الرئيسية / صفحات مميزة / افتتاحية “صفحات سورية “رأس العين: وضوح الحكم وتعقد القضية: عبد السلام اسماعيل

افتتاحية “صفحات سورية “رأس العين: وضوح الحكم وتعقد القضية: عبد السلام اسماعيل

 

عبد السلام اسماعيل

لو أن مراقب سوري يؤيد الثورة ولا ينتمي إلى محافظة الحسكة وبعيد إلى حد ما عن العلاقة المعقدة التي تجمع العرب والكرد، نظر إلى ما يجري في رأس العين لحكم من فوره بإدانة ما يحدث محملاً كتائب الجيش الحر المسؤولية كاملة، وأنها تنخرط في معارك جانبية لا طائل منها سوى زيادة أمد الإحتراب وتشظي النضال، فضلا عن كونها تخلق بين صفوف المنخرطين في الثورة أعداء جدد تحتاج الثورة إلى جهودهم وجهود تلك الكتائب في إسقاط النظام وهو الهدف المحوري للثورة في المرحلة الراهنة، إضافة إلى أن تلك المعركة/المهزلة تطيل عمر النظام وتعمق من المشكلات التي تهدد كيان الدولة والمجتمع السوري.

وهو حكم صحيح إلى حد كبير في تقديري، غير أنه حكم ينطلق من السياق العام للثورة، لا يعالج تعقيدات القضية ولا يمس جذورها وأسبابها، عدا عن أنها مشكلة لم تنشأ عن دخول الكتائب إلى رأس العين لنلقي بالملامة والمسؤولية على كاهلها، بل كانت موجودة مسبقاً، تغذيها ثلاثة عوامل: النظام والحلم القومي الكردي والعقل الشوفيني العربي. ولم يفعل دخول الكتائب سوى ما يفعله مظهِّر الصور الفوتوغرافية. ولا أعني بهذا الكلام إخلاء ساحة الكتائب وإصدار حكم البراءة عليها، ومعاملتها كما لو أنها مجموعة من البشر فاقدي الإرادة والوعي تتحكم بهم الظروف وتشكلهم وفقا لسياقاتها.

بل هي محاولة لطرح تعقيدات المسألة على طاولة البحث بغية فتح باب النقاش حول هذا الموضوع الصعب والشائك إذا ما نظرنا إلى العوامل التي تغذيه والمذكورة آنفاً.

لا آتي بجديد إن قلت أن العلاقة بين العرب والكرد –في محافظة الحسكة- علاقة سيئة للغاية لا تجملها عبارات الأخوة والجوار والتعايش، ولا يسترها التعامل اليومي الطبيعي، فوارء ذلك ثمة وادٍ سحيق من اللا ثقة والريبة والشك، وصراع بيزنطي حول أسبقية الوجود القومي على هذه الأرض وكل طرف مدجج بترسانة من صكوك الملكية.

ولو تغاضينا عن العقلية القومية الشوفينية البعثية ودور النظام قبل الثورة في الحفاظ على جذوة الصراع من خلال نفيه مفهوم المواطنة والدولة المدنية منعا للإطالة، فإنني سأتناول الوضع مع بداية الثورة.

ترك النظام للكرد حرية التظاهر والاحتجاج وشجع حزب العمال على تولي زمام الأمور في المحافظة لأسباب متعددة، حزب العمال حليف تاريخي للنظام وهو كان الورقة السورية في ابتزاز الأتراك وإقلاق راحتهم، ولم يجد النظام بد من إعادة تفعيل هذه الورقة وبذلك يكسب عدة أمور، استمالة الكرد إلى صفه أو على الأقل تحييدهم من خلال إشغالهم بصراع  جانبي مؤكد مع عرب المحافظة ونفس الشيء بالنسبة للعرب، يلهيهم بالصراع مع الكرد ويفتح جبهة جديدة توازي الجبهة الطائفية شدة وتأثير لاستنزاف الثورة وإغراقها بمشاكل خطرة وجدية وبذلك يستكمل نقل المعركة من الأرض التي قامت عليها الثورة (الشعب السوري واحد/ما بينذل/الله، سورية، حرية وبس) إلى أرض النظام وملعبه (الطائفية/التناقضات الإثنية/الحرب الأهلية) وربما أيضا لإزعاج الجانب التركي وإرسال رسالة له أنه لا يزال يملك أوراق من شأنها التأثير عليه.

لم يخيب حزب العمال الرجاء، وبالفعل قام بدوره على ما يحب ويشتهي النظام، سيطرة على حدود المحافظة، دوريات رسمية من الحزب ترفع العلم الكردي وتمارس سلطة تكاد تكون مستقلة في دولة مستقلة، عدا عن دوره في تسليم ناشطين كثر إلى النظام أو الإبلاغ عنهم، ولم يسلم الطرف الكردي من تشبيحه، ولا تزال أصابع الإتهام موجهة إليه في اغتيال المعارض والقيادي الكردي مشعل التمو، أيضا المزاج الكردي العام كان يجد في الثورة فرصة ثمينة لاسترداد حقوقهم القومية وإدارة شؤونهم ذاتيا ضمن صيغة ما، كل ذلك ساعد على رفع منسوب التوتر العربي وجعلهم يقرعون ناقوس الخطر، فالمسألة تعتبر مسألة وجودية بالنسبة لهم يعزز ذلك العقل الشوفيني العربي مقابل عقل قومي كردي لا يقل شوفينية.

حزب العمال وعموم الكرد مسلحين ومنظمين على عكس العرب غير المنظمين وغير الخاضعين لأي شكل من أشكال القيادة، مما حدا بمجموعات متنوعة من الثوار والناشطين العرب إلى التوجه إلى حمل السلاح لخلق شيء من توازن القوى مع الكرد، يحركهم الهاجس الوجودي والتصور المسبق عن العقلية الإنفصالية الكردية، يدعم ذلك مجمل تصرفات حزب العمال التشبيحية على الأرض ودعم النظام الواضح له حتى أن بشار خصه بالتحية دون أن يسميه في خطابه الأخير، إضافة إلى الحضور الكثيف للهوية الكردية في التظاهرات، وهو حضور مفاجئ وصادم لاعتياد الذاكرة العربية على انزواء هذه الهوية القومية.

لم يحاول أي طرف جسر هوة الثقة، أو حتى معالجتها، إذ لا توجد خبرة سابقة في التعامل مع الشأن العام أو تداول مشكلات المجتمع للنقاش أو الحديث العلني. وباتت المواجهة بين الطرفين مسألة وقت، في ظل إهمال المعارضة السورية غير المبرر للأكراد ولبوادر النزاع في المحافظة، حيث تعاملت المعارضة السورية مع المكون الكردي من منطلق الديكور اللازم لاكتمال وهم التمثيل، وتعاملت الأحزاب الكردية بانتهازية المغالاة في الحفاظ على الحقوق القومية الكردية بغرض زيادة شعبيتهم من خلال سرعة انسحابهم منأي اجتماع للمعارضة. وبالمثل العقلية الشوفينية العربية وعدم قدرتها على هضم الحق الكردي رغم الإجماع المحقق لعموم السوريين أن الكرد مكون قومي أصيل يتمتع بكامل حقوقه الثقافية في دولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون وفق معيار المواطنة، غير أنه إقرار يتعثر بتفاصيل من قبيل إسم الدولة، هل هي الجمهورية السورية أم الجمورية العربية السورية، وهل ستكون اللغة الكردية لغة رسمية ثانية، وهل يمكن مثلا إضافة لون من ألوان العلم الكردي إلى علم الثورة او إضافة رمز الشمس مثلاً. قد تبدو هذه التفاصيل سابقة لأوانها لكنها طرحت للنقاش ولو تم تبنيها لأشاعت جواً من الثقة والطمأنينة ولساعدت على جسر هوة اللا ثقة السائدة.  وأيضا لم تهتم محطات التلفزة السورية المؤيدة للثورة بالتوجه إلى الأكراد بلغتهم القومية، خلا محاولة يتيمة من قناة أورينت وقد لاقت استحساناً كبيرا من الكرد.

تحققت المواجهة بعد تشكيل كتائب محلية وتحرك تركي من خلال تمويل كتائب من خارج المحافظة، وأيضا طموح بعض الأفراد إلى الزعامة على الطريقة اللبنانية من خلال محاولتهم استغلال حالة الإحتقان والدفع باتجاه تشكيل كتائب مسلحة هدفها مقارعة حزب العمال ووقف ممارساته السيئة، وأن قتال النظام يتحقق أيضا بقتال حلفاءه ومن يتعاونون معه، خصوصا أن حزب العمال بدأ بالتضييق على وصول المساعدات الغذائية إلى مدينة الحسكة بعد أن سلمه النظام معظم الحواجز التي كان يسيطر عليها. لا يلغي هذا الطموح حقيقة أن هؤلاء الأفراد يعادون النظام ويريدون زواله، غير أن القتال وغياب السلطة فتح لهم باب الإسترزاق والسرقة من المال العام بتخريجات متنوعة.

ورغم محاولة عدد غير قليل من الكرد تصوير الصراع على أنه اقتتال كردي – عربي من ذوي التوجه السلفي “القاعدي”، إلا أن الواقع غير ذلك، إذ يوجد تنوع لا بأس بين المقاتلين والأغلبية الساحقة من عرب الحسكة المنخرطين في الجيش الحر لا توجه ديني محدد لهم إلا اللهم إسلامهم الشعبي التقليدي، فضلا عن وجود كرد يقاتلون معهم ضد حزب العمال.

الرهان على أن القتال لن يأخذ الطابع العربي-الكردي سيكون رهان خاسر على المدى غير البعيد، خصوصاً أن الكرد المشاركين في قتال حزب العمال ليسوا بذاك العدد الكبير، وعموم الكرد ينظرون إلى حزب العمال بصرف النظر عن خلافاتهم معه أنه يعمل من أجل المصلحة القومية الكردية.

أعتقد أن المصلحة القومية الكردية، هي عامل رئيسي من عوامل ما يجري اليوم في رأس العين، إذ أنها حالت دون الإنخراط الفعال في الثورة، نعم المظاهرات الكردية لم تنقطع، لكنهم لم يحاولوا أبدا مواجهة النظام أو حتى فض سيطرة السلطة على مؤسسات الدولة، على غرار ما فعلوا في انتفاضة 2004، إذ لا توجد مصلحة كردية في قتال نظام لا يرغب في قتالهم بل ويطلق يد فصيل منهم في شؤون المحافظة ولا يعترض مظاهراتهم أو يعتقل ناشطيهم، كما لو أن لسان حال المصلحة الكردية مثل لسان حال المعارضة، الشعب سيسقط النظام ونحن سنعود للحكم/سنحصل على فيدرالية أو حكم ذاتي يكاد يكون شبه محقق في ظل النظام-الثورة. فضلا عن وجود تناقض في الموقف من الجيش الحر، حيث يهلل له في مناطق سورية كافة، ويشد على أياديه أينما واجه النظام أو شبيحته، بينما دخوله إلى المناطق الكردية يصبح فتنة وأياد تركية، لا يستقيم هذا التناقض إلا بعين المصلحة إياها، ومن اعتبار الكرد أنفسهم جيران للسوريين يناصرونهم وفق قاعدة لا ضرر ولا ضرار.

هذه السلبية الكردية ونزوعها إلى التعامل مع ما يجري في سورية من منطلق الجار وليس الشريك، إضافة إلى القلق العربي وركام حقبة البعث الهائل على ذهنية الأهالي وعدم الثقة بين الطرفين وتشبيح حزب العمال أثمر نزاعا مسلحاً في رأس العين.

هل كانت المقالة تلتمس التبرير ؟ قطعا لا، بل هي محاولة للتفسير رغم أن التفسير يوحي دوما بالتبرير. ولنفي ذلك بشكل لا لبس فيه، أعود إلى الحكم الواضح في بداية المقالة، ما يحدث في رأس العين مهزلة حقيقية ومعركة لا ثمرة منها سوى رصيد إضافي في عمر النظام وخراب طويل الأجل للمجتمع وللدولة السورية، والنصر في رأس العين لن يحرك شعرة في مفرق النظام . . ليتحمل كل طرف مسؤولياته، واللي بيقتل شعبه خاين واللي يشبح أكيد خاين.

خاص – صفحات سورية –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...