الرئيسية / صفحات الرأي / لا نندم على الانتفاضات/ عباس بيضون

لا نندم على الانتفاضات/ عباس بيضون

 

 

من مصر إلى ليبيا إلى تونس إلى سوريا إلى العراق إلى اليمن. الانتفاضات شملت وفي وقت واحد تقريباً أقطاراً عدة بل معظم الأقطار العربية. الآن بعد مرور سنين عليها يمكننا أن نتساءل إلى أين انتهت وأين استقرت. لن نجد بسهولة أجوبة، لكن إذا كانت الانتفاضات تواقتت فإن الشبه لن يقف هنا. ثمة وجوه شبه أخرى لا نستطيع أن نردها إلا إلى تقارب وتفاعل أصيلين. في كل من هذه الأقطار نجد أن الانتفاضة حملت إلى السطح نعرات وانقسامات أهلية ودينية ومناطقية ومذهبية وعشائرية.

حملت الانتفاضات إلى السطح ما كانت تختزنه الأوضاع العربية وما كان راكداً فيها، حملت إرث أجيال مختلفة وتراث نزاعات ألفية، كما حملت ما ظل يختمر في الباطن سنيناً وحُجر عليه من أنظمة بوليسية، كانت تحجر وترسّخ في آن معاً وتتغلغل في الانقسامات الأهلية وتستند إلى تكتلات أهلية، وترهب التكتلات المضادة وتضيّق على أنفاسها فتهدأ لتدخل في استقرار مهتز وسكون قلق، إلى أن تجد أن الغطاء ارتفع عنها وانكشفت ولم يعد هناك ما يخفيها، فتشتعل في موضعها وتنشر نارها في القطر، داخله وخارجه، فيتفسخ المجتمع، وتنهار دولة صورية أصلاً، وتعصف بالوضع نزاعات تصل إلى حد الحروب، بل تنشأ كحرب أصلاً. فأنظمة الطغم الحزبية والعسكرية تقوم على حروب موقوفة، كما تقوم على معسكرات وتكتلات متنافسة متعادية. أو أن انكشاف الغطاء عنها يؤدي إلى تأرث عداء لم يكن ملحوظاً بهذه الصورة من قبل، وصمت تحت الخوف والرهبة وأمكن له أن يصل إلى تعايش بدون أسس وإلى تساكن بلا قواعد، وإلى سلم قائم على الضيم وعلى المظلومية. لذا يؤدي الانكشاف إلى استنباش ذلك كله، وإلى اندلاع علاقات غير مستوية أساساً، وإلى اختراق التعايش كأنه لم يكن، وإلى جرح التساكن بحيث يتآكل رويداً رويداً، فيما يبقى السلم الأهلي قائماً على الفسوخ والتحديات التي تهب ما إن ترى نفسها في فضاء مؤات، بحيث أن أول احتكاك يتوسع ويتحول إلى قضية.

إلى أين انتهت الانتفاضات إلى مصير تلخصه كلمة مكبرة: الحرب الأهلية، الكلمة التي نابت الآن عن التصدي للاستبداد، والديموقراطية، لم يعد في وسع الديموقراطية أن تملي نفسها وسط حروب العرق والعنصر والقرابة والطوائف أساسها. لم تعد الديموقراطية هي الغاية في حروب غير عادلة وتقوم على نبذ المساواة، وعلى ردع الحريات وفي رأسها حرية التعبير، حروب تتماهى فيها الطوائفية والقبلية والجهوية مع الوطنية والقومية والدين.

إذا عدنا إلى الانتفاضات وجدنا أن انتفاضة ليبيا تراجعت عن أساسها الأول «التصدي للاستبداد» وأقامت مكانه فواصل لا يخدم أي منها الحرية، فاصل القبيلة وفاصل الدين وفاصل المنطقة. هكذا تدور على أرضها منذ الانتفاضة حروب قبلية ودينية ومناطقية. حروب، لم يسقط البلد بسببها في فوضى عارمة فحسب، بل هي تركب كل التكوينات وكل البنى وتجرها إلى صراع تصفوي.

ليست اليمن مثلاً أفضل فقد اصطنع للبلد صراع مذهبي لم يكن من طبيعته ولا تاريخه أو ماضيه. ودخلت في الصراع المناطق والمذاهب عدا الدول والحكومات. استمرت الانتفاضة في أول أمرها سلمية ولم تطف النزاعات المضمرة على السطح، إلا بعد أن تحقق انسحاب علي عبد الله صالح من الحكم وخلفه نويرة بإجماع شعبي. غير أن وصول الانتفاضة إلى غايات نسبية كان بداية اندلاع خلافات ليس لها أصل ولا سبب، لكنها مع ذلك توسعت وانتشرت وأدخلت البلاد في حرب ملتهبة.

في سوريا تحولت الانتفاضة بعد أمد قصير إلى حرب أهلية ظلت تتمخض حتى وصلت في النهاية إلى سقوط البلد في أيدي عصبة متشددة دينياً ولها فقهها الخاص وتأويلها للكتاب وللوصايا والأحاديث، حولت الحرب إلى استعراض وخلقت دولة تتحكم بمقادير واسعة من الأرض السورية والعراقية. هكذا لا يمكن بعد الحديث عن الديموقراطية. إنها موازنة بين استبدادين وكلاهما يسعى إلى أن ينفرد بطغيانه. لم يبق من الانتفاضة أثر، ولم يبق للحرية والمساواة أثر أيضاً. إنها بالطبع شرعية إضافية للاستبداد، واقتصار الحرب على جانبها العنصري والأهلي، وتحولها إلى صراع أهلي بل مذهبي، يجعل مسألة الديموقراطية موقوفة معلقة فثمة بالتأكيد من هنا وهناك، مصادرة كاملة للحريات وفلتان ليس فيه للحياة نفسها أي شرعية ولا تعتبر حقاً.

في مصر وتونس عادت العجلات إلى الخلف. الانتفاضة التي قامت ضد التسلط العسكري في مصر والتي ناوأت العسكر في إحدى محطاتها، عادت فسلمت رأسها وسلمت معه البلاد أيضاً، للعسكر. بالطبع لم تربح الديموقراطية من ذلك بقدر ما أن التسلط العسكري تدرج، هذه المرة، إلى استبداد مكشوف وعلني. في تونس دورة أيضاً إلى الخلف. انتصرت الديموقراطية في تونس وحدها لكن السلطة عادت إلى نظام الحبيب بورقيبة وإن حدث ذلك بأسلوب ديموقراطي.

هل نندم على الانتفاضات ونحن نراها تنقلب إلى عكسها ونرى الاستبداد، من هنا وهناك يرثها. هل نندم على قيامها وما قدمته من ضحايا وما أعقبها من دماء. لا سبيل إلى الندم فقد قامت الانتفاضات على أراض حبلى بالنزاعات الملجومة، ولم يكن هناك سبيل آخر سوى الانتفاض، ثم أن من قاموا بالانتفاضات لم ينتظروا إذناً من التاريخ ولم يعرفوا ما هي الساعة المناسبة. لم يكن هناك بد من أن تنفجر الضغائن من الاحتكاك الأول، ولم يكن هناك بد من أن تسيل الدماء. لقد أسس الطغيان على أرض محروقة لكنها عارمة بمشاكل تمتد إلى عمق التاريخ، ثم أن الكبت الشديد كان علة الانفجار، ومن لجموا الشعوب وفرغوا حياتها الاجتماعية والسياسية وتركوها أرضاً محلوقة، يتحملون تاريخياً مسؤولية الانفجار. كان الوضع هكذا ولا بد أن ينفجر المكبوت ولا بد أن تنكشف الضغائن، لا بد أن تخرج هذه من أول احتكاك إلى العلن، فهي تنتظره، وإذا كان القمع ضيّقا عليها فهي منذ ذلك الحين تنتظر الشرارة الأولى. لا نندم على الانتفاضات.

السفير

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...