الرئيسية / صفحات سورية / نقاط اتفاق وافتراق دولية!

نقاط اتفاق وافتراق دولية!

ميشيل كيلو

نقطة انعطاف مفصليّة للثورة السوريّة

تشارك الروس والأميركيون في ارتكاب اخطاءٍ متبادلة حيال الثورة السورية، التي تحوّلت بفضل هذه الأخطاء إلى معضلة تتحدّى سياسات الدولتين التي تبدوان عاجزتين عن تصحيحها.

إذ، بينما انغمس الروس في الصراع الداخليّ بطرقٍ جعلت منهم جهةً مقاتلة بصورةٍ مباشرة أو بالواسطة، تحاشى الأميركيون لفترةٍ طويلة الإقدام على انخراط مقابل، مغامرين بهزيمة الطرف السوريّ الذي يقاتل النظام وليس حليفاً لواشنطن. لكنّ هزيمة هذا الطرف ستمثّل ضربة موجعة لهم، لكون الولايات المتحدة قطباً في الصراع الدوليّ الآخر في شرق أوسطٍ يحتلّ مكانةً خاّصة في سياساتها، لديه من الثروات والأموال ما يجعل الخروج منه كارثة محقّقة ستحلّ بها. إلى هذا، وفي حين يزوّد الروس النظام بكمٍّ من الأسلحة المتقدّمة وببحرٍ من الذخائر على أمل احتفاظه بزمام المبادرة، ونجاحه في الحؤول دون حدوث تبدّلٍ كبير في موازين القوى لصالح المقاومة والجيش الحر، اتّخذ الأميركيون موقفاً يضمُر تحديات وجوديّة بالنسبة إلى الطرف الشعبيّ المقاوم، الذي وجد نفسه مجبراً على القتال بأسلحة متخلّفة كمّاً ونوعاً، بالمقارنة مع ما يمتلكه ويستخدمه النظام. ولولا تصميم السوريين على الخلاص من النظام بأيّ ثمن لكانوا ربّما هزموا، أو قبِلوا حلاًّ لا يستجيب لمطالبهم وطموحاتهم، ولانصاعوا للإرادة الدولية التي تتقاطع وتتلاقى على تركهم في حالٍ تمنعهم من إحراز انتصارهم المأمول. أخيراً، في حين قرر الأميركيون تحويل خطٍّ أحمر هو منع تسليح المعارضة إلى خطٍّ ورديّ يسمح لدول الخيج بتقديم دعمٍ مدروسٍ لها، ورفعوا القيود الداخلية التي كانوا قد فرضوها على جمع الأموال لصالح الثورة، بدأ الروس يعلنون عن “شحنات” تنقلها سفنهم إلى مرفأ طرطوس، لموازنة الإجراء الأميركي/الخليجيّ، وكي لا تتغيّر موازين القوى ضدّ حليفهم، ما دامت نتائج الصراع تتوقّف بصورة مباشرة على تغييرها، الذي يؤمل أن يجبر أطرافاً في السلطة على قبول التفاوض مع المعارضة، كما يأمل الأميركيين، وأطرافاً في الجيش الحر والمقاومة على مفاوضة النظام، إذا ما تفوّق النظام، كما يريد الروس.

كلّ هذا علماً بأنّ الطرفين أعلنا أنّهما اتفقا على أنّ الحلّ التفاوضيّ هو الطريق الوحيدة للخروج من أزمةٍ تبلبل علاقاتهما والوضع الدولي، وتتحدّى خبراتهما في إدارة أزماته، وتحرج مؤسّسات الشرعيّة الدولية والقوى الإقليمية والعربية، وإن بقيا مختلفين على سبل مقاربة الحلّ وتحقيقه. بعد أن أدّى توازن قوى داخليّ لم ينجح طرفا الصراع في تغييره، إلى ضربٍ من الدوران في حلقة مفرغة، تجلّى في عجز الدور الروسي عن انتشال النظام من مأزقه القاتل، والدور الأميركي عن الخروج من سلبيّةٍ برّرها بتخوّفه من قوى متطرّفة وبتحفّظه على انقسامات المعارضة؛ علماّ بأنّه لم يقرّر بعد مبارحة هذه السلبية، وربما كان لن يبارحها، ما دام تدمير سوريا مصلحةً أميركية وإسرائيلية عليا، ويتمّ بيد نظامٍ تزوّده موسكو بسلاحٍ يخدم استعماله السياسات الأميركية والإسرائيلية، بينما يلحق أفدح الضرر بروسيا ؟!. ولماذا تبارح أميركا موقعها وتنخرط في الصراع، إذا كان ذلك سيحدّ من قدرة موسكو على تزويد النظام بالأدوات اللازمة لتدمير سوريا، وسيضمر احتمالات خطيرة تتّصِل باختلال توزان القوى لصالح المعارضة، ما قد يمكنها من تحقيق قدرٍ من الاستقلالية يتيح لها الخروج من عباءة خارجٍ يتحكّم بحركتها وحساباتها وبمفاصل الوضع السوري برمّته؟.

يقدم الروس سلاحاً لا يُجدي في غير تدمير سوريا، ويقلّل قدرتهم على التأثير الإيجابي في مجريات الأحداث، كما في حماية مصالحهم. لذلك بقي الأميركيون سلبيين تجاه الحدث السوري، واعتمدوا سياسة توازنٍ بين نظامٍ صار آلة حرب، وبين نمطٍ من الصراع يستخدم كثافة المقاومة للتعويض عن ندرة وتخلّف سلاحه. واليوم، وقد قرر الاميركيون اعتماد خطّ تسليح ورديّ ينفّذه آخرون، هل يعني قرارهم التخلّي عن سياستهم التقليدية في المسألة السورية؟ وهل سيعتمدون سياسة التفاوض كنهجٍ دائم أم وقتيّ، في حال تواصل انقلاب موازين القوى لغير صالح النظام؟. وماذا سيفعل الروس عندئذ؟ وهل سيردّ الاسد بالأسلحة غير التقليدية لكبح هذا التحوّل والحفاظ على وحدة نظامه، الذي انشق عنّه مؤخراً ضابطٌ كبير هو اللواء محمد خلّوف، وقد يكون انشقاقه بداية التصدّع النهائي للسلطة؟.

تلاقت السياستان الأميركية والروسية وتكاملتا من موقعين يبدوان متناقضين خلال فترةٍ طويلة جداً من الصراع السوري، رغم تعارض أهدافهما ومصالحهما وخياراتهما. وهما تعنيان اليوم بصورة متزايدة بأوضاع وعلاقات الداخل السوري، التي تتبدّل بطريقة قد تجعل إجراء تسوية متوازنة بين الطرفين مستبعدة، مع انزياح ميزان القوى المتزايد لصالح المعارضة، والتصميم الروسي/الاسدي على الحيلولة دون تشكّل تيار داخل السلطة يقبل انتقالها إلى الديمقراطية تنفيذاً لاتفاق جنيف بين الخمسة الكبار، الذي يعتبر هذا الانتقال النقطة الوحيدة في أيّ حلّ دوليّ أو داخلي للصراع .

تدخل المعضلة السورية في لحظة انعطافية وحاسمة، سينتجها تعاظم دور المقاومة الداخلية في الصراع، واستقواء لأطراف الخارجية استقواءاً متعاظماً به، بعد أن كان هو الذي يستقوي بها، ويتعيّن بأدوارها وبدلالتها. في هذا السياق، يرجح الدور الأميركي ببطء على الروسيّ، بالتلازم مع رجحان كفّة المعارضة ببطء أيضاً على كفّة النظام. إنها نقطة انعطاف مفصلية سيكون لها نتائج هائلة على سوريا وثورتها!.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

39 − = 29

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...