الرئيسية / صفحات الرأي / أمــثـــولات الــثـــورة الــعــربــيــة

أمــثـــولات الــثـــورة الــعــربــيــة

 

 

^ بيير هاسنر: لا خوف من عدوى الحرية ^ جان دانييل: لست متشائماً من نتائج الحمى الديموقراطية

بعد اندلاع الثورة الديموقراطية العربية، فتحت صفحة «قضايا وآراء» للكتاب باب النقاش حول هذا المنعطف التاريخي الذي فاجأ المراقبين والمتابعين العرب والأجانب. وقد استضافت كلا من الدكتور علي فياض، الذي قدم مشروع نظرية جديدة للثورة العربية وقوى التغيير فيها وساهم في مناقشته، كرم الحلو وحسن ملاط وعبد الأمير الركابي، كما نشرت الحلقة الأولى من نقاش بين ناصيف نصار وجورج قرم وعلي فياض، أفاضت في طرح الأسئلة حول قدرة الحركات الاسلامية بالالتزام بالخيارات الشعبية الديموقراطية. أما عبد الوهاب المؤدب وطارق رمضان فقد أثارا مشكلة العلمانية والإسلاموية ومقدرة هذين الطرفين على صناعة ديموقراطية لها صفة الديمومة. وقدمت وجهتي نظر حول مآلات الثورة العربية لكل من جيل كيبل وبيار جان لويزار… وتستكمل هذا السياق بنشر نقاش بين الفيلسوف بيير هاسنر والكاتب جان دانييل… والكاتب اللبناني سركيس ابو زيد.

لونوفيل أوبسرفاتور: ماذا نستخلص من الثّورات العربيّة التّي انطلقت من تونس ومصر، مع العلم أنّ فصولها الأخيرة لم تُكتب بعد؟

جان دانيال: أيقظت الثّورة التّونسيّة في نفسي ذكريات ثورة الطّلاّب في شهر أيّار 1968، و«ثورة القرنفل» الّتي دارت رحاها في البرتغال عام 1974، وانتفاضة الطّلبة في الجزائر عام 1988. شعرت بأنّ أحداث الثّورة ملأتني نشاطًا وأعادت إليّ شبابي.

أطلق الشّباب شرارة الثّورة، وأدّت النّساء دورًا أساسيًّا فيها، خصوصًا أنّ المرأة والرّجل يتساويان في الحقوق في تونس. رافقت المرأة الحركة الثّوريّة بفعاليّة إن من خلال عملها مع لجان الدّفاع عن حقوق الإنسان أو في سلك المحاماة. وتجدر الإشارة إلى أنّ مداخلات الشّباب الثّائر خير دليل على التّقدّم الفعّال الّذين يحقّقونه في عالم الاتّصالات عبر استخدام الإنترنت وموقع «الفيسبوك». والمثير للإعجاب هو النّضج الّذي أظهره الشّباب التّونسيّ عندما تدافعوا لإبداء رأيهم في المداخلات، بفضل التّربية الّتي تلقّوها، مع التّنويه بأنّ تونس هي الدّولة العربيّة الوحيدة الّتي تقدّم مناهج تعليميّة مؤهّلة لإعداد المواطن. في الواقع، شرح أوليفييه روا أنّ العالم يشهد حاليًّا ثورات خارجة عن الإطار الإسلاميّ، إذ لم تنادِ الجماهير ولو مرّة واحدة بالشّعارات الّتي تطغى عادة على المظاهرات العربيّة المناهضة للإمبرياليّة الأميركيّة، والهيمنة الغربيّة، والاستعمار الفرنسيّ، والغطرسة الإسرائيليّة، بل نادت هذه الحشود بالحقّ في الاحتجاج، والتّمرّد، والثّورة، وبالكرامة الشّخصيّة كواجب. وبينما تحدّثنا في باريس عن حقوق الإنسان، تناول الشّباب التّونسيّ مواضيع متعلّقة بواجباته وكرامته، وظهر أنّ المواطن التّونسيّ ملَّ إهانة الطّاغية له، فرفض الاستمرار في استجداء كرامته، وقرّر انتزاعها. هذا وقد بدا لي أنّنا نشهد حدثاً مميّزاً، وهو تراجع التّيّار الإسلاميّ العربيّ مقابل بروز الفرد.

بيير هاسنر: تشكّل هذه الثّورات العربيّة بالدّرجة الأولى رفضًا واضحًا لثلاث صور نمطيّة مهيمنة. الصّورة الأولى هي فكرة صراع الحضارات والثّقافات الّتي نشرها صاموئيل هانتينغتون. ولكنّنا لن نخدع أنفسنا، فالشّباب الّذين قابلهم جان دانيال وأولئك الّذين رأيناهم على شاشات التّلفزيون، ليسوا وحدهم في البلاد، بل يعيشون جنبًا إلى جنب مع الجيش، والقوى الرّجعيّة كالإسلاميّين المتشدّدين، وشريحة تفضّل استمرار النّظام على المضيّ قدمًا بالثّورة، وترغب بوقف المظاهرات حتّى تستأنف السّياحة نشاطها. ولكنّ الحماسة ليست حكرًا على القوميّين ورجال الدّين المتعصّبين فحسب، بل تلهب أيضًا مشاعر المناضلين في سبيل الكرامة والمثل المشتركة، لتغدو نضالاً في داخل الثّقافات المتعدّدة وليس في ما بينها. أمّا الصّورة الثّانية، الّتي ينفرد بها العالم العربيّ، فهي غياب السّياسة عنه، إذ لطالما قيل إنّ الدّول العربيّة تعوزها السّياسة، وهي عاجزة عن إرساء روح المواطنة، والنّظام الدّيمقراطيّ. فالدّول الأقوى في المنطقة هي دول غير عربيّة كإسرائيل، وإيران، وتركيا. وبدخولها السّياسة فجأة، قد تنشأ تبعات غير متوقّعة من شأنها أن تؤثّر على العلاقات الدّوليّة، غير أنّها قد تمحو نظريّة قائمة ومنافية للعقل مفادها أنّ الطّغاة العرب لا يتزحزحون عن عروشهم. من هنا برز التّناقض الصّارخ بين هذه الأنظمة الحاكمة والشّباب الّذي يمثّل أكثريّة الشّعب. أمّا الصّورة الثّالثة فتتمحور حول فكرة خاطئة تطمئن الدّول الغربيّة، ومفادها أنّ الأنظمة الأحاديّة والاستبداديّة في العالم العربيّ ثابتة ومستقرّة، إذ لطالما قيل إنّ الأنظمة الّتي تنجح في العالم العربيّ هي الرّأسمالية المتسلّطة أو الأوتوقراطيّات الموروثة. تكره حكوماتنا ورجال أعمالنا الأحداث غير المتوقّعة الّتي قد تطرأ على الدّيموقراطيّة بقدر ما تمسّكت بكلٍّ من بن علي ومبارك، بذريعة الحفاظ على النّظام، مع العلم أنّ الرّئيسين المخلوعين شكّلا حجر الزّاوية للاتّحاد الأوروبّيّ حول الشّرق الأوسط الّذي تصوّره نيكولا ساركوزي. ولكنّ المملكة العربيّة السّعوديّة تبقى «حصّة الأسد» من وجهة النّظر الاقتصاديّة، ولا يتجرّأ أحد على المساس بها. من جهة أخرى، نلحظ أنّ القلق كبير في كلٍّ من الصّين وروسيا: فعلى الرّغم من أنّ خطر الثّورات العربيّة بعيد عنهما، يسود الخوف من «عدوى» الدّيمقراطيّة. نرى إذًا أنّ شبابًا جديدًا يناضل في سبيل الدّيمقراطيّة، إلاّ أنّ خطر سرقة الثّورات أو قضاء الثّورة على أبنائها يلوح في الأفق، والعبرة في الثّورات السّابقة… ولكنّ المستقبل في أيدي صنّاع الثّورة من الشّباب.

جان دانييل: نعلم جيّدًا أنّ الثّورات تُسرق وغالبًا ما يتكرّر مشهد العنف وتُثار الثّورات المضادّة، تمامًا مثلما بدأت ثورة عام 1789 وسرعان ما تلتها ثورة عام 1793. لذا، حذار من السّقوط بسذاجةٍ ضحيّة الخداع! فالثّورة بالنّسبة إليّ تعني ثورة عام 1789 الّتي تشكّل للعالم أجمع مرادف حقوق الإنسان، وليس رعب عام 1793. وعلى الرّغم من التّقلّبات والإحباطات، لا يمكن أن نتغاضى عن التّحوّل الجذريّ الّذي حصل، والّذي سيرسم منعطفًا بارزًا في السّياق التّاريخيّ! لم أنتظر اندلاع الثّورات الحاليّة لكي أدحض البراهين الدّاعمة لنظريّة «صراع الحضارات»، ذلك أنّ التّيّارات الدّاخليّة والمتناقضة الّتي تخترق الحضارة الإسلاميّة منذ أكثر من قرن، طغت على معاداة الإسلام للغرب. فالحرب الأكثر دمويّة وقعت بين المسلمين في العراق وإيران، وأسفرت عن مقتل حوالى مليون شخص. وتجدر الإشارة إلى نقطة قلّما نذكرها، أنّ الكثير من المسلمين أعلنوا بوضوح أنّ الإسلام لا يتناقض مع القيم الغربيّة. طلب فرحات عبّاس الّذي كان يُفترض أن يصبح أوّل رئيس للحكومة المؤقّتة في البلد الّذي ولدت فيه، معاملته على أنّه فرنسيٌّ كغيره، فمنعه من ذلك بعض المجرمين العنصريّين. وهذا ما طلبه أيضًا الأستاذ الجزائريّ-الفرنسيّ محمّد أركون قبل وفاته مؤخراً. إذًا، نرى أنّ الرّغبة في إرساء المساواة تفوّقت على النّزعة القوميّة لا بل غطّت عليها، كما هي حال الشّباب التّونسيّ الثّائر الّذي ينادي بحقّ الشّعوب في تقرير مصيرها، مندّدًا «بحقّ» الطّغاة في قمع شعوبهم وقتلهم.

بيير هاسنر: يبدو لي أنّنا نشهد أيضًا عودة الحركات الإسلاميّة نحو الأمّة، على الأقلّ بالنسبة لهؤلاء الشباب، والغريب لدى مشاهدتنا على شاشة التّلفزيون مظاهرات ساحة التّحرير، سماعنا المواطنين يعبّرون عن فخرهم لأنّهم مصريّون، قائلين إنّ مصر دولة وطنيّة، فنلاحظ أنّ فخرهم فرديٌّ ووطنيّ في الوقت نفسه.

جان دانييل: لابدّ من الإنتباه إلى أنّ الشّابّ الّذي يعلن أنّه فخور لكونه مصريًّا يتحدّث عن مصر الجديدة الّتي يبنيها باسم القيم الكونيّة.

بييرهاسنر: من المهمّ ألاّ نضع الكرامة الفرديّة والكرامة الوطنيّة على طرفي نقيض، خصوصًا بعد المحاولات المتكرّرة لسحق الكرامة الفرديّة عبر تشجيع النّزعات الوطنيّة، بينما تجمع الدّيمقراطيّة الحقيقيّة ما بين حرّيّة الفرد وحرّيّة الوطن.

لونوفـيل أوبسرفاتـور: هل يمنـح هذا المدّ الدّيمقراطيّ في الدّول العربيّة «حقوق الانسان» زخمًا جديدًا؟

بييرهاسنر: درجت العادة طوال السّنوات الأخيرة أن يُستخفّ بـ «حقوق الانسان» في فرنسا. ومع ذلك، أرى تجسيدًا واضحًا لتّطلّعات شعوب العالم نحو «حقوق الانسان»، لا سيّما أنّنا نتساءل عمّا إذا كان انخراط هذه الشّعوب في المطالبة بـ «حقوق الإنسان» مستقلاًّ عنّا، أم يعزى إلى تأثير أفكارنا الغربيّة فيه من خلال الإنترنت، والجالية العربيّة في بلدان الاغتراب. ولكن في مطلق الأحوال، تناقض هذه الأحداث مبدأ النّسبيّة، والواقعيّة السّياسيّة بشكل خاصّ، وفكرة أطلقها أحد المدافعين الفرنسيّين عن حقوق الإنسان ومفهوم التّدخّل الإنسانيّ، قائلاً بعدما أصبح وزيرًا، ألاّ علاقة للسّياسة الخارجيّة بحقوق الإنسان! وهذا يطرح بعض المشاكل، ذلك أنّنا ندافع عن حقوق الانسان في مصر أكثر ممّا ندافع عنها في السّعوديّة مثلاً، حيث تلعب المصالح النّفطيّة دورها…

جان دانييل: لم أؤمن قطّ بحقّ التّدخّل الإنسانيّ، فالأمر بمثابة جدل بيزنطيّ. ولا أعرف سوى واجب المساعدة الّذي ينتج من طلب المعنييّن الحصول على المساعدة وتفويض المجتمع الدّوليّ. إن تمّت المساعدة الإنسانيّة بهذا الشّكل، لن تعيد إلى أذهان الشّعوب العربيّة ذكرى استعمار قوّة عظمى لدولة صغيرة. وممّا لا شكّ فيه أنّ المجتمع الدّوليّ أنشئ وفقًا لمعايير حقبة معيّنة وفي ظروف هي الآن عرضة للتّغيّر. يُحمّل مجلس الأمن اليوم اللّوم لغياب البرازيل أو الهند أو ألمانيا، خصوصًا أنّ مفهوم المجتمع الدّوليّ يقضي باتّخاذ إجراءات محدّدة عندما تستدعي الحاجة، وبالتّالي فهو مفهوم نسبيّ لا يعني بالضّرورة أن يكون القانون ممثّلاً إذا ما تحقّقت العدالة، ولا أن يكون كلّ ما هو قانونيٌّ شرعيًّا. ولكن، قد تجتمع أحيانًا شروط التّدخّل الخارجيّ، وهذا ما اعتقدنا أنّه حصل في ليبيا، إلاّ أنّ الأمر تغيّر بسبب تدخّل القوى الإستعمارية وهيمنة «الأخلاق» بشكل مفاجئ على الواقعيّة السّياسيّة. أتفهّم أنّ بعض الإشكاليّات قد تُطرح، وأنّ حلّها ليس سهلأً… قبل حثّ اللّيبيّين على إطلاق شرارة ثورتهم الباسلة، طرحت سؤالاً حول التزام الولايات المتّحدة الأميركيّة والجامعة العربيّة والأمم المتّحدة بليبيا، وأنا مرتاح اليوم للاتّفاق الحاصل بين أوباما وساركوزي وكاميرون حول مبدأ تدخّلهم في ليبيا، مع العلم بأنّ مناشدة القذّافي بالتّنحّي لا تستتبع رحيله الفوريّ.

بييرهاسنر: يحيّرني ما يجري في ليبيا، حيث الأحداث تتماهى كثيرًا مع يوغوسلافيا وكوسوفو، ذلك أنّه لم يسبق لحلف شمال الأطلسيّ أن انتصر في الحرب عبر لجوئه إلى القصف الجوّيّ، فكيف بالأحرى عبر فرضه منطقة حظر جوّيّ، والدّليل على ذلك أنّه فرض في السّابق حظرًا جوّيًّا فوق مدينة سريبرينيشا، إلاّ أنّ ذلك لم يحل دون سقوط آلاف المدنيّين في المجازر. فالمنطق العسكريّ يحتّم تدخّلاً تامًّا في ليبيا بهدف القضاء على القذّافي أو «حماية المدنيّين»، بدون أن يقتصر هذا التّدخّل على القوى الإستعماريّة السّابقة أو قوّات حلف شمال الأطلسيّ. كان حريٌّ بالتّدخّل أن يتمّ بمشاركة عربية قويّة، وأن تسلّح الدّول المشاركة الثّوار. ولكن للأسف، لا تسمح قرارات الأمم المتّحدة بتسليح الثّوّار، بحسب ما أفاد به البعض، كما بقيت المشاركة العربيّة ضعيفة ومتردّدة، باستثناء قطر الّتي أرسلت أربع طائرات إلى ليبيا. أمّا اليوم، فالخطر متمثّل باحتمال استمرار الحرب أو بقاء القذّافي في الحكم، أو تقسيم البلاد، وظهور الأحداث على أنّها تدخّل آخر أخفق فيه الغرب، أو انتصار يحمل في طيّاته طعم الهزيمة. أخذ ساركوزي وكاميرون المبادرة لأسباب خاصّة بهما، فيما حاول أوباما كعادته أن يوفّق بين الجميع قائلاً: «أنا سأبدأ، وأنتم تواصلون المهمّة. يكفي أنّني غارق في حربين.» ربّما يُرغَم أوباما لاحقًا على التّدخّل مجدّدًا بهدوء، فالوضع مضطرب وتصعب قراءته، خصوصًا أنّ بشّار الأسد يطلق بدوره النّار على شعبه في الوقت الّذي لا نرى تدخّلاً غربيًّا في سوريا، فيأتي الرّدّ بطبيعة الحال: «يخطئ من يقول إنّنا لعجزنا عن التّدخّل في الدّول كافّة، ينبغي ألاّ نتدخّل في أيّ دولة.» والسّؤال: لماذا القذّافي بالتّحديد؟ لأنّه وصف معارضيه «بالجرذان» الّتي يجب القضاء عليها، فترانا كنّا على أبواب مجزرة معلنة استحال علينا الوقوف أمامها مكتوفي الأيدي. أتمنّى ألاّ نكون قد زدنا الطّين بلّة.

لونوفيل أوبسرفاتور: لم تُحسم الأوضاع بعد في كلٍّ من ليبيا واليمن وسوريا، ولكن هل انقلبت المعادلة فعلاً في الدّول العربيّة؟

جان دانيال: انقلبت المعادلة أوّلاً في مصر وتونس. بلغ الطّموح الدّيموقراطيّ حيّزًا كبيرًا بحيث فرض الإسلاميّون على أنفسهم، بشكل موقّت أو دائم، تغيير رغبتهم في الرّجوع عن المساواة بين الرّجل والمرأة، وعن حرّيّة التّعبير وحرّيّة الدّين أو المعتقد. وتجدر الإشارة إلى أنّ المعادلة تغيّرت كذلك في دول كان احتمال حدوث هذا التّغيير فيها ضعيفًا، كالمغرب والجزائر. فشعوب دول العالم كافّة ترغب في العيش بكرامة. ولكن، كيف يمكن للولايات المتّحدة أن توفّق بين احترام القيم الدّيموقراطية من جهة، والرّغبة في الحفاظ على مصالحها النّفطيّة أو الجيوسياسيّة من جهة أخرى، لضمان مصالحها في كلّ من مصر، والمملكة العربيّة السّعوديّة، والبحرين؟ لكنّ الحراك الشّعبيّ سيستمرّ، ولست متشائمًا حول نتائج هذه الحمى الدّيمقراطيّة.

بيير هاسنر: تبقى دلالة الثّورات العربيّة التّاريخيّة والفلسفيّة كاملة للمرّة الثّانية. فقد قال «كانط» إزاء الثّورة الفرنسيّة: « طرأ تغييرٌ كبيرٌ على نظرتنا للإنسان والتّاريخ، ولا عودة عنه مهما جرى»، مضيفًا: « تثير الأحداث تعاطفًا يكشف استعداد البشريّة للبقاء والاستمرار». فالثّورات العربيّة هي الحدث الأبرز منذ سقوط جدار برلين، غير أنّ نتائج الثّورات قد تختلف من دولة إلى أخرى، بالنّسبة للجيل المقبل على الأقلّ، ذلك أنّ ما يثير استغراب المطّلعين مثلي على تاريخ أوروبّا الشّرقيّة، هو الاختلاف بين أوروبّا الوسطى، كبولونيا مثلاً، ودول البلقان السّابقة، كيوغوسلافيا مثلاً، أي الدّول الّتي تعاني في الوقت نفسه مشاكل تتعلّق بالدّيمقراطيّة وأخرى وطنيّة تسمّم الأولى، كمسألة الأقلّيّات والحدود. أعتقد أنّ الشّعب في تونس ومصر وربّما المغرب والجزائر وسائر الدّول الّتي تشهد ظروفًا إجتماعيّة مؤاتية، يؤسّس بالفعل مستقبلاً واعدًا، بينما الوضع يختلف تمامًا في سوريا مثلاً حيث تحكم أقليّةٌ علويّةٌ غالبيّةً سنّيّةً، أو في البحرين حيث تحكم أقلّيّةٌ سنّيّةٌ غالبيّةً شيعيّةً، وحيث يتولّى الأجانب كالباكستانيّين وغيرهم مهامّ الشّرطة. من جهة، أرى أنّ مصر ودول المغرب العربيّ ستزخر بالدّيموقراطيّة. وفي المقابل، أرى الدّيمقراطيّة غائبة على المدى المنظور عن كلٍّ من سوريا الّتي قد تتداعى الأوضاع فيها، واليمن حيث تنظيم القاعدة. وتجدر الإشارة إلى أنّ شروط اختيار طريق الدّيموقراطيّة متوافرة في البحرين، غير أنّ المملكة العربيّة السّعوديّة تقف حجر عثرة في وسط هذا الطّريق.

جان دانيال: انظروا إلى التّقدّم الكبير الّذي حقّقته الدّول الإسلاميّة، حيث يسود الآن توجّه نحو ما يعرف بالإسلام المعتدل. ألم تصبح تركيا منارةً لإسلام ديموقراطيّ جديد؟ نشهد في الثّورات العربيّة عودة إلى الأصول، وإلى المعتقدات القديمة طالما أنّ المشاكل الاقتصاديّة والأمنيّة لم تحلّ، ما يمكن أن يقوّض هذا التّوق إلى الدّيموقراطيّة واستعادة الكرامة. ولكنّ التّوازن الذي نتوجّه نحوه، والّذي لا عودة فيه، يتحقّق عبر عمليّة دمج أكبر قدر من الدّيمقراطيّة بأكبر قدر من التّقاليد.

لونوفيل أوبسرفاتور: اختبرنا تجربة سقوط النّظام الشّيوعيّ وحدوث انتقالات متعدّدة نحو نظام ديمقراطيّ، تكلّل بعضها بالنّجاح فيما باء بعضها الآخر بالفشل. انطلقت هذه الثّورات العربيّة بعد مضيّ أربعين عامًا على أنظمة استبداديّة متسلّطة، ويبدو أنّ الدّول العربيّة تتحوّل راهنّا إلى «مختبرات سياسيّة». فما هي مميّزات هذه الدّول والمصاعب الّتي تعيق نجاح هذه الانتقالات غير المسبوقة نحو الدّيموقراطيّة؟

بييرهاسنر: الشّعوب المؤمنة بالدّيموقراطيّة ميزة هذه الثّورات، فمن الطّبيعيّ أن ترغب الشّعوب بالدّيمقراطيّة بعد نصف قرن من الدّكتاتوريّة، ولكلّ شعب وسيلة نضال مختلفة، مع العلم أنّ بعض العوامل ستكون حاسمة في تحديد مسار الثّورة، كالعوامل الاقتصاديّة، والأمنيّة، ودور الجيش. لا شكّ بأنّ الشّباب يشكّل ميزة هائلة، إلاّ أنّه لن يمنع احتمال أن تشهد مصر ديمقراطيّة مصبوغة بالإسلام والسّلطة العسكريّة لفترة، مثل ما حصل في تركيا سابقًا. ويجدر الذّكر أنّ شبح الفساد يخيّم على هذه الثّورات، إذ استغلّ الكثيرون الفساد لمصالحهم الخاصّة، وخصوصًا الأسر الحاكمة، أي أنّه من المستبعد أن يكون جميع الّذين استفادوا من الفساد، سواء أكانوا في الجيش أو غيره، مستعدًّا للقبول بنظام نظيف. إذًا، لا يخلو مسار الثّورات العربيّة من العراقيل، وباتت الأمور رهنًا بـ «مساعدة» الدّول الغربيّة. ولكنّ الوقت لا يبدو ملائمًا لإعداد مخطّط مارشال، رغم ضرورته، ذلك أنّ الدّول الغربيّة ترزح تحت ثقل الدّيون.

جان دانيال: لا تقوم أوروبّا بأيّ دورٍ يُذكر إزاء كلّ التّحدّيات الّتي تُطرح أمامها. وتجدر الإشارة إلى أنّه ما من «عالم عربيّ»، بل دول عربيّة مختلفة، لكلّ منها مشاكله الخاصّة. إذا فكّرنا مثلاً بطبيعة الصّراع المغربيّ-الجزائريّ على الصّحراء المغربيّة، والميزانيّات الهائلة الّتي أنفقت على تسليح الدّولتين، يتّضح لنا أنّه واقع غير معقول، ومع ذلك لا تندّد الدّول به كفايةً. نكرّر إذًا، ما من «عالم عربيّ»، بل «مختبرات» في مصر وفي تونس بشكل خاصّ، وإذا حدث أن فشلت التّجربة التّونسيّة أو أصيبت بعلّة انعدام الأمن وانتشار الفساد، فستمتدّ رقعة العواقب الخطرة لتشمل العالم العربيّ بأكمله.

ترجمة: أسيل الحاج

[ جان دانيال، رئيس تحرير مجلّة «لونوفيل أوبسرفاتور» الأسبوعيّة.

[ بيير هاسنر، فيلسوف فرنسيّ ومدير أبحاث متقاعد في مركز الدّراسات والأبحاث الدّوليّة والمؤسّسة القوميّة للعلوم السّياسيّة في باريس. تتطرّق أعماله إلى الحرب والسّلم في تاريخ العلاقات الدّوليّة.

السفير

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...