أيمن الشوفيصفحات الناس

سوريا: مليارات أصابها الجفاف/ أيمن الشوفي *

لم تشهد نهاية العام الحالي، كما كان مفترضاً، الانتهاء من بناء أكبر «مول» في الشرق الأوسط على مساحة 200 ألف متر مربع (ما يعادل مساحة 26 ملعب كرة قدم) في منطقة يعفور بريف دمشق، حيث مشروع «البوابة الثامنة» الذي تملكه شركة «إعمار» العقارية ومقرها الرئيسي في دولة الإمارات. شرعت الشركة بالعمل على المشروع منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2010.

لكن الظروف لم تكن مواتية للاستثمار في سوريا اعتباراً من العام 2012. كما لم تعد يعفور (تبعد 34 كيلومتراً غرب دمشق) إحدى الوجهات المغرية لتوظيفات رأس المال، بعدما كان النظام قد داس على حزام العشوائيات المحيط بالعاصمة وعبر إليها ليعلنها أحد الأبناء الشرعيين لحركة التزاوج الجديد بين مراكز رأس المال المنهوب ومراكز صناعة القرار في أعلى هرم السلطة.

تلك المنطقة الهامشية من ريف دمشق تحوّلت بعد العام 2005 إلى إحدى أغلى المناطق عقارياً في سوريا على الإطلاق.

الانتقال المشوّه

خلال مؤتمره القطري عام 2005 أعلن حزب البعث عن انتقال الدولة من الاقتصاد التأشيري (الموجّه) إلى اقتصاد السوق. لم يكن هذا انتقالاً ليبرالياً ممنهجاً، يقوم على حماية الطبقات المتضررة من النتائج السلبية لتحرير الأسعار وتمكينها من البقاء والمحافظة على قوّتها الشرائية ما أمكن، وإعادة دمجها بالبنية الاقتصادية الاجتماعية الجديدة. كما لم تؤمّن الدولة شبكات للضمان الاجتماعي والرعاية الصحية قبل التحوّل، ولم تفكر بإعادة هيكلة وتصحيح سلم الأجور وربطه بتحرير الأسعار. وأبقت على عمل النقابات حبيس الأجهزة الأمنية والحزبية، ولم تشرّع حق التظاهر والاعتصام والإضراب على المستوى النقابي، وكذلك أبقت الحريّات السياسية معطّلة في قانون الطوارئ.

وأما منطق الانتقال إلى اقتصاد السوق فيستلزم بالضرورة تمكين مثل تلك الأدوات من الفعل اليومي المعيش. لم يكن ذاك إذاً انتقال بالمعنى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، بل جاء أشبه بتوثيق جديد لإعادة تموضع ثروات المجموعة السياسية/الاقتصادية، القديمة منها والناشئة.

وكان لا بد من تخطّي بيروقراطية الدولة وحضورها المادي والرمزي في البنية الاقتصادية الاجتماعية طوال العقود الأربعة الماضية، وذلك من خلال الاستعانة بشعار «الانتقال إلى اقتصاد السوق الاجتماعي»، وهو تعبير سفسطائي ضعيف القيمة لعملية احتيال واسعة كان ضحيتها الشعب السوري.

العقارات تُنجب التضخم

كانت الاستثمارات العقارية أحد الأدوات الهامة لتوظيف الثروات المتراكمة والمنهوبة وإعادتها إلى الأقنية الاقتصادية النظامية، بصرف النظر عن الآثار التضخمية الكارثية المتأتية من وراء ذلك. بدأ المشهد مع انخفاض الفوائد على الودائع المصرفية في عام 2004 من 9 في المئة إلى 5 في المئة، ما نجم عنه سحب كتل من الودائع المصرفية وضخّها في سوق العقارات، الأمر الذي زاد من حركة الطلب عليها.

وبقيت تجارة العقارات في سوريا حتى وقتٍ متقدم من العام 2011 هي الأكثر ربحية، مشفوعةً بتقديرات غير رسمية تشير إلى تداول مبلغ 3 تريليون ليرة سورية في هذا القطاع خلال النصف الأخير من العقد الماضي. هذه المعطيات أنتجت شكلاً من المضاربة ترافق معه ارتفاع في أسعار الأراضي بدمشق وريفها وصلت عام 2010 إلى 10 أضعاف ما كانت عليه أسعارها عام 2005.

وفي مناطق اقل شأناً، وصلت الى 5 أضعافها، حيث كان سعر المتر المربع في كفرسوسة عام 2005 نحو 50 ألف ليرة، ووصل عام 2010 إلى ربع مليون ليرة.كما لم تخدم التشريعات المتعاقبة في قطاع الاستثمار العقاري سوى رأس المال الخاص الراغب في توظيفات آمنة ذات ربحية عالية، والذي لا يغويه على الإطلاق الاستثمار في مناطق السكن العشوائي ولا تأمين سكن شعبي بأسعار معقولة، تعيد التوازن إلى حركة العرض والطلب المختلّة لجهة قلّة العرض وزيادة الطلب على مخرجات هذا السوق.

ذلك أن جلّ الشركات القادمة إلى قطاع الاستثمار العقاري في سوريا كانت شركات خاصة ذات أجندة ربحية فقط. وهذا اتضح أكثر عقب صدور القانون رقم 39 عام 2009 الذي أحدث «هيئة الإشراف على التمويل العقاري»، حيث ظهر ميل الى التركز الاحتكاري. فمنذ العام 2009 وحتى شهر آب/أغسطس من العام 2011، جرى تسجيل 207 طلبات لشركات تطوير عقاري، تمّ قبول 50 طلباً منها.

لكن عدد الشركات التي أتمت إجراءات الترخيص لم يتعدَ 21 شركة، ثلاث منها حكومية.قبل ذلك ألغى القانون رقم 11 لعام 2008 المخاوف من استمرار الاستثمار أو الشروع به من دون حق تملّكه، حيث أجاز القانون تملك غير السوريين للحقوق العينية والعقارية في سوريا، وهذا كان محرماً منذ العام 1963.والحقيقة أن الكارثة التضخمية الناجمة عن الاستثمار الواسع في قطاع العقارات كانت تنمو ببطء. يتضح ذلك حين نعرف بأن حجم الاستثمارات العقارية قيد الإنشاء للعام 2009 فاق بنسبة 140 في المئة حجم الاستثمارات العقارية التي تمّ تنفيذها للعام نفسه.

كما أن قيمة المشاريع السياحية التي كانت «قيد التنفيذ» في سوريا هي واحدة من الأعلى في العالم، حيث وصلت قيمتها إلى حدود 6.29 مليارات دولار حسب أرقام وزارة السياحة.

خارج أسوار دمشق

حين بدأ النظام في سوريا بتحرير أسعار المحروقات عام 2008، كان يقدّم في آن 550 دونماً من الأرض في قلب العاصمة دمشق هديةً لشركة «الديار» القطرية بعدما منحها الموافقة، وقرر مشاركتها في مشروعها العملاق لإقامة الوسط التجاري الجديد للعاصمة، «سوليدير دمشق»، على غرار «سوليدير بيروت». كما لم يعوّض على أصحاب الفعاليات الاقتصادية في المنطقة الحرة بدمشق المتوّجب إخلائهم إلا بعد ثلاث سنوات وبقطعة أرضٍ صغيرة تقع قبالة مطار المزة العسكري. وهو لم يغب عن ذهنه، برموزه المالية المعلنة ـ أي الواجهات الاقتصادية التي يستخدمها من رجال الأعمال ـ مشاركة شركة «إعمار» العقارية الإماراتية في مشروعها «البوابة الثامنة» التي تملك هي 60 في المئة منه، بينما تملك الـ40 في المئة الباقية شركة «الاستثمار لما وراء البحار السورية». وقيمة المشروع في كل مراحله تبلغ 500 مليون دولار ويقوم على مساحة 300 ألف متر مربع، وكانت أعمال المرحلة الأولى منه قد انتهت في العام 2010.

وأما شركة «بالحصا الدولية» الإماراتية فلم تنعم وحدها بمشروع تلال الياسمين في كفرقوق قرب دمشق، الذي يتألف من 200 فيلا سكنية على مساحة 250 دونماً بكلفة 50 مليون دولار، بل جاء استثمارها ذاك بالتشارك مع «بالميرا للتطوير العقاري» التي يملكها فراس طلاس ولا يقل رصيدها من الأراضي عن 2.6 مليون متر مربع، موزعة بين دمشق وريفها وحلب واللاذقية. وأما «شركة الفيحاء» الكويتية المملوكة بنسبة 67 في المئة من قبل «الكويتية ـ السورية القابضة» فحظيت بمشروع مجمع سكني يقوم على مساحة 68 ألف متر مربع في يعفور بقيمة 40 مليون دولار.

وهدفه إنشاء 12 مبنى سكنياً يضم 134 شقة فخمة. وأحد أهم استثمارات الشركة السورية القابضة التي يرأس مجلس إدارتها هيثم جود هو برج البرامكة (مكانه في كراجات بيروت سابقاً قرب وكالة «سانا» للأنباء) بكلفة 15.2 مليار ليرة مع مدة تنفيذ مقدّرة بست سنوات. لكن العمل فيه توقّف شأنه شأن توقف الاستثمار الباذخ لشركة ماجد الفطيم العقارية الإماراتية بقيمة مليار دولار وعلى مساحة مليون متر مربع في مشروع «خمس شامات» في يعفور الذي بدأ العمل فيه عام 2010، وكان من المقرر إتمامه في العام 2014. كذلك توقف مشروع قرطبة السكني الذي يعود لشركة الإمارات الخاصة للتطوير والاستثمار والذي يتألف من 19 مبنى سكنياً يحوي شققاً فارهة بعدما بدأ العمل فيه في العام 2010.

وفي منطقة الدرخيبة بريف دمشق، بدأت شركة الإمارات الحديثة للاستثمارات بتنفيذ مشروع مبانٍ وفلل فندقية في العام 2008 بقيمة 40 مليون دولار. وبمواصلة استعراض الكتلة النقدية المتوجّهة إلى الاستثمارات العقارية، نجد أن 2 مليار دولار هو كلفة حي المال والأعمال بمنطقة الهامة بريف دمشق، وهو مشروع لمجموعة عارف الكويت، على مساحة 200 دونم، ويتألف من 15 مبنى سكنياً ومول ضخم وبرج مؤلف من 42 طابقاً ومركزاً لخدمات البنوك وملاعب وفندق 4 نجوم ومكاتب تجارية.

وكذلك ثمة 18 مليون دولار كلفة فندق على هيئة برجين ومكاتب وشقق فندقية فخمة تقدر بنحو 100 شقة على مساحة 31 دونماً في منطقة يعفور، والمشروع يعود للشركة العالمية للتعهدات. بالإضافة إلى 3 مليارات دولار كلفة مشروع مدينة الشام الاقتصادية العائد لشركة المدينة للتمويل والاستثمار في الكويت ويقع على مساحة 3.5 كيلومتر مربع، وهو عبارة عن مشروع سكني تجاري بدأ العمل فيه منذ العام 2006.

حزام العشوائيات حزام الثورة

ليس مستغرباً إذاً أن يقرر الصناعي محمد دعبول في العام 2010 تخصيص جزء من عائدية مصانع الألمنيوم التي يملك، للزج بها في بعض الاستثمارات العقارية. تلك الموجة ركبها رأس المال السوري من دون أن يقدّر عواقبها.

إذ أن تعطيل كتلة نقدية كبيرة عن الحركة داخل السوق، من خلال تجميدها في عقارات، مع ثبات نسبي في المعروض من باقي السلع، يخلق حاجة إلى وجود كتلة نقدية في التداول تكون غالباً تضخمية أي لا يقابلها إنتاج سلعي، لتسد جزءاً من النقص الذي خلّفته وراءها الكتلة النقدية التي جرى توظيفها في الاستثمارات العقارية. بالمقابل، فسرعان ما تآكلت القدرة الشرائية لفئات الشعب الواسعة وازداد البؤس داخل أحزمته التي تطوق العاصمة في المعضمية وعش الورور والحجر الأسود ودف الشوك والحسينية وبيت سحم وغيرها.

وبات ملحّاً فهم ذلك، تماماً كما حدث في شهر تموز/يوليو من العام 2010، حين نظّمت غرفة تجارة دمشق اجتماعاً دعت إليه معاون وزير المالية لشؤون الضرائب. وفي الاجتماع، تحدث خارجاً عن الموضوع بسام الملك، عضو مجلس إدارة الغرفة، بضمير الناس الغائب وشرح كيف أن 70 في المئة من السوريين باتوا فقراء نتيجة السياسات الحكومية المتبعة، فيما 10 في المئة يزدادون ثراء.

كان على ربيع النظام الاقتصادي الذي بدأ في يعفور منذ العام 2005 أن ينتهي في ربيع العام 2011 حين انتفض السوريون المفقَرون… مما لا يتوجب نسيانه في زحمة التأويلات الرائجة اليوم.

* صحافي من سوريا

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى