الرئيسية / صفحات سورية / ماذا بعد؟…….لكي لا يُهدر الدم السوري مرتين

ماذا بعد؟…….لكي لا يُهدر الدم السوري مرتين

 


محمود جلبوط

من المفهوم أن يقوم النظام بالدفاع عن مصالحه وعن الوضع الذي أمن له طوال فترة حكمه تحقيق هذه المصالح والتي قامت على النهب في ظل استباحة أمن الوطن والمواطن وحكم استبدادي وسمت معاملته مع مواطنيه “بلطجية” مافوية بعد أن غاب عن لوائحه قانون ينظم سلوكه تعارفت عليه التجربة البشرية الحديثة يقي البلد لكي لا تتحول على أيدي رجالاته إلى مزرعة عائلية أو شخصية فيصبح المواطنون على أرض هذه “المزرعة” “مرابعين” يسلبهم صاحبها حاكم سوريا متى شاء قوتهم وكراماتهم ومصدر رزقهم وسكنهم , ورغم رزحهم تحت كل ما سبق من كلكل كان مجبرون من الخوف على ممالئته “بالدبك” والرقص والتصفيق . لكن الغير طبيعي أن يستمر هذا الحال على ما هو عليه للأبد كما تصورت عائلة الأسد , لأن ذلك بكل بساطة يتناقض مع طبائع الأمور والنزوع البشري نفسه بل أن ما تحاوله عائلة الأسد الآن لإعادة إنتاجه منذ انقلاب تشرين 1970 رغبة في توريث حافظ الصغير أباه بشار لهو حالة شاذة وديمومتها من المحال , لأن قدرة المواطن السوري على قبول ذاك الذل الفظيع والجوع والخوف المفتوح فاق المحال ووصلت حد الإشباع فانتفض , نعم لقد نفض الشباب السوري عن كاهله الخوف الذي سيطر على قلوب الآباء وهاهو يدفع دمه ثمنا لجرأته تلك , هي ليست المرة الأولى التي ينزف فيها الدم في سوريا مشرعا على أيدي أجهزة الأمن الفاشية , فقد سبق له أن نزف فترة الثمانينات من القرن الماضي إلى الحد الذي لا يطيق المرء من بعده أن يرى دما , ومن المؤكد أن آباء هؤلاء الشباب المنتفضين قد رووا لهم عن بعضه , ولكن وكما يقول المثل الشامي :السمع مو متل الشوف , المهم أن بيت القصيد من هذا القول أن الدم الغزير الذي أريق في تلك المرحلة ذهب هدرا ولأنه كان كذلك أنتج ذاك الخوف الرهيب الذي أزالته جسارة شباب اليوم الاستثنائية , ولكي لا يُهدر الدم السوري مرتين نطرح عليه السؤال الذي عنونا به المقالة : وماذا بعد؟

سؤال يوجه بالدرجة الأولى إلى المنتفضين “ورثة الدم ” الماضي والحاضر ليتفكروا جيدا لصيانته من الهدر , ويسارعوا إلى حماية “حملهم” العزيز(التغيير الديمقراطي) : ليس لأنه عزيز ومخاضه عسير وحسب بل لأنه لزوما أن يكون من أولوياتهم , ولأننا نفترض أن من الواجب على المنتفضين الحرص على أن يولد “الحمل العزيز” سليما ومعافى وأن يهيئوا له كل مقومات الوضع الصحي والطبيعي وقابلية الحياة ولكي يتم له ذلك ما على “أصحاب الدم” سوى الإسراع في الإجابة على السؤال مع كل ما يتطلبه من وعي ووضوح وتروي وصبر وتسامح ومعرفة لطبيعة المرحلة وطبيعة المهمات واستشراف المستقبل وترتيب الأولويات وخوض التحالفات وتحديد العدو والصديق لأن أي خطأ سيكلف الشعب الكثير ويؤخر الوصول إلى الهدف وقبل كل هذا وذاك سيهدر الدم الزكي ويستجلب الذئب إلى كرم البلد , لأننا نرى أن على من يريد أن يصنع ثورة ينبغي عليه أن يستقرئ غدها قبل أن يخوض فيما يجب عليه ليومها حتى يستطيع حمايتها ويضمن لها نهاياتها السليمة ليبعد عنها قدر ما يستطيع الذئاب المتربصة للانقضاض عليها , ونحن نجتهد برأينا هذا لأننا نرى , وكما سبق وكتبنا في الانتفاضة المصرية , أن أي غياب لسلطة قرار يوجه حركة الانتفاض في سوريا وفي غير سوريا ويعلن عن رزمة أهدافه إن لجهة إجراء مفاوضات مع النظام لترتيبات انتقال السلطات أو لسبب غياب مفاجئ لأجهزته القمعية كما حدث في مصر أو لاحتمال هروبه المفاجئ كما حدث في تونس يخلق فراغا سياسيا يشجع قوى الثورة المضادة من داخل السلطة أو من “المندسين” ولو تشابهت مع ما يطلقه النظام يقصد بها باطلا , من داخل سوريا أو من خارجها أو كليهما لركوب الموجة والانقضاض على الدم المراق واستثماره لخدمة أجنداتها لأننا نرى , وحسب تجربة عمل سياسي سابق , أن سوريا تفتقر إلى تركيبة “دولة” وسلطة على طريقة ما ساد في مصر وتونس , أوجيش يمكن أو توكل إليه مرحلة انتقالية كما جرى أيضا في البلدين المذكورين.

إن النزول إلى الشارع بمظاهرات بعد إزالة الخوف هو الشق السهل في العمل الانتفاضي , وأصعبه هو حماية الانتفاضة واستمراريتها , وكما نرى مكررة لا يحمي الانتفاضة أو الثورة سوى العمل المنظم وبروح جماعية من مقوماته الأساسية بناء حزب ثوري أو جماعة أو جبهة لنسمها ما شئنا من الأسماء المهم في الأمر هو التنظيم ومراكمة الخبرة اليومية ووضوح الرؤية والسير على نهج برنامج وطني جامع وواضح يجاري مطالب الناس وطموحهم في التغيير , لأن العمل الفردي أو الشللي يفضي إلى الفوضى والفوضى والفراغ السياسي شيء خطير جدا على أي عمل سياسي أو ثوري وسيشكلان معول هدم لأي جهود بذلت وهدر لأي دماء سكبت ويفتح شهية الأعداء , ولذلك فما على المنتفضين السوريين سوى الاستفادة من تجربة من سبقوهم في الانتفاض في البلاد العربية الأخرى سلبا وإيجابا :

في تونس ومصر واليمن والبلاد الأخرى واستبعاد المثل الليبي السيئ , وأن يتبصروا في تجربتهم الخاصة ثم أن يختاروا ما هو الأنسب والأسلم لهم وللوطن وللأمة .

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...