قيح الثورة


حازم نهار

باعتقادي كي نفهم حقيقة الوضع في سورية اليوم، والإحاطة بأسباب “القيح” المرافق للثورة في مظاهر متعددة، لابد لنا من رؤية بعدين متلازمين، إذ إن الاكتفاء بأحدهما قد يؤدي إلى زيف الرؤية، وما يمكن أن تحمله من سوء في الممارسة أو من صعوبة في رسم صورة للوطن تليق بالسوريين:

البعد الأول من حقيقة الوضع في سورية: “كما تكونوا يولى عليكم”

في الحقيقة ما كان لنظام الاستبداد أن يستمر لولا الثقافة الاستبدادية المتأخرة الموجودة في المجتمع السوري بكافة حيزاته ومستوياته، وهذه الثقافة تجد تجلياتها في ميادين عديدة: في علاقة الأب بأبنائه، وعلاقة المعلم بالتلميذ، وعلاقة الرجل بالمرأة، وعلاقة الكبير بالصغير، وعلاقة رجل الدين بالناس، وعلاقة رئيس الحزب بأعضاء الحزب، وعلاقة شيخ القبيلة بأتباعه…. إلخ. فجميع هذه العلاقات سلطوية ولا تنتج إلا ثقافة استبدادية تشكل الأرضية الملائمة والتربة الخصبة لظهور نظام سياسي قائم على الاستبداد والفساد.

هذا يعني أن السوريين، بشكل أو بآخر، يتحملون مسؤولية وجود النظام السوري واستمراره، ويتحملون بعض المسؤولية عن القيح المرافق لثورتهم، وبالتالي عليهم أن يعيدوا النظر بكل ما من شأنه إعادة إنتاج ظواهر الاستبداد والتشبيح في الدولة والمجتمع مستقبلاً، وهذا عمل طويل ويحتاج إلى استرتيجيات وبرامج عمل حقيقية على مستوى التربية والتعليم والمجتمع المدني والسياسة، وحتى على مستوى المؤسسة الدينية.

البعد الثاني من حقيقة الوضع في سورية: وكما يولى عليكم تكونوا

الثورة كالعمل الجراحي، يرافقها أو يتبعها اختلاطات. وهذه الاختلاطات الكريهة أو المربكة تتبع في شدتها وقوتها وسوئها درجة سوء النظام الذي قامت ضده هذه الثورة، فإذا كان النظام القائم على درجة عالية من السوء فإن الثورة التي تقوم ضده ستحتوي من المساوئ والأخطاء و”القيح” ما يعبِّر عن الخراب الذي أدخله هذا النظام في المجتمع.

فالأخطاء التي رافقت الثورتين التونسية والمصرية تدلّل على طبيعة النظام السياسي الذي حكم في كل من تونس ومصر أصلاً، وبالمقارنة مع أخطاء الثورة السورية نستنتج ببساطة مستوى الانحطاط الشديد للنظام السوري مقارنة بالنظامين التونسي والمصري. بالتالي فإن الأخطاء في الثورة السورية ليست دلالة على سوء في الثورة بقدر ما هي دلالة على درجة بشاعة النظام الذي حكم سورية لنصف قرن.

لا زال العراقيون إلى اليوم يعانون من قذارات نظام صدام حسين رغم مضي عشرة أعوام على رحيله، وأضيفت إليها قذارات النظام العراقي الحالي، فالأنظمة السياسية لا تموت بالسكتة القلبية، كما لا تبنى الجديدة منها بفعل سحري.

لعلي أستطيع تكثيف هذه الفكرة بالقول: قل يا أيها السوريون ما أصابكم من خير فمن ثورتكم، وما أصابكم من سوء فمن نظامكم.

الثورة تقدِّم فرصة للتطهر من أخطاء وقذارات الماضي، وهذا لا يحدث –إن على مستوى الفرد أو المجتمع- بين ليلة وضحاها، أي لا يحدث بمجرد الانضمام للثورة، أو حتى بانتصارها، بل ستكون لحظة الانتصار كلحظة الولادة التي يبدأ معها عمل وبناء جديدان. وفي الطريق إلى انتصار الثورة، وبعد انتصارها، سيخرج إلى السطح كل العفن والقذارات التي زرعها نظام الحكم في مجتمعنا عبر نصف قرن من الزمان.

فإذا وجدنا اليوم فرداً في الثورة يتصرف بسوء، فإن ذلك إدانة للنظام القائم بقدر إدانته للشخص ذاته. فالعسكري الذي انشق عن جيش النظام مثلاً وأعلن انضمامه للثورة لا يعني ذلك أنه أصبح منزهاً عن الخطأ، أي لا يعني مجرد انضمام المرء للثورة أنه تحول في لحظة ما –كما يحاول بعض السذج إيهامنا- من شيطان إلى ملاك، بل يعني أن الفرصة أصبحت مفتوحة أمامه للتطهر التدريجي.

لقد نمت توجهات السوريين وقناعاتهم عموماً في ظل بيئة سياسية-ثقافية مسيطر عليها بشكل مطلق من النظام، فالنظام امتلك، لمدة نصف قرن، الأرض السورية وما عليها، وأجهزة الدولة والجامعات والمدارس والإعلام والجوامع وغيرها، وبالتالي من البديهي القول أن الثقافة السائدة في المجتمع السوري هي من إنتاجه بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا يعني أن النظام مسؤول عن الكثير من الأمراض الموجودة في الثورة اليوم، كما يعني بالمقابل أن مجرد الانضمام للثورة لا يمنح المرء سمة المواطن “الصالح”، بل عليه أن يعلن القطيعة مع ثقافة نظام الاستبداد وأمراضه كي يكون هناك معنى لانضمامه.

الأخطاء الحاصلة في الثورة لا تهين الثورة أو تقلِّل من شأنها، بل هي إدانة للنظام ذاته. هذا ليس تبريراً لأخطاء الثورة كما يعتقد البعض بل تفسيرٌ لها، كما لا يعني السكوت عن هذه الأخطاء، بل ينبغي فضحها ونشرها على الملأ، وهذا هو الفعل الثوري الحقيقي، أي التخلص من أدران النظام وماضيه وبناء المواطن الجديد، فالثورة ليست لافتة نرفعها أو شعاراً نصدح به، بل هي فعل هدم وبناء متلازمين.

أخيراً:

من الهام أن يكون التخلص من “القيح” على جدول أعمال الثورة في كل لحظة، وهنا لابد أن تكون نظرتنا لأنفسنا وتاريخنا وتجاربنا وممارساتنا موضع نقد وتصويب بشكل دائم استناداً لرؤية البعدين المتلازمين لأسباب هذا “القيح” الضار بمستقبلنا.

كاتب ومعارض سوري*

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...