من يجرؤ؟

 


روبيرتو بولانو

الترجمة من الإنكليزية: تحسين الخطيب

الكتب التي أتذكّرها جيّداً هي تلك التي سرقتها في مكسيكو سيتي، بين السّادسة عشرة والتّاسعة عشرة، وتلك التي اشتريتها في تشيلي حين بلغت العشرين، خلال الشّهور الأولى من الانقلاب العسكريّ.

كانت ثمّة مكتبة مدهشة في مكسيكو. كانت تسمّى المكتبة الزّجاجيّة، وكانت تقع في آلاميدا. كانت جدرانها، وحتّى سقفها، من الزّجاج. ولها عوارض من زجاج وحديد. بدت، من الخارج، مكاناً تصعب السّرقة منه. لكنّ الحذر أغراني بالمحاولة حتّى قمت بواحدة بعد وقت وجيز.

كان أوّل كتاب وقع في يديّ مجلّداً صغيراً لبيير لْوِيْس ( الشّاعر الإيروتيكيّ من القرن التّاسع عشر) بصفحات في سماكة صفحات الإنجيل، ولا أتذكّر الآن إن كان الكتاب هو أفروديت أم أناشيد بليتس. أعرف أنّني كنت في السّادسة عشرة، وأصبح لْوِيْس، لفترة وجيزة، دليلي. ثم سرقت كتباً لماكس بيربوم ( المنافق السّعيد)، ولشامبفلوري، وصموئيل بيبيس، والأخوين غونكور، وألفونس دوديه، وروفلو وأريولا، الكاتبين المكسيكيين اللذين كانا يمارسان الكتابة، في ذلك الوقت، على نحو ما، واللذين التقيتهما، ذات صباح، في شارع آفيندا نينو بيرديدو، وهو شارع مزدحم يرسم خريطة لمدينة مكسيكو التي هي ضائعة، بالنّسبة إليّ، في هذه الأيام، كما لو أنّه لا يوجد إلاّ في مخيّلتي، أو كأنّه، بحوانيته التّحت أرضيّة وعازفيه ومغنيّه، قد ضاع، مثلما ضعتُ في سنّ السّادسة عشرة.

أتذكّر، من سُدُم تلك الحقبة، من تلك الانقضاضات المختلسة، كتباً شعريّة عديدة. كتباً لأمادو نيرفو، وألفونسو رييس، وريناتو ليدوك، وغيلبيرتو أوين، وهيروتا، وتابلادا، ولشعراء أميركيّين، ككتاب ‘ الجنرال وليام بووث يدخل الجنّة’ للشّاعر العظيم فاتشيل ليندساي. لكنّ رواية واحدة هي التي أنقذتني من الجحيم وهبطت بي إلى الأرض. كانت الرّواية هي ‘ السّقطة’ لكامو. أتذكّر كما لو أنّ كلّ شيء يتّصل بها قد تجمّد في ضوء شبحيّ، ضوء المساء السّاكن، رغم أنّني قد قرأتها، وافترستها، في ضوء تلك الصّباحات الاستثنائيّة لمدينة مكسيكو؛ الصّباحات التي تشرقُ ـ أو التي أشرقت ـ بألق أحمر وأخضر يطوّقه الضّجيج، على مقعد في آلاميدا، بلا أيّة نقود، ويوم كامل في انتظاري، بل هي حياتي برمّتها في انتظاري. بعد كامو، تغيّر كلّ شيء.

أتذكّر طبعة الرّواية: كانت كتاباً ذا أحرف كبيرة ـ كمقرّر مدرسة ابتدائيّة ـ رقيقاً، مغطى بالقماش، ورسم مريع يزّين الغلاف؛ كتاباً تصعب سرقته، فلم أدر إن كنت سأخفيه تحت ذراعي أو في حزامي، لأنّه بان تحت سترتي الطّلابيّة، وفي النّهاية قرّرت حمله على مرأى من موظّفي المكتبة الزّجاجيّة، وهي أفضل طريقة للسّرقة تعلّمتها من حكاية لإدغار ألان بو.

بعد ذلك، بعد أن سرقت الكتاب، وقرأته، تحوّلت من قارئ حصيف إلى قارئ نهم، ومن سارق كتب إلى خاطف كتب. رغبت في قراءة كلّ شيء، الرّغبة التي كانت، وفقاً لسذاجتي، ذات الرّغبة في تعرية، أو محاولة تعرية، حفريّات الصُّدفة التي أغرت شخصيّة كامو لقبول قدرها الشّنيع. ورغم ما كان يمكن توقّعه، كانت مهنتي، كخاطف كتب، طويلة ومثمرة، لكنّهم أمسكوا بي في أحد الأيّام. لم يكن ذلك، لحسن الحظّ، في المكتبة الزّجاجيّة، بل في المكتبة القبو، التي تقع ـ أو كانت ـ في الجهة الأخرى من شارع آلاميدا، في آفينيدا خواريز، والتي كانت، مثلما يشي اسمها بذلك، قبواً كبيراً تتكدّس فيه أحدث الكتب القادمة من بيونيس آيريس وبرشلونة في حزم لامعة. كان إلقاء القبض عليّ مخزياً. كان كما لو وضع ساموراي المكتبة ثمناً لرأسي. هدّدوني بطردي من البلد، وبضربي في قبو مكتبة القبو، فبدا الأمر، بالنّسبة إليّ، كمحاورة بين فلاسفة جدد حول فناء الفناء، وفي النّهاية، وبعد مداولات، أطلقوا سراحي، ولكن ليس قبل الاعتراف بكلّ الكتب التي لديّ، ومن ضمنها رواية ‘ السّقطة’ والتي لم أسرقها من هناك.

ثمّ سرعان ما غادرت إلى تشيلي. إن حدث وصادفت روفلو وأريولا في مكسيكو، فإنّ ذات الشيء كان صحيحاً بالنّسبة إلى نيكانور بارّا وإنريكي لين في تشيلي، لكنني أعتقد أن الكاتب الوحيد الذي رأيته كان رودريغو ليرا، وهو يعبر مسرعاً ذات ليلة تنبعث منها رائحة الغاز المسيل للدّموع. ثمّ وقع الانقلاب العسكريّ، فبدّدت وقتي، إثر ذلك، في زيارة مكتبات سانتياغو كوسيلة رخيصة لدرء الضّجر والجنون. وبخلاف مكتبات مكسيكو، لم يكن ثمّة موظّفون في مكتبات سانتياغو، بل يديرها شخص واحد، والذي هو، في الغالب، صاحب المكتبة نفسه. هناك، اشتريت أثريّات نيكانور بارّا وأعماله الكاملة، وكتباً لإنريكي لين وخورخي تيلّير، والتي سوف أضيّعها، بعد وقت وجيز، رغم كونها قراءات أساسيّة بالنّسبة إلي؛ رغم أنّ ‘أساسيّ’ ليست هي الكلمة المناسبة: لقد ساعدتني تلك الكتب على التنفّس. لكنّ ‘التّنفس’ ليست هي الكلمة المناسبة أيضاً.

ما أذكره جيّداً حول زياراتي لتلك المكتبات هي عيون البائعين، والتي بدت، في بعض الأحيان، مثل عيون رجل مشنوق، ومحتجبة خلف غلالة رقيقة من النّوم في أحايين أخرى، والتي أدرك الآن أنّها كانت شيئاً آخر. لا أذكر أنني شاهدت مكتبات خالية أبداً. لم أسرق أيّة كتب في سانتياغو. كانت رخيصة فاشتريتها. وفي آخر مكتبة زرتها، كنت أتصفّح صفّاً من الرّوايات الفرنسيّة العتيقة، ثمّ فجأة سألني بائع الكتب، وهو رجل طويل نحيل على مشارف الأربعين، إن كان صائباً أن يوصي كاتب بأعماله إلى رجل محكوم بالموت.

كان بائع الكتب يقف في الزّاوية، مرتدياً قميصاً أبيض وقد شمّر كمّيه إلى مرفقيه، وكانت له حرقدة ناتئة تهتزّ كلمّا تكلّم. قلت إنّ الأمر يبدو بخلاف ذلك. عن أيّ رجال محكومين بالموت نتحدّث؟ سألته. نظر بائع الكتب إليّ، وقال إنّه على يقين من أن أكثر من روائيّ واحد قادر على وهب كتبه إلى رجل على شفير الموت. ثمّ قال إنّنا نتحدّث عن القرّاء اليائسين. يصعب عليّ الحكم، قال، ولكنّني إن لم أفعل، فلا أحد سيقوم بذلك.

أيّة كتب ستهبها إلى رجل محكوم بالموت؟ سألني. لا أعرف، قلت. ولا حتّى أنا أيضاً، قال بائع الكتب، واعتقد أنّ الأمر رهيب. أيّة كتب يقرأها اليائسون؟ أيّة كتب يحبّون؟ كيف تتخيّل غرفة قراءة رجل محكوم بالموت؟ سألني. لا فكرة لديّ، قلت. أنت فتيّ، لستُ مندهشاً، قال. ومن ثَمّ: إنّها كالقارّة القطبيّة الجنوبيّة. ليست كالقطب الشّماليّ، بل كالقارّة القطبيّة الجنوبيّة. تذكّرت الأيّام الأخيرة لآرثر غوردن بيم ( أحد شخوص إدغار الآن بو) لكنّني قرّرت ألاّ أقول شيئاً. دعنا نرى، قال بائع الكتب، أيّ رجل شجاع قد يسقط هذه الرّواية في حجر رجل محكوم بالموت؟ التقط كتاباً أنجز على نحو جميل، وألقاه على كومة من الكتب. دفعتُ له النّقود وغادرت. لا بُدّ أن بائع الكتب، حين استدرت لأغادر، قد ضحك أو نشج. وحين خطوت إلى الخارج سمعته يقول: أيّ وغد متعجرف يقدم على شيء من ذلك القبيل؟ ثمّ قال شيئاً آخر، لكنّني لم أسمعه.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...