيوش الله” العابرة لكلّ الحدود، التي اختزلت سوريا بإعتبارها وطناً للجميع وفوق الجميع إلى “أرض للجهاد في سبيل الله”، لخاطر “شريعة الله”، و”سنة الله”، و”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.

أول الرسوب داخل “الثوار السوريين”، بدأ، عندما أصبحت “الثورة لجيوش الله، والخراب للجميع”.

أول الرسوب في صفوفهم بدأ، عندما أصبح الإرهارب جزءاً لا يتجزأ من الثورة، وأصبح أهل الإرهاب (جبهة النُصرة وأخواتها) أهلاً لها.

أول الرسوب في الثورة السورية بدأ، عندما تحّول زعيم القاعدة، إلى أحد أكبر أعمدة زعمائها، خصوصاً بعد مبايعة “أهل النُصرة” له، وسكوت أهل المعارضة عن وصفهم بجماعة إرهابية عابرة للحدود والأديان والأوطان، كما تقول أفعالهم، ويقول العالم المدني المتحضّر مشرقاً ومغرباً.

أول الفشل داخل المعارضة السورية، بدأ من خارجها، الذي ربط الأزمة السورية وأهلها المعارضين في “مؤتمرات وفنادق خمس نجوم”، لم تقدّم للسوريين على الأرض حتى الآن، سوى بيع الكلام وما حوله من انشقاقات وخلافات وتناحرات وتخوينات وانسحابات واستقالات.

المعارضة السورية فشلت في داخلها لأنها ارتهنت كما النظام لخارجها. مثلما كان ولا يزال للنظام خارجه المركون إليه في كلّ شيء، كذا كان للمعارضة السورية ولايزال خارجها، السيد المتحكّم في كلّ شيء، من ألفها إلى يائها. كلاهما ارتهنا لخارجهما، ودخلا في لعبة إقليمية دولية، لا ناقة ولا جمل لسوريا والسوريين فيها. كلاهما خرجا من سوريا، ليدخل إليها الآخرون من كلّ جهات الله، ولتصبح هذه الأخيرة ساحة معركة مفتوحة لتصفية حسابات إقليمية قديمة جديدة، على حساب السوريين وأمن واستقرار بلادهم.

المعارضة السورية فشلت بإمتياز، لأنها صدّقت الخارج لتكذيب داخلها..هي صدّقت “حقيقة” تركيا وأخواتها فيما كّذبت الحقيقة السورية وحقيقة السوريين أنفسهم.

المعارضة السورية “أُسقطت” بالمال والسلاح العابرين للحدود، في داخلها من وبخارجها. الخارج الذي كان ولا يزال يشكّل بوصلتها ومصدر حراكها وقيامها وقعودها، أسقط المعارضة في الفنادق عندما أعطى الكلمة الفصل على الأرض لأهل الخنادق.

المعارضة السورية رسبت في “سوريا الثورة” مرّتين: مرّة في الداخل كمعارضة مسلّحة قررّت الحرب على النظام، دون أن تملك قرار السلام، وأخرى في الخارج كمعارضة سياسية، قررّت معارضة النظام دون أن تملك قرار الحوار معه.

الآن بعد مرور حوالي سنة من الخراب السوري على “اتفاق جنيف” الذي تمّ التوصل إليه في 30 من يونيو حزيران الماضي من قبل القوى العظمى، يخرج وزير الخارجية الأميركي جون كيري، بعد محادثاتٍ أجراها مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، وصفها ب”البنّاءة جداً والحارة جداً”، على السوريين والعالم المتفرج من حولهم، ليقول: ” “نعتقد بأن بيان جنيف هو الطريق الواجب اتباعها من اجل وضع حد لإراقة الدماء في سوريا”.

فهل ستصدّق المعارضة السورية هذه المرّة أميركا التي اتفقت مع روسيا على “إيجاد حلٍّ سياسي” للنزاع في سوريا، أم أنها ستصّدق قطر وأخواتها كعادتها، لتصرّ مجدداً أنّ “لا حوار مع النظام”، عملاً بسياسة “قتل الناطور بدلاً من أكل العنب”؟

ايلاف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

38 + = 40

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...