هشام ..


شيرين الحايك

لم يعد يفصلنا عن اللحظه التي يـُعلن ُ فيها إسقاط النظام رسميا ً في سوريا الكثير، إنهياراته الداخلية و الخارجية باتت تبدو أكثر وضوحاً. وحشية النظام التي صارع َ فيها الشعب السوري على مدى عام ٍ و نصف من الإجتياح الوحشي المخيف لجسد الثورة بدأت تتحوّل لوحشيّة داخلية يأكل فيها النظام نفسه و يلتهم ذاته. على هذه الصورة يترائى لي عندما أفكر بأحداث الأسابيع الماضية، ما قبل الربع ساعة الأخيرة لإعلان سقوط النظام، أراه ُ على هيئة وحش ٍ ضخم و كبير يتجوّل وحيدا ً في غابة ٍ لم يعد فيها شجر أو حجر، يدوس على جثث و عظام كلّ من إلتهمهم قبل َ أن يكتشف بأنّه لن يتمكن من ممارسة المزيد من القتل و العنف على شيء، لأنه مارسه ُ ضدّ كلّ شيء، و في هذه اللحظه الغاضبة جدّا ً و التي يصرخ ُ فيها عالياً، يبدأ بإلتهام نفسه.

كتب َ لي هشام، هشام هو شاب لا أعرفه ُ من حمص، منذ ُ فترة ٍ بإيميل لم أتمكن حتّى هذه اللحظة من الإجابة عنه ُ. تحت عنوان ” كان يوما ً حزينا ً”، كتب َ هشام عن كيف َ يمكن للحياة أن تسقط مع سقوط النظام، عن كم إستهلكت هذه الحريّة القادمه من رحم ِ الشهداء من حياة، من حبّ، من تفاصيل عمرنا لدرجة أنّ شيئا ً لم يعد يمنع الحزن من أن يكون سيّد كلّ المواقف، “اول ما بدأت الثورة كنت قول لحالي .. يا سلام لما رح يسقط بشار شو رح نحتفل بالساحات وشو رح نهيص ونطبل ونزمر وشو وشو وشو .. اما اليوم فلا .. صار بدي ياه يسقط بس .. ما بدي هبص واحتفل وطبل وزمر بالساحات .. بالعكس … بدي ابكي كتييير وبدي اعتزل الناس ببيتي لايام واسابيع ….”

الثورة لم تكن يوما ً ملكا ً لأحد، أو حكرا ً على أحد، لكنها من كلّ بد كانت تجد ُ فرحتها الكبرى عندما يراقصها الشباب البسيط الثائر، الشباب الذي لربما كانت حياته ُ مكتوبة ً و مرسومة ً بخطّ ٍ بيانيّ منذ الولادة، تمرّ بثلاثة أو أربعه أنكسارات ٍ فقط، و ما عدا ذلك فهي َ خطّ مستقيم يصل ُ النقاط المتغيرة ببعضها ليس َ أكثر. الثورة كفتاة عاشقة تسكن ُ أجساد جميع من تحبّ لتنجب، فقط من الذين يعشقونها أكثر مما تعشقهم، براعم حريّة ٍ.

يكمل هشام:

” كنت عم قول لحالي انو لما رح يسقط بشار … رح ننزل عساحة الحرية بحمص انا ورفقات الحارة مازن وغسان وايهم ورح نعمل العمايل ونخلي البشرية تتفرج على فرحة انتصارنا .. اما هلا فلا … الموضوع اختلف كتيييير .. كتير مو شوي .

نحتفل بسقوط بشار ؟؟ خليه يسقط وما بدي احتفل وما بدي سوي شي.

بدي ابكي على مازن اكتر مما بكيت عليه يوم استشهد .

وبدي وقف مع غسان اكتر مما وقفت معو لما استشهد ابوه .

وبدي ساعد ايهم اكتر مما ساعدتو لما انهدم بيتو .

بدي اقعد ببيتي وابكي كتييير على اللي راحو وهن عم يحلمو يشوفو هاليوم وما شافوه .. لا تقولولي دموع الفرح .. لا .. رح ابكي دموع الحزن عليهم .. ومو غريبة ابكي عليهم دماء الحزن ومو بس الدموع ..”

كثيرا ً ما أفكر ُ بهشام عندما أسمع أنباء تبشر ُ بقرب سقوط النظام، أفكر ُ بالذي سأفعله ُ في لحظه إعلان السقوط المنتظر. أنا الآخرى أشعر ُ بأنّ أوّل ما سأفكر ُ به هو الشهداء، المعتقلين، النازحيين و المهجريين. لا أعرف ُ أين َ سأكون و ما سأكون أفعل عندها و لكنني أعرف بأنني كلّما فكرت في تلك اللحظه، وإينما كنت، أشعر ُ برغبة ٍ كبيرة ٍ لأن أترك جسدي يهوي على أقرب ِ كرسيّ و يجلس َ لأعيش َ لحظة ً مع الصور و الحالات و القصص منذ ُ بداية الثورة و حتّى اليوم. أجلس َ لأسأل نفسي: ما معنى أننا إنتصرنا؟ و كيف َ نصون الأمانة؟

لا أريد أن أبدو متشائمة، على العكس تماماً فليس َ هناك َ أكبر من التفاؤل بمستقبل ٍ ولد َ من رحم ِ شهداء كشهدائنا، دافعوا عن حقهم في الموت شهداء حتّى استشهدوا بقوّة و حبّ و ثورة يعجز الموت نفسه ُعن إحتمالها فيرتاح ُ بين شهيد ٍ و شهيد في جسد ِ شهيد ٍ آخر. مستقبل ٍ ممزوج ٍ بعرق ِ معتقلين ناموا كثيرا ً في الظلام و الأقبية كي يتأكدوا بأن يسقوا جذور الثورة من عمق الآرض بالحبّ و الدموع حينا ً و بحكّ جراحهم على القضبان كي تنام قليلا ً عن حراسة قصر الطاغية حينا ً آخر.

المستقبل في سوريا قادم، و سيأتي لغيير ذلك الوجه الذي تلبسه السماء فوق بقعة التراب السوريّ لأنها ستخجل أمام َ جماله ِ، و ستنحني في كلّ مساء ٍ إحتراماً لكلّ من ضحى و كلّ من إشتهى التضحية و نال الحريّة. لأجلهم جميعا ً سنقاتل أكثر، و نعشق أكثر، و نحلم أكثر، نتحرر أكثر، نحبّ الحياة أكثر، و الحريّة اكثر، و نحزن على ما بقي فيننا من أشياء لم تموت لأنهم فضّلوا التضحية عنها.

“انا ما عم قول يا ريتنا ضلينا ساكتين وما عملنا هالثورة ولا دفعنا اللي دفعناه .. انا ما قلت هيك .

التضحيات بدها تندفع اولا واخيرا … اذا مو هاي السنة فبعد عشر سنين .. لكن رح تندفع ..

لكن اسمها تضحيات ورح يبقى اسمها تضحيات … والتضحيات هي انك تدفع اشياء غالية كتيييير على قلبك لتنال اشياء اغلى واحلى .

بيجوز رح عيش ايام وبيجوز اسابيع وبيجوز سنين بعد سقوط بشار .. ورح يجيني اولاد وسميهم مازن وغسان وايهم وووو ..

ولما رح يسألوني اولادي : بابا اوصف لنا فرحتكم يوم سقوط بشار  ..

بتعرفو شو رح جاوبهم ؟؟

رح قلن … لقد كان يوما حزينا .. “

صفحات سورية

الصورة للمصور
Alessio Romenzi
أليسيو رومنزي
صور هذا العدد الرئيسية كلها لهذا المصور بمثابة تحية من “صفحات سورية” له، ولأعماله المميزة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...