صفحات سوريةمحمد ديبو

ديموقراطية بلا ديموقراطيين


محمد ديبو

حين أعلن انعقاد مؤتمر سميراميس الذي ضم شخصيات معارضة ومستقلة من الداخل السوري، تعرض المؤتمر حتى قبل أن يبدأ أعماله أو يصدر بيانه لاتهامات شتى، بدءاً بالعمالة للسلطة، والسير في ركاب إصلاحاتها، وفق بعض المعارضة، إلى العمالة للغرب وتنفيذ أجندة خارجية، وفق بعض الموالاة، الذين رفعوا أمام باب الفندق لافتة تقول: «هذه سوريا التحرير يا حزب الحمير»!

هذه النغمة ستتكرر مع كل مؤتمر ينعقد (وكانت آخرها قصة رشق البيض أمام أبواب جامعة الدول العربية)، ودون أن يدرك المعارضون الذين خوّنوا، أو أشاروا ببعض أصابع الاتهام خجلاً إلى أشقائهم في البداية، أنّ سيف التخوين سيطاولهم بعد حين، كمن يضع السكين على رقبته!

المستقبل يتوقف على قدرة المعارضة على تقديم خطاب ديموقراطي عقلاني، يطمئن الجماهير إلى قدرتها على النهوض بالأعباء المترتبة عليها. ومن هنا يتركز النقد على تسليط الضوء على تلك الشوائب اللاديموقراطية التي يعاني منها تفكير المعارضة، وسنقدم بعض أدلته التي تتركز في اتجاهين. الأول يناقش المؤتمرات وما تسرب من كواليسها، والثاني يسائل الشخصيات الفاعلة في المعارضة والانتفاضة ويساجلها، من موقع الحب والاحترام لها من جهة، ومن موقع النقد الساعي إلى البناء وليس الهدم.

أول هذه الأمثلة يتجلى في إعلان المجلس الوطني السوري أنّه الممثل الوحيد للشعب السوري، وذلك في تجاهل تام وبطريقة استبدادية تذكرنا بممارسات النظام، لكل مكونات المعارضة الأخرى، وهي كثيرة جداً (هيئة التنسيق ــ مؤتمر سميراميس ــ التنسيقيات ــ تيارات جديدة ــ مؤتمر الإنقاذ)، وأغلبها يمثل معارضة الداخل التي تقارع النظام وجهاً لوجه!

كيف قدر لصاحب «بيان من أجل الديموقراطية»، الأستاذ القدير برهان غليون ومن معه، النطق بـ«احتكاره» تمثيل المعارضة السورية، والقول إنّ المجلس هو «العنوان الرئيسي للثورة السورية ويمثلها في الداخل والخارج»، وإنّ المجلس هو «هيئة مستقلة ذات سيادة». كيف يمكن أن يمثل المجلس الشعب السوري في ظل إقصاء أطراف أخرى من المعارضة؟ وكيف يمكن القول: «ولا نقبل أي تدخل خارج إطار الاتفاق مع المجلس الوطني». هل يعني أنّ التدخل مقبول حال تم الاتفاق مع المجلس الوطني؟ وهل يحق للمجلس اتخاذ رأي في موضوع التدخل الخارجي، ولو تحت اسم «الحماية الدولية»، وهو الأمر الذي يمثل استقطاباً وجدلاً حاداً في الداخل السوري إن لم نقل انقساماً؟ ورغم تصحيحات بعض أعضاء المجلس اللاحقة، من أنّ المجلس لا يمثل المعارضة، إلا أنّ تصرفاته لا تصب إلا في احتكار التمثيل، ولعل تسلمه مفتاح السفارة السورية في ليبيا خير دليل على ذلك.

ومن جهة ثانية، رفضت الهيئة العامة للثورة الانضمام إلى المؤتمر لرفض القائمين عليه منحها الثلث المعطل في المجلس، لتخوفها من «وجود قوة براغماتية مثل الإخوان المسلمين، سبق لها أن دخلت في تحالفات مع العراق والأردن وخدام وهادنت النظام أيام حرب غزة»؟ (وفق ما ذكر حكم البابا في مقال له) ويبقى السؤال: لماذا لم تمنح قوى الثورة ما تريد وهي الأساس في الثورة؟ ولم لم يكن هناك تريث لحين إيجاد صيغة موحدة للجميع؟

وقد قال هيثم مناع في حوار له في «الأخبار» في 6/10/2011، شاكياً من جماعة اسطنبول: «وهذه المجموعة سعت منذ البداية إلى فرض خريطتها على الجميع… ثم كان هناك مسعى مشترك من القوى السياسية الكبيرة لتشكيل «ائتلاف وطني سوري» يضم القوى السياسية الفعلية. لكن تلك المجموعة عملت على إفشال هذا الائتلاف». ويؤكد مناع أنّ هناك «محاولات لفرض الوصاية على العمل الكلي التوافقي بين مختلف التيارات السياسية. وتُرجم ذلك من خلال إعطاء «المجلس الوطني» لوناً إيديولوجياً محدّداً، حيث مُنح الإسلاميون بمختلف أطيافهم حجماً كبيراً يفوق حجم تمثيلهم الطبيعي، ويصل إلى 60 بالمائة من مجموع أعضاء المجلس». نترك كلام مناع من دون تعليق، ليعطينا مؤشراً إلى مدى «ديموقراطية» ما جرى في اسطنبول.

وما يزيد الطين بلة، ما نشرته «الأخبار» ايضاً من أنّ أطرافاً في المجلس الوطني السوري عرقلت عقد مؤتمر صحافي للمعارضين ميشيل كيلو وفايز سارة في باريس، وهما يمثلان هيئة التنسيق. واعترفت الناطقة باسم المجلس الوطني «بسمة قضماني» بذلك حين قالت: «سألتني إن كان هؤلاء يضايقوننا ويخرّبون عملنا في المجلس الوطني، فتشاورتُ مع الدكتور برهان (غليون)، وأجبتُ وزارة الخارجية الفرنسية بأنّهم بالفعل يزعجوننا ويشوشون علينا، لكن لا تمنعوهم، واتفقنا مع الفرنسيين على أنّ هذا المؤتمر الصحافي يجب أن يعقد بكل حرية»! ولا نعرف كيف يمكن صوتاً معارضاً آخر أن يزعج الناطقة باسم المجلس الوطني أو يشوش عليها؟ ورأت هيئة التنسيق في بيانها أنّ الأمر يحوي «دلالات مزعجة»، مشيرة إلى أنّ المجلس يتبنى مقولة «إمّا معنا أو ضدّنا… ونحن نعرف أين أخذتنا آليّة كهذه من جورج بوش حتّى بشار الأسد».

وهنا تطالب هيئة التنسيق المجلس الوطني بالديموقراطية، وهي محقة في ذلك. لكن يجوز توجيه السؤال نفسه إلى هيئة التنسيق التي أعلنت تكونها قبل أن تتوصل إلى اتفاق مع كافة أطياف المعارضة السورية. لماذا أعلنت الهيئة عن نفسها قبل التوصل إلى اتفاق يضم كل مكونات المعارضة السورية؟ هل لأجل امتلاك زمام القيادة؟ أم ماذا؟

كان يجدر بهيئة التنسيق، لا سيما أنّها الأكثر تمثيلاً للأحزاب المعارضة في الداخل، ولقدرتها على لعب دور بارز أن تكون صلة وصل بين معارضة الخارج والتنسيقيات، لكنّها أعلنت عن نفسها قبل أن تتوصل إلى اتفاق مبدئي مع كافة تشكيلات المعارضة. وضمن ذات السياق، قال منذر خدام أثناء ترؤسه جلسة السميراميس، «من ليس معنا فليذهب للجحيم!»، وذلك في دلالة على ضعف الديموقراطية.

وهذا الأمر سيتكرر مع مؤتمر الإنقاذ الذي تزعمه المحامي هيثم المالح، لنلاحظ أنّ كلاً من القائمين على تلك المؤتمرات سارعوا إلى الإعلان عن مؤتمراتهم، كي يكون كل منهم واسطة العقد، وليلتحق به الآخرون تاركاً مساحة لهم. ثمة نرجسية وشخصانية هنا لا ترتقي إلى مستوى الانتفاضة التي يسعى الجميع إلى الاستثمار عليها، لا فيها، خاصة أنّ كلّ المؤتمرات، لم تخض في كيفية دعم الشارع، رغم أنّها كلّها أعلنت دعمها الانتفاضة وتأييدها. لكن لم يقل أي منها: كيف يمكن تجذير الانتفاضة وتوسيعها وجذب الكتل الصامتة، كيف يمكن تطويق النظام داخلياً؟ كيف يمكن تعطيل آلته الأمنية؟ سنلاحظ أنّ هذه «الكيف» هي التي تغيب لصالح «من يمثل الشارع الذي يقتل ويستشهد»؟ سنجد كل هذا غائباً عن مؤتمرات المعارضة، مقابل حضور خيارات محاورة النظام أو التفاوض معه داخلاً واستجداء الحماية أو التدخل خارجاً!

ما سبق يطرح تساؤلاً مراً: أليس من المفترض أن يكون من يناضل لأجل الديموقراطية، ملتزماً بها أولاً؟

من جهة ثانية، ثمة شخصيات سورية بارزة، لها دور لا ينكر في الانتفاضة لجهة الدعم والمساهمة الفكرية ولتاريخها النضالي، لكنّها في الوقت ذاته تحمل في داخلها بذور إقصاء ما، لا تلبث أن تطفو على السطح بين فينة وأخرى، ومنهم الصديق ياسين الحاج صالح الذي كتب على حائطه في فايسبوك: «مع احترامي للدكتور طيب تيزيني، لم يكن في يوم من الأيام معارضاً»، وأتبع ذلك برابط عليه خبر عن دعوة روسية وجهت لمجموعة من المعارضين السوريين لزيارة موسكو بينهم تيزيني. ويبقى السؤال: من يحق له أن يقرر من هو المعارض ومن هو الموالي؟ وهل من لا يلتزم برؤيتنا للمعارضة نخرجه منها؟ وهل ثمة فحص ما يتحدد من خلاله المعارض من اللامعارض؟ ماذا لو رد التيزيني على صالح بأنّه يستقوي بالحماية الدولية بعدما أعلن موافقته على المجلس الوطني المعارض؟ لندخل في تشكيك وتشكيك مضاد كي لا نقول تخوين!

حين ينطلق هذا الكلام من واحد من أهم الكتاب الفاعلين في الانتفاضة، يكون ثمة أمر يدعونا للاستغراب، خصوصاً إذا تذكرنا أنّ ياسين في مقاله في صحيفة الحياة، الذي كتبه بعد انعقاد مؤتمر السميراميس، قال إن المؤتمر يأتي لإخراج النظام من مأزقه!

هذه الأمثلة السابقة تدل من وجهة نظري الشخصية على وجود إقصاء ولا ديموقراطية في التعامل مع الآخر، لأنّ ثمة فرقاً بين عدم إعجابنا بطيب تيزيني ومواقفه وعدم اعتباره معارضاً، وثمة فرق بين عدم إعجابنا بمؤتمر السميراميس (أو بالداعين إليه) واعتباره يصب في خدمة النظام! قد يرد علي السيّد ياسين بما رد على الكاتب أسعد أبو خليل، بأنّني أتلصص على حسابه على فايسبوك وأنّ الكتابات هناك لا يؤخذ بها.

حين يكون الشخص مفكراً لامعاً مثل ياسين، ومشاركاً ومساجلاً فعالاً في الشأن العام، وفي كيفية الدفاع عن الانتفاضة فإنّ حسابه على فايسبوك يغدو محجاً لمن يبحثون عن الحقيقة ويبحثون عن رأي يهدّئ قلقهم، لذا يصبح الكلام الذي يكتب ذا تأثير إيجابي أو سلبي في الانتفاضة، لأنّ الكثيرين سيتلقفونه ويتداولونه.

ولعل أهم من كتب متخوفاً من تلك الممارسات هو المعارض الشرس حكم البابا (ويمكن عدّه من صقور المعارضة ولهذا نأخذ هواجسه بالحسبان لأنّ من يعرف حكم ويتابع نشاطه يدرك أنّه يكتب من داخل المطبخ المعارض ويعرف ما يدور في الكواليس. فهو كتب مقالاً حمل عنوان «انتقاد مؤتمرات المعارضة يصب في مصلحة الشعب لا النظام: ملاحظات على المجلس الوطني السوري»، في صحيفة القدس في 6/10/2011: «أنا خائف فعلاً على مستقبل سورية من الرأي الواحد، وإن بالاتجاه الآخر، الذي ينتشر منذ أشهر على فايسبوك، وفي نقاشات المتحمسين للثورة، ويرى أنّ كل من وجّه ويوجه انتقاداً إلى أي من مؤتمرات المعارضة أو بياناتها أو شخصياتها أو مجالسها هو خائن لدماء السوريين وضد الثورة، ويصب في مصلحة النظام، وكل ذلك بحجة توحيد المعارضة».

وفي انتقاده لرياض الترك، يطالبه البابا بـ«تخفيف حالة الكولسة في ترتيب أمور المجلس لتقريب هذا وإبعاد ذاك… هذه الحالة هي التي حولت إعلان دمشق للتغيير الديموقراطي من ائتلاف جامع لأحزاب وشخصيات كثيرة ومختلفة، إلى مجرد فرع من فروع حزب الشعب الديموقراطي».

وبعد رياض الترك، نتجه لمساءلة تصرفات الدكتور برهان غليون التي عبّر عنها هيثم مناع في حواره مع «الأخبار» بالقول: «لم يكن هناك أي خلاف.. إلى أن عقد اجتماع برلين الأخير. كان الدكتور برهان غليون قد وعد بحضور اجتماع «هيئة التنسيق الوطنية» في برلين، وكنا في انتظار وصوله. وإذا به يغيّر مساره باتجاه إسطنبول، من دون أي اعتذار أو تفسير أو إشعار. ومنذ ذلك اليوم، لم أتحدث معه ولم يتحدث معي. وأعتقد أنّ الأمر يحتاج إلى شرح وتفسير من الدكتور غليون».

ويزيد من هواجسنا هنا رد غليون حين سأله مارسيل غانم عن العلمانية، بالقول: ومن قال إنّني علماني!

ومن جهة ثانية، قال هيثم المالح في جلسة عامة في إمارة الشارقة (وفق ما ذكر حكم في مقاله المشار إليه سابقاً)، رداً على سؤال عن علاقته بالمجلس الوطني السوري إنّ الدكتور برهان غليون أرسل له قبل يوم واحد عبر موظفة في قناة «العربية» ما مفاده أنّ المجلس مستعد لتسليمه اللجنة القانونية فيه!

الأخطاء والحالات السابقة، مضافةً إليها تراشقات وتخوينات المعارضة السورية بعضها لبعض علناً وسراً، قد فتحت الطريق للجمهور لكي يتعلم الإقصاء بدل الحوار، والرشق بالبيض بدل العمل لفهم ماذا يقول المختلف عنا. ولعلنا نتذكر كلنا في بداية الانتفاضة كيف كان الجمهور ينظر بحب واحترام لكل معارضته، بينما لا يتمكن مئة سوري الآن من الاتفاق على اسم واحد، وذلك لأنّ هذه المعارضة علمته وتشاجرت أمامه وخونت بعضها بلغة لا ديموقراطية، فأعاد لها على طريقته، ما تلقفه منها عند أبواب الجامعة العربية، من دون أن يعني ذلك أنّ الشارع السوري هو كذلك حقاً، بل هؤلاء يشبهون معارضتهم، والشارع في مكان يقاوم ويموت وحيداً، فارحموه يرحمكم الله.

* شاعر وكاتب سوري

الأخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى