الرئيسية / صفحات العالم / واشنطن ودمشق: الفرصة والإنذار

واشنطن ودمشق: الفرصة والإنذار

 


عريب الرنتاوي

استثنت الإدارة الأمريكية الرئيس السوري بشّار الأسد من لائحة المشمولين بعقوباتها…تلك اللائحة التي باتت تضم أبرز اركان النظام السوري…في بادرة لا تخلو من الدلالات…ودلالاتها لا  تخفى على أحد.

والحقيقة أن الرئيس الأمريكي لم يوقع على قرار واحدٍ فقط، يقضي بفرض عقوبات جديدة على النظام السوري…بل يبدو أنه وقّع في الوقت ذاته، على قرار آخر، يقضي بإدخال العقيد الليبي وعائلته، في خانة المستهدفين بضربات سلاح الجو….لقد سمح لطائرات سلاح الجو الأمريكي باستهداف أماكن تواجد الزعيم الليبي وعائلته في طرابلس الغرب…وأحسب أن الغارة التي أودت بحياة “سيف العرب” القذافي وثلاثة من أحفاد العقيد، قد كانت أولى ترجمات القرار الرئاسي الأمريكي المذكور.

ما الذي يمكن أن نستخلصه من كل هذا وذاك؟…في ظني أن الخلاصة التي لا تخطئوها العين أيضاً، تنطوي على رسالتين اثنتين، كلتاهما موجهتان للرئيس السوري، الأولى وتقول: ما زال لديك متسع من الوقت…رصيدك لم ينفذ بعد فحاول أن تستنفذه…تحرّك قبل فوات الأوات…أخرج من قبضة من يحيطون بك…لا تصغ إليهم.

أما الرسالة الثانية، وقد جاءت مُتممة للأولى وتقول: الوقت يشارف على النفاذ…والرصيد يكاد يتآكل، ومصير القذافي وعائلته هو ما ينتظرك إن لم تفعل ما هو متوقع منك…سارع إلى فعل ما يتوجب عليك فعله، وإلا وجدت اسمك مدرجاً على رأس اللائحة السوداء التالية.

الرئيس السوري اختار على ما يبدو، النمودج الليبي في التعامل مع ثورة شعبه وانتفاضته… لم يرتض بخيارات مبارك وابن علي…هو لم يُصغ إلى نداءات الشارع…ثمة ما يشبه حالة من الإنكار، ترخي بسدولها على النظام في دمشق…لقد اختار الحسم العسكري والأمني…من دون أن يقدم أي بديل سياسي يمكن للشعب السوري وقواه الحية، إن يبحثوه أو حتى يتجادلوا فيه وحوله.

الإدارة الأمريكية تبدو سائرة على طريق “بناء قضية” ضد الرئيس السوري…وربما تكون قد إختارت الأسلوب ذاته، التي اتبعته في تعاملها مع القذافي…أمهلته ردحاً من الوقت ليترجل، فلم يفعل….حملت عليه دبلوماسياً، فلم يرعوِ…ضربت مواقع تجمّع قواته وخطوط تحركها فلم يرتدع…لم يبق سوى استهداف القذافي شخصياً وضرب عائلته وأركان نظامه، وهذا ما بدأته طائراتها الحربية أمس الأول…وهذا ما قد تفعله في سوريا كذلك، وإن بالتقسيط والتدرج…هي لم تطلب بعد رحيل الأسد ونظامه، كل ما تفعله حتى الآن، ممارسة بعض الضغوط السياسية والدبلوماسية…لكن الحال لن يبقى على هذا المنوال، فإن استمر الأسد في السير على خطى القذافي، ستستمر واشنطن بالتعامل معه بذات الطريقة التي تعاملت بها مع القذافي، وربما بقسوة أشد.

على الرئيس الأسد أن يتحرك…عليه أن يتحرك بسرعة وجرأة وشمول…لا خوفاً من واشنطن، بل طمعاً في إرضاء شعبه والاستجابة لطموحاته…عليه ألا يصغي  لآراء أقربائه وأنسبائه ونصائح الحلقة الشريرة من مستشاريه “الأقربين”…إن لم يفعل ذلك، فإنه مرشح لأن يواجه أقصى العقوبات وأشد الضربات..عليه أن يواجه احتمالات قيام واشنطن بشن ضربات على سوريا..واشنطن مضطرة لأن تفعل ذلك…وهي مضطرة لأن تفعله في وقت ربما ليس بالبعيد.

على الرئيس الأسد أن يتحرك الآن بسرعة وشمول…مستغلاً الفرصة الممنوحة له من أطراف عدة، بما فيها الولايات المتحدة…فضلا عن تركيا / رجب طيب أردوغان…والأهم أن بعض الشعب السوري ما زال يعطيه مثل هذه الفرصة…فرص عديدة ما زالت بين يديه وممنوحة له من الداخل والخارج…المهم أن يتحرك بسرعة وجدّية، فلا وقت لديه ليضيّعة أو ليبيعه ويشتريه.

إن لم يفعل، فإن الرسالة الأمريكية قد وصلته بالأمس…وقد وصلته من “باب العزيزية”، والضربات الجوية التي باتت تطاول القذافي شخصياً وافرد عائلته…أنت لست مخلتفا عن ليبيا…ليبيا أولى بوضعية الدولة “الأولى بالرعاية”…على الرئيس السوري أن يتحرك، قبل أن يرى القنابل تتساقط في مأمنه وحديقته الخلفية…وإلا فإنه سيكون قامر بكل شيء…وسيكون قد جازف بمواجهة ذات المصائر.

حتى الآن، لا يبدو أن الرئيس قد قرر الدخول شخصيا على خط المعالجات الميدانية…أو أقله قد قرر الدخول جدياً مع من يجب ان يتدخل معهم، وبالوسائل التي يفهمونها….هو ترك الأمر للحكومة، وهذه بدورها صرّحت بـأنها تمتلك خطة للإصلاح السياسي والاقتصادي الشامل…لكن مشكلة الأسد مع حكومته/ حكوماته، أن أحداً لا يثق بها…عليه هو شخصياً أن يتدخل وبكل الكفاءة والاقتدار إن هو أراد أن يتدارك ما يمكن تداركه، هذا إن بقي ما يمكن تداركه.

مركز القدس للدراسات

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...