الرئيسية / صفحات الثقافة / هو دم حقيقي على الشاشة

هو دم حقيقي على الشاشة

 


مها حسن

أثناء حرب العراق، عبّر مايكل مور عن عجز السينما أمام مشاهد العنف الجارية هناك. قال آنذاك،إن ما يحدث تجاوز الشاشة.

كانت حوادث قطع عنق الرهينة،أمام الكاميرا، من أفظع المشاهد وحشية، واُعتبرت كممارسات جديدة في تاريخ العنف الحديث.شخصياً، عشت رُهاب استنجاد الرهينة الأميركي، ذي العنق الممتلئة،لأسابيع، وأنا أرتعد من الهلع.

أما أسامة محمد، وفي حواره الأخير الذي نشرته جريدة السفير، فقد تحدث عن” الزميل الجلاد السينمائي”، الذي يمثّل بالضحية ويتلذّذ بالعنف حيث “الكاميرا هنا أداة لذة للجلاد،وأداة تعذيب نفسي لا يدرك اتساع أذاه إلا الضحية”.

يكاد “اليو تيوب” اليوم يكون شريكاً في الثورة. كاميرا الموبايل بدورها تساهم في الثورة، الكاميرا التي أصبحت المرجعية الأساسية وهي ترفد مواقع اليوتيوب بإنتاجها الاعتباطي، الباحث عن تقديم وثيقة، أو الاستنجاد بقشّة في محيط بعيد، أو للتلذذ فقط بمتعة تصوير الضحية، الكاميرا التي حرّرت الصورة من قلق الحرفيّة، وحرّرت الضحية من التعذيب السرّي، وحررت الجلاد من “غبن التهميش”، ليصبح الجلاد السينمائي ـ وفق تعبير أسامة محمدـ شريكا في المشهد الواقعي، إلى حد الفانتازيا.

في لقطة مختلفة، بعيداً عن قطع العنق أمام الكاميرا، وصورة الصبي الذي يقبّل الحذاء، والتي اشتغل عليها، ببراعة نصية المخرج أسامة في مهرجان كان، عبر كلمته التي قدمها، مقتطفا ثلاث صور من فيلم صوره رجل أمن.. في لقطة أخرى، وفيلم آخر لرجال الأمن.. أستطيع أن أسميه “نشوة الانتصار”، حيث المشهدية العالية، مع مؤثرات تتجاوز السينما، لأبطال نخالهم مخمورين، لكنهم يقظون، وقد أسكرهم النصر القذر.. نعم، يحق لنا خلط المفاهيم، فكما تحول “الزميل السينمائي” إلى جلاد، أو الجلاد إلى زميل سينمائي لدى أسامة محمد، يتحول النصر إلى قذارة، في فيلم “نشوة الانتصار”.

المكان : فوق سطح جامع الكرك في درعا البلد

الزمان : حزيران 2011

التصوير: عسكريون

الموسيقى التصويرية: صوت إطلاق رصاص

الممثلون: عسكر وجثث

كتابة وإخراج وإنتاج: الجلاّد

يظهر في الفيلم رجال بملابس عسكرية، يلتقطون الصور، يتبادلون الشتائم بحميمية الأصدقاء، حيث ثمة من يعيق أحدهم عن التصوير، مارّاً أمام الكاميرا، يصرخ به ” بعّد صفّوري .. صفّوري بعّد يلعن سماك”.يتبادلون النكات، التقدير”الله محيي الشباب”، يظهر الشباب، مستحقي التقدير، مدججين بابتساماتهم الظافرة، وبنادقهم المدمّاة يلكز أحدهم إحدى الجثث بأخمص بارودته أحدهم، قبالة الجثث، مسترخٍ على بقايا أحجار لجدار متهدم، وقد أنهى مهمته، وجنى نصره، مرّت عليه الكاميرا، فرفع علامة النصر بإصبعيه.. جمجمة فارغة، فتحت فيها النار كوة كبيرة، كأنها جدار مفتوح.. اندلق جدار الجمجمة على أطرافها، وظل الرأس مفتوحاً..العساكر يتصايحون كأنهم في حفل، يمشون على أرض تمددت عليها الجثث، كسجاد بشري. بين أقدامهم، تستلقي الجثث المشوهة باسترخاء أزلي، محفورة العيون بهلع.. يتجولون بينها، يتفرجون عليها كأنها دمى من دم، يشتمون الجثث، يبصقون عليها، لم ينقص المحتفون بنصرهم القذر إلا بعض علب البيرة التي تكمّل المشهد الثمل، وتزيد في فانتازيته.

لم أتعرّف على صفوري في الفيلم، لست متأكدة إن كان الشاب السعيد إلى درجة السُكر، والذي رفع سلاحه، وقال عبارات لم تتضح بسبب ضجيج رفاقه المحتفين.. رفع سلاحه بتباهٍ وبصق على الأرض، حيث يرقد الموتى.. أكان ذلك هو صفوري،النجم الذي تكرر اسمه، والذي جلس قرب الشاب الذي رفع إشارة النصر بإصبعيه.

فيلم لا يتجاوز الدقيقة وعشرين ثانية، لكنه، أقوى من الشاشة. ممثلون أقوى من نجوم السينما.. الدم هنا حقيقي، الجثث، السلاح، الرصاص، كل شيء هنا حقيقي.. وابتسامات العسكر حقيقية، فرحهم حقيقي، نشوتهم بالنصر، تفوق أي نشوة إبداعية يرسمها ممثل عالمي على وجهه محتفياً بانتصار بلاده على الأعداء، أو انتصار قضيته العادلة على الشر والأذى.

السؤال المرعب، بعيداً عن الإنسانية التي تم تدميرها، وعن الوحشية التي انتصرت وتم الاحتفاء بها، في هذا الفيلم، ولكن، على من ينتصر هؤلاء؟ القاتل والضحية مواطنان لبلد واحد، أنجبتهما بطنان لامرأتين من بلد واحد. ربما يجهل القاتل” الجلاد السينمائي” الذي يحمل الموبايل ويصوّر بشغف، أو الذي يحمل السلاح،أو راسم أمارة النصر، أنه ولد في اليوم ذاته،الذي ولد فيه مواطنه، هذا ذو الرأس المفتوحة، أو العين المفقوءة، أو الآخر الذي سقطت ساقه.. وربما ولدا في المشفى ذاته، أو الحي ذاته، وقد تكون القابلة التي سحبت أحدهم من رحم أمه، هي ذاتها التي فعلت مع الآخر.. كيف تتحول ساحات التصوير السادية، لتجمَع َفريقين، يُفترض أنهما فريق واحد؟ كيف يفرح المواطن، بقتل مواطن مثله، شريكه في البلد، التاريخ، الانتماء، الحب.. في حب هذا البلد؟

شاشة هذا الموبايل، أقوى من الشاشة الفضية، “الزميل الجلاد” يفوق مايكل مور وأسامة محمد، والشاب الرافع إمارة النصر،والآخر المبتهج، والشاتم لأصدقائه بحميمية السُباب، كل هؤلاء، نجوم حقيقيون، أكثر براعة من آل باتشينو، أو مارلون براندو،أو روبير دو نيرو في شبابه،… كل هؤلاء الرجال، الجثث، الراقصون على الجثث، الضحك، البهجة، الشتائم، الحوار مع الجثة، التهكم من الميت، .. كل هذا، يفوق السينما، يتجاوز السينما،أقوى من السينما!

المستقبل

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...