صفحات الثقافة

رسالة مفتوحة

 


عقل العويط

سألني بعض الأصدقاء من قرّاء “الملحق”، ماذا عن الوضع في سوريا، فقلت موضحاً موقفاً بديهياً لا يحتاج الى توضيح: إذا كنا نريد لبلدنا الخير المتمثل في الديموقراطية العلمانية والحرية والاستقلال والسيادة والعدل والمساواة وحقوق الإنسان، فنحن نريد هذا الخير نفسه، وبالقوة نفسها، لسوريا وشعبها. وكما نكره لحياتنا الوطنية في لبنان أن تكون رهينة القبضات الحديد والتخلّف المهين في مفهوم الدولة والنظام والمجتمع والإنسان، وكما نقف هنا الى جانب الديموقراطيين والأحرار، وننأى بأنفسنا عن الانزلاق الى تأجيج السعير من أيّ نوع، فإننا لا بدّ من أن نفعل الشيء نفسه عندما يتعلق الأمر بسوريا.

وقلتُ للأصدقاء: في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ المنطقة العربية، ومن تاريخ المشرق العربي خصوصاً، نجد أنفسنا مطالبين أكثر من أي وقت مضى بأن تكون الكتابة أمينة للأساسيات الثقافية والفكرية والوطنية والسياسية التي نؤمن بها، ونناضل من أجلها بالكلمة الحرة، والتي لطالما كانت نبراساً لكتّاب “الملحق” ومثقفيه وضيوفه، لبنانيين وسوريين وعرباً: مبدئية، جوهرية وصارمة في ما يتعلق بإعلاء ثقافة الديموقراطية العلمانية، حكيمة، واعية، وملتزمة الدفاع عن هاجس الحرية بالقدر نفسه من الابتعاد عن البهورة الفارغة، وعن إطلاق العنان لتسجيل المواقف وتسعير الانفعالات والغرائز.

وأسهبتُ في الشرح للأصدقاء قائلاً: منذ اندلاع الشرارة في تونس، ثم في مصر، كنا نحدس بأن العالم العربي مقبل لا محالة على التغيير، وبأن هذا التغيير الذي لطالما تاقت اليه الشعوب العربية سيصل إلينا في دول المشرق العربي، وسنستقبله بما تمليه عليه انتظاراتنا الطويلة، التائقة للخروج من النفق الديكتاتوري المهين أولاً، وبما يعلي من شأن كرامتنا الثقافية ثانياً، وبما تتطلبه الكتابة من وعي حكيم ومرهف بطبيعة المسألة السورية – اللبنانية، ثالثاً، وبإدراكنا أن الحرية هي وحدها هدفنا الثقافي الوحيد والمشترك.

وقلتُ: من باب تأكيد المؤكد أننا لا نتدخل ككتّاب في الشؤون الداخلية للدول العربية، لا البعيدة ولا القريبة، بل يعنينا فحسب أن نكون أمناء كمواطنين ومثقفين عرب الى قضايانا المشتركة، ليس في إشهار الثقافة المجردة فحسب وإنما خصوصاً في احتضان دلالاتها، وترسيخها في مجتمعاتنا ودولنا، بما يجعلها ثقافة للحرية والديموقراطية، وبما يفضي الى أن تصبح هذه الثقافة النوعية دستوراً لحياتنا الوطنية وأسلوباً لعيشنا الكريم.

وتابعتُ: كنا وسنظلّ ضد الأنظمة الديكتاتورية، أياً تكن، ومن باب تأكيد المؤكد أن عقوداً من القمع المنظّم في العالم العربي قد آن أوان انتهائها، ومن باب تأكيد المؤكد أننا ننتظر الربيع الديموقراطي العلماني في مشارق العالم العربي ومغاربه مثلما ننتظره في لبنان وسوريا.

وقلت للأصدقاء إن للمثقفين السوريين “دالّة” خصوصية علينا، فهم لطالما أغنوا “الملحق” في كتاباتهم الخلاّقة، أدباً وفناً وفكراً سياسياً ونقاشاً عقلانياً، وهم لطالما شاركوا في صناعة هذا “الملحق” في عهده الاول، كما في عهده الثاني، وها هي فرصة لنقول لهم ما نقوله لأنفسنا، وإننا نريد لهم ولبلادهم ما نريده لأنفسنا ولبلادنا. ونحن نقول لهم ما يعرفونه تمام المعرفة: درب الحرية والديموقراطية طويل طويل، ومشترك، وتصنعه ثقافة الحرية والشجاعة والحكمة، خبز المثقفين العلمانيين الأحرار وزيتونهم.

وختمتُ: لا بدّ من أن نقول بقوة إننا خائفون على المصير بقدر الرغبة في معاينة بزوغ فجر الديموقراطية، ليس في لبنان وسوريا فحسب، وإنما في العالم العربي جميعاً.

ليس عندنا بلاد أخرى نذهب إليها. هذه هي بلادنا. ومن حقنا، بل من واجبنا أن نخاف عليها الخوف الذي يجعلنا نريدها تفوز بالحرية التي لا تشوبها شائبة.

مرةً أخرى: للقرّاء الأصدقاء الذي يسألوننا ماذا عن الوضع في سوريا، نقول لهم إن اللحظة التاريخية الراهنة، البالغة الحساسية والدقة والخطورة، تجعلنا نؤكد المؤكد: نريد لسوريا ما نريده للبنان، ونخاف عليها خوفنا على لبنان.

وهذا لا يعوقنا البتة عن القول مرة أخرى إن “الملحق” هو “الملحق”، منذوراً لثقافة الحرية وللأحرار في كل آن ومكان.

عن ملحق النهار الثقافي– جريدة النهار البيرويتية 24/4/2011

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى