الرئيسية / صفحات الناس / لن أترحم على قتلاكم ولو كان المقتول أبي/ خليفة الخضر

لن أترحم على قتلاكم ولو كان المقتول أبي/ خليفة الخضر

 

منذ مدة وصلتني رسالة عبر فايسبوك من أحد أقاربي القاطنين في مناطق سيطرة تنظيم الدولة “داعش” بريف حلب، يخبرني فيها بمقتل عمر قبس “أبو جعفر الطيار الأنصاري” في معارك التنظيم الأخيرة.

رسالته التي تدعوني للتوبة والعدول عن طريق “العصيان” الذي أسلكه، تذكرني  بـ”مناقب” الطفولة لعمر “أبو جعفر الطيّار الأنصاري”، كأني نسيتها!

لم أقرأ ما كتبه، بعد نبأ مقتل عمر، تركته يثرثر بما حفظه من بعض التهديدات المستهلكة التي حفظتها عن ظهر قلب، مؤمناً بأن الأعمار بيد الله، ليست بيد تنظيم الدولة أو غيره.

شاءت أقدار الثورة السورية التي اتخذت منحى الحرب بعد السنة الثانية لها، ومع تصدر تنظيم “داعش” للعلن، أن تُفرقنا، كأسرة وكعائلة وكمجتمع وكأصدقاء. فليس من الغريب سماع ابن يقتل والده ويفجر نفسه في مدينته كما حدث في مدينة حريتان عام 2015، كما وليس من الغريب أن يقتل ابن الأخت خاله بعد إيقاعه بفخ التحدث وذم سادة التنظيم لكي يحصل على مراتب أعلى بالتنظيم، كما حدث مع ابن عمي بشكل شخصي في صيف العام الماضي.

لم يكن عمر لي صديق الطفولة، بل مربّياً ومعلماً وصديق الدراسة والمسجد والحارة وطابور فرن الخبز. أتقاسم معه الطفولة بكل أبعادها في حي الجزماتي الشعبي بحلب.

راهقنا معاً، وأكلنا معاً في منزلي ومنزله، نتبادل الكتب في ما بيننا. قرأنا تفسير “ابن كثير” مع بعضنا البعض. كان يدرسني مادتي الرياضيات والفيزياء. كان جاداً معي وحازماً رغم كرهي للمادتين وتقاعسي الدراسي، على ضوء فوانيس الكاز. فحيي الشعبي وأحياء عدة في حلب، لم تشملها مسيرة التطوير والتحديث في ظل القيادة الحكيمة.

عمر: نحيل، أجعد الشعر، ذو عينين صغيرتين، يدرس الهندسة الكهربائية في جامعة حلب (قسم القدرة)، كان يعمل على مشروع تخرجه قبيل تحرير الأحياء الشرقية من حلب من ضمنها حينا. استطعت إقناعه بلزوم العصيان المدني والعمل في المناطق المحررة وعدم إعطاء أي شرعية للنظام السوري.

كان مهووساً بصنع الكهربائيات وصنع بعض البطاريات التي تغنينا عن رائحة فانوس الكاز، كما صنع من خلال المراجع الدراسية، بطارية تسمح لجهاز الكومبيوتر المكتبي بالعمل مدة ربع ساعة على الأكثر في حال انقطع التيار الكهربائي كي لا تتلف الملفات في الجهاز.

عند اعتقالي من قبل الجهاز الأمني لتنظيم الدولة بمدينة الباب بريف حلب الشرقي صيف عام 2014، سعى بكل طاقته وجهده لتزكيتي ولكنه لم يفلح.

مثل عمر في صفوف تنظيم الدولة، يرمونهم على الجبهات في حين يتسلم زمام الأمور أصحاب السوابق الجنائية. فالدولة دولتان: دولة الشباب السوري الملتزم الذي انحصر بعدة خيارات سيئة منها خيار تنظيم الدولة، فبحكم الوضع العائلي وبحكم المسكن والمدينة والراتب المغري والجهاد تحت شعار الخلافة والبيعة ضاع الكثير من الشباب السوري.

رفض صاحب الرسالة إخباري أين قُتِل عمر، رغم تكراري وإلحاحي له بالسؤال. يستفزك بجواب: وهل يوجد فرق إن كان النظام “النصيري” أو صحوات الردة من قتله؟

على الأرجح قُتِل عمر بالريف الشمالي لمحافظة حلب. ومن قتله هي فصائل الجيش الحر، بحكم تواجده في مدينة الباب.

غصة بين الذاكرة والواقع المرير، غصة تقتلني ولا تسمح لي بالترحم عليه، ولو كنت مقاتلاً ومسلحاً ورأيته أمامي بالمعركة لقتلته قبل غيري حفاظً على روحه، لكي لا أسمح له بنقل فكره بقصد أو بدون قصد لغيره، لكي لا تتلطخ روحه بدم أكثر من شخص..

لن أترحم على قتلاكم ولو كان المقتول أبي، مثلما لديكم ولاء وبراء، أيضاً لدينا ولاء وبراء لثورتنا أكثر مما لديكم.

المدن

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...