صفحات العالم

ما لا يستطيعون قوله في سورية

 

عبد الباري عطوان

لا بدّ ان المستر جون جينغ مدير العمليات في مكتب الامم المتحدة للشؤون الانسانية قد اصاب الكثيرين بحالة من الصدمة، الحكومة والمعارضة معا، عندما قال في مؤتمر صحافي عقده في بيروت بعد عودته من زيارة لسورية ‘انه بلد يتعرض للتدمير بأيدي شعبه’،وتنبأ بأن ‘مصير الشعب السوري مرعب.. انها مشكلة سياسية ولا يوجد حل انساني للصراع’.

كلام المستر جينغ الصادم هذا يعرفه الكثيرون داخل سورية وخارجها، بغض النظر عن الخندق الذي يقفون فيه، ولكن لا احد، ربما باستثناء القلة، يجرؤ على قوله في ظل حالة الارهاب والترهيب السائدة حاليا في منطقتنا العربية من طرفي الصراع في سورية، والاطراف العربية الداعمة لهما، واسلحتها الاعلامية الثقيلة المدمرة.

كنت يوم السبت قبل الماضي ضيفا في برنامج لمحطة اذاعة البي بي سي العربية، فنظرت من النافذة فرأيت مظاهرة ضخمة لأنصار المعارضة السورية امام باب المحطة، سألت الزملاء عن سبب الاحتجاج، فقالوا بث المحطة برنامجا ‘متوازنا’ انتقدت فيه ‘تجاوزات’ السلطة والمعارضة، واشار الى اعمال قتل يقوم بها الجيش السوري الحر.

منتج البرنامج الوثائقي قال لي بكل ألم انه مصاب بحالة من اليأس والاحباط، ليس من كثرة رسائل الشتم والسباب التي تعرّض لها، او من المظاهرة، فالتظاهر في الدول الديمقراطية حق مشروع، ولكن من عدم تقبل الحدّ الأدنى من الرأي الآخر، ومن محطة افسحت اكثر من ثمانين في المئة من شاشتها وعلى مدى العامين الماضيين لوجهة نظر المعارضة السورية فقط لتقول ما تشاء من وجهات نظر ضد النظام وجرائمه وديكتاتوريته.

نعم سورية تتعرض للتدمير الشامل ومن قبل شعبها، او بعض المحسوبين عليها، ولن يغير هذا الوضع تبادل التهم بالمسؤولية بين النظام والمعارضة، او اصرار كل طرف على القاء عبء المسؤولية على الطرف الآخر ولومه، فالمعارضة تصف النظام بالإجرام، والنظام يصف المعارضة بالجماعات الارهابية، بينما تستمر عمليات القتل، وترتفع ارقام الشهداء يوميا، ومعهم ارقام الفارين بأرواحهم الى دول الجوار، او ما يعتقدون انها اماكن آمنة في الداخل.

‘ ‘ ‘

الأمم المتحدة فشلت.. الجامعة العربية فشلت.. المبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي فشل هو الآخر.. مثلما فشل سلفه كوفي عنان.. ولا احد يعير اي اهتمام بالمأساة الانسانية التي يعيشها الشعب السوري.

يتقاتلون جميعا، ولا استثني احدا، على السلطة، ويتصارعون على المناصب، وليس مهما بعد ذلك ما اذا كانت دمشق ستتدمر، وحلب الجميلة العريقة ستتحول الى انقاض، والآثار السورية التي تؤرخ لحضارة امتدت لأكثر من ثمانية آلاف عام ستتعرض للنهب.

السيد نبيل العربي امين عام جامعة الدول العربية ورهطه يتحملون مسؤولية كبرى،الى جانب آخرين طبعا، عندما لم يقدر في اجتماعات وزراء خارجيته الطارئة التي باتت تستعصى على الاحصاء وانعقدت في بداية الأزمة، نقول عندما لم يقدر بشكل دقيق مدى خطورة الأزمة، وتصعيد آمال السوريين بحلّ وشيك، فجاءت كل تقديراته خاطئة بل مضللة.

دليلنا واضح، ونأتيكم به موثقا، فبالأمس، وفي كلمته امام مؤتمر القمة العربي الاقتصادي الذي انعقد في الرياض قبل يومين، طالب السيد العربي هذه القمة بدعوة مجلس الامن الدولي للاجتماع واصدار قرار ملزم بوقف اطلاق النار، وارسال مراقبين دوليين للإشراف عليه.

لو طالبنا قبل ستة اشهر بالشيء نفسه في هذا المكان، اي وقف اطلاق النار، لقامت الدنيا ولم تقعد، لأن الجامعة العربية وقيادتها، كانت تذهب الى مجلس الامن الدولي من اجل تدخل عسكري امريكي على غرار تدخل قوات حلف الناتو في ليبيا، وتتصرف كأن حلف الناتو في جيبها الصغير جاهر لتلبية اوامر وزراء خارجيتها فورا دون نقاش.

لا نعرف من اين جاءت كل هذه الثقة لدى السيد العربي واصدقائه، وكأن حلف الناتو كلب صغير يتبع اوامر سيده بمجرد ان يطلق صافرته، فهذا الحلف يتدخل من اجل مصالح الدول الاعضاء فيه، والغربية البيضاء من اصحاب العيون الزرق والشعر الاشقر على وجه الخصوص، اما ذوو البشرة السمراء مثل الاشقاء الاتراك فهؤلاء اعضاء، ولكن شكليين فقط، والا لدخلت تركيا الاتحاد الاوروبي قبل رومانيا وبلغاريا وبولندا، والبقية معروفة.

تدخلوا في العراق وليبيا بسبب النفط، ويتدخلون في مالي بسبب اليورانيوم، وربما في فترة لاحقة بسبب الغاز والنفط في الجزائر التي جمعت الحسنيين، وحلف الناتو غير مستعد للتضحية بجندي واحد من اجل المشمش او الفستق السوري.

اعطيت الفرصة الدموية للنظام والمعارضة لمدة عامين تقريبا من اجل ان يحسما الصراع لمصلحة اي منهما، وفشلا فشلا ذريعا، فلا النظام استطاع ان يقضي على المعارضة ،سلمية او مسلحة، من خلال حلوله الامنية الدموية، ولا المعارضة ،سلمية او مسلحة، نجحت في اسقاط النظام رغم دعم دول اصدقاء الشعب السوري بقيادة الولايات المتحدة.

المشهد السوري الحالي الذي يرفض الكثيرون الاعتراف بدمويته ومأساويته، مرعب فعلا، اكراد يتقاتلون مع الجيش الحر في الشمال الشرقي وفي الشمال الغربي معا، وجماعات جهادية تتقاتل مع كتائب للمعارضة تختلف فيما بينها عقائديا وايديولوجيا، ومنظمة هيومن رايتس ووتش الامريكية تندد بإقدام مسلحين في المعارضة السورية على اقتحام اماكن عبادة وسرقتها، والنظام يقصف الجميع بوحشية.

‘ ‘ ‘

الامم المتحدة قالت انها حرب طائفية تلك التي تشتعل في سورية، والشيء الوحيد الذي يتفق عليه الطرفان: السلطة والمعارضة هو نفي هذا التوصيف، ومن المؤسف ان الامم المتحدة صادقة، وهما ليسا كذلك. فالحرب تزداد صبغتها الطائفية، وبالأمس شكل النظام ميليشيا جديدة تحمل اسم ‘جيش الدفاع الوطني’من شبان وفتيات لخوض حرب عصابات وشوارع ضد قوات المعارضة المسلحة، وهذا يعني تفاقم معدلات القتل والدمار الحالية.

قالوا ان ايام النظام معدودة، وجلسنا نعدّ معهم هذه الايام قبل عام ونصف العام تقريبا، ولم يسقط النظام.. خرجوا علينا بنظرية ان النظام سيفلس بعد شهرين وينهار لأن الحرب تكلّفه مليار دولار شهريا، انتهى الشهران ولم يسقط النظام. وكلما استمر النظام استمرت آلة القتل في حصد الأرواح.

الرئيس باراك اوباما قال صراحة في خطابه الذي القاه يوم تنصيبه في ولايته الثانية ان عقد الحروب قد انتهى وبدأ عهد السلام، ولا بدّ من حلّ المشاكل الداخلية والخارجية بـ’الحوار’. هذه الرسالة موجهة بالدرجة الاولى الى الحالمين بتدخل امريكي لإطاحة النظام في سورية، ولم يتطرق الرئيس الامريكي بكلمة واحدة الى هذا البلد المنكوب، ولم يقل ان على الرئيس الاسد ان يرحل. فماذا نحن فاعلون الآن؟

جرّب الطرفان في الأزمة السورية الحلول العسكرية ففشلا على مدى العامين الماضيين، الم يحن الوقت لتجريب الحوار، والتنازل عن عنادهما وشروطهما المسبقة من اجل سورية وشعبها الذي يقتل في الداخل ويهان في الخارج في مخيمات الذل والعار؟

نأمل ذلك لحبنا لسورية وشعبها الكريم العزيز.

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى