الرئيسية / صفحات العالم / مهرجان الموت وأعراس الحرية

مهرجان الموت وأعراس الحرية

 


محمد كتيلة

يخطفنا الوقت إلى ما لا ندري بعد هذا الطوفان، وإن كنا نقدر ونعلم أثمان الحرية التي تدفعها الجماهير المنكوبة بأنظمتها، ونرى ونسمع ما يحدث في مهرجان الموت وأعراس الدم.. نسير’إلى ما وراء الزمن القديم، بين أزقته الرطبة، نتجسس على واحات الخوف التي كانت تشاكس آمالنا وتعاكس تطلعات الروح والمشتهى، نستغرق في التفكير ونبش الروح لنسأل: هل أبصرنا يوماً ما ما كان يغلي في العروق والدم العربي، وما يصطلي في العظام والأرحام. نحن الذين أفقنا ذات صحو هادر، على الساحات العامة، التي كانت’تشرد بأهلها وسكانها الذين غربوا واغتربوا وفصلوا عنوة عن أجسادهم وطعامهم وصلواتهم، وعن نساكهم ومحاربيهم القدماء وعن رجال الفكر والفلسفة والإدعاءات الثورية الباطلة، عن حليبهم وأشجارهم وأنهارهم، حيث لم تلد تلك الساحات التي تمتلئ بهم الآن غير البلادة والاستجداء والتصحر والخوف المستديم. ساحات خاوية وعويل، طرقات متشظية وبكاء، بيوت منسية متأسية، وشظف في العيش وقرف من الحياة، وصحراء تقبع خلف المواويل والأغاني التي غدرت بأهلها لتمجيد الطغاة الأوغاد، فابتعدت مسافة حياة، تلك الساحات هي غيرها في هذه الأيام العصيبة، الشوارع لم تعد هي الشوارع التي أقمنا على أطرافها وأرصفتها العمر كله،’نترنح’وننوس بين الموت والشقاء وأغلال العبودية.. وكأنها الآن قد اغتسلت بدماء أهلها، فاستعادت شوقها لأزرق السماء وأبيض الياسمين، وكأنها استردت بهباتهم التي تلألأت وماجت، رائحة الأرض الحبلى بعشاقها، والعبق الشهي في ربيع أجساد الصبايا والشباب المشرعة صدورها لأنسام الحرية، هبوا بالآلاف وهم الآن بالملايين، يا لهم ويا لمجدهم وعزتهم كيف أصابونا بالحيرة والارتباك!

وكأننا لم نكن نستطيع أن نرى الحياة إلا من خلال دمهم الذي نسيناه تماماً.. وكأننا من دونهم الآن، لن نقدر أن نموت بحرية ومن غير خجل… ابتعدنا عنهم فما ابتعدوا، نسينا أشكالهم وأعمارهم، كتبهم المزيفة ومدارسهم المسيجة برجالات الأمن وجنرالات الهزائم، فكبروا رغماً عن صمتنا وخذلاننا لهم، وصاروا إلى ما هم عليه الآن، ولم ننتبه ولم نلتفت إلى أجسادهم الفتية، الممددة المتشظية في هذه الساعات المخيفة، أمام أعيننا وبالمجان، كنتف وبقايا أجساد حارة، وأرواح متقطعة الأنفاس في سويعات النهار والليالي، ولا من منجد ولا من مغيث، والصيف قائظ وحيران.. يُصرعون في البيوت، وعلى ذات الشوارع والساحات المطلة على المآذن والكنائس، التي رمانا الطغاة خلفها كنفايات فغلبنا النعاس، وتحولنا وحُولنا في زحمة الجور والعسف والاضطهاد والملاحقة اليومية والمطاردة، حتى رغيف الخبز، إلى ظلال للمآتم والخسارات الطويلة والهزائم المتعددة، فإلى متى نبقى شهود عيان؟

من هم ومن نحن ومن هذه الوحوش التي تغزو المدن، وتَغيْرُ في وضح النهار على البيوت والأمهات والطفولة والكهولة، تقتل ما تقتل، من الشباب العزل والصبايا الداميات حزناً وشوقاً لعناق المستحيل، على مذبح الحرية أو ظلالها، أين كانت هذه الذئاب والضباع التي خرجت من أوكارها، لترسم بطلقات المسدسات الكاتمة للصوت والنفس، والبنادق والمدافع، شكلاً دامياً’ للوطن المسجى، المثقل بالأوجاع والدموع، والفقد والحسرة واللوعة، وذلك الشعور الممض الخانق الساحق، لأن القاتل لا يشبه الضحية، ولا يجري فيه أي نفس من أنفاس الهوية الواحدة المفعمة بالعروبة وطيب الأرحام الحرة الأبية.

إنها الحرب الأخيرة وقد أعلنها الطغاة، بين قاتل كان يختبئ في جلدنا، ويعيث فساداً في عظامنا ولحمنا، ويشرب من دمنا، وبين ضحية يجبرها القاتل أن تقف في دمها لتشكر الطاغية وتهتف: مرحى للجريمة، مرحى لتدمير الأوطان، وما لها وما عليها، فكيف لهذه الملايين العاطلة عن الحياة، أن تسامح بقطرة دم، بعد أن أصبح الوطن كله بيتاً للعزاء؟

ولنفترض أن القاتل انتصر في حربه الضروس، وبعد أن أهلك ما أهلك من البشر الأبرياء، وبعد ما أزهق وما أحرق من أرواح أطفال وشباب ورجال وصبايا ونساء، وبعدما نكل وهتك وفتك، فهل سيتسع الوطن لقاتل وضحية في علم واحد ونشيد، وكيف ستتعايش ملايين الضحايا،’مع سفلة يتوعدون الوطن بالرصاص، بالفناء مقابل الحرية، بالتركيع لمطلب الكرامة وعزة النفس المتأبية على الخضوع؟

من السهل على القاتل ومن تنقصه المروءة، أن يستعذب النظر في وجه الضحية، الآن وفي القادم من أيام المجازر، وأثناء الغدر بها بوحشية وقذارة لا مثيل لها، لكنه سيفاجأ حتماً، عندما يكتشف أن رعب الضحية القديم، قد اختفى ولم يكن مزمناً، ولقد انتقل إليه من دون أن يدري، أو لأن حساباته كانت دائماً وأبدا، تعتمد على قدراته الجهنمية، وبغض النظر عن إمكانيات وطاقات الشعب الكامنة وراء الأسوار والمعتقلات والسجون، ظناً منه أنه سلبها منه للأبد، أما الضحية، سيمنعها الحرج من النظر في وجه القاتل، ليس بسبب الخوف الذي انتهى وانقضى ومضى إلى غير رجعة، بل من شدة القرف، وشعورها بالإقياء، كلما تفرست في ذئبية وجه القاتل السافل، الذي سقط وتمرغ بين الأقدام. ‘إلى أين ستعود هذه الضحايا وهي بالملايين،’بعد أن دمرت ديارهم، وبعد أن مزقت أطفالهم وتهشمت أحلامهم، وبعد أن كرهوا حياتهم المذلة في أوطانهم، إلى أين بعد أن رأينا فيهم الحياة وفرجة الأمل الوحيدة، بعد شقاء العمر والذل المرير،’وهل في مقدورنا أن نتركهم في العراء، تتصيدهم بنادق القتل وفوهات الرشاشات والمدافع، بلا شفقة أو رحمة؟ ألا يعترينا الخجل والإحساس المغل الدامس بالمذلة والمهانة؟.

‘ كاتب فلسطيني يقيم في كندا

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...