صفحات العالم

نجاح «مهمة أنان» رهن تنازلات مستحيلة من النظام

عبدالوهاب بدرخان *
هل التعويل الدولي جدي على مهمة كوفي أنان؟ يُفترض أنه الرهان القائم حالياً مع استبعاد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أي تدخل خارجي لتغيير النظام السوري… هل يعني ذلك أن حلاً سياسياً من خلال النظام وبمشاركة المعارضة هو الهدف؟ نعم ولكن شرط وقف العنف أولاً، لذا نجد أن الخطوة العملية الأولى لأنان – رغم «خيبة الأمل» من رد دمشق على اقتراحاته – هي إيفاد فريق للبحث في آلية مراقبة وقف إطلاق النار الذي كررت موسكو التشديد على أن يكون «متزامناً» فيما تريد واشنطن التزام النظام أولاً… هل للنظام مصلحة حقيقية في إنجاح هذه الخطوة الأساسية، وهل يوقف النار بشروطه أم بشروط فريق المراقبة، وهل أن الإلحاح الروسي العلني عليه للاستجابة موقف صحيح أم مغشوش؟ روسيا تحكي ولا تضغط بل تحاول جهدها ليكون أي حل أقرب إلى طموحات النظام، أما بالنسبة إلى النظام نفسه فهذا مجرد اختبار آخر سيعمل على تجاوزه… ولا تسألوا «مستشارات الرئيس» فآراؤهن تستند إلى أفكار مسبقة، كما أظهرت رسائلهن الإلكترونية، على افتراض أنه يصوّب إدارته للأزمة وفقاً لنصائحهن.
تشير «إيميلات» الرئيس وزوجته والمستشارات، وقد جرى تعميمها، إلى جماعة منفصلة عن الواقع، ولذا يسهل عليها وهي في صالون صناعة الموت أن تتعامل مع أرقام الضحايا بدم بارد وبلا إنسانية، تسمع عما يجري خارج القصر وكأنه مجرد «مكافحة لوباء منتشر» يلزم بعض «العلاقات العامة» لإبعاد تأثيراته عن صورة الرئيس أو عن مواسم السياحة. لا يداخل قاموس هذه الجماعة أن الحاصل جرائم موصوفة، بل يُختصر الأمر لديها بأن هناك إعلاماً معادياً ينبغي الرد عليه بإعلام يبرّز «رواية رسمية» كتبتها الأجهزة أصلاً، وما على «المستشارات» سوى الإيغال في تمارين لغوية لترويجها. أما العالم الخارجي الذي تصفّح هذه الرسائل فلعلّه تأكد بأن أخطر ما يسم الدكتاتورية أن تفقد حتى في عالمها الداخلي وخصوصيّاتها المدوّنة كل إحساس بالمآسي التي تنتجها.
في أي حال، كما استُقبل المراقبون العرب جرى التحضير لاستقبال طليعة المراقبة الدولية بمسلسل تفجيرات قد تتوقف إذا تبيّن أن «رسائلها» وصلت وفُهمت. صدفة أم أسلوب عمل؟ التوقيت المتزامن مع مهمة أنان يدفع إلى الاشتباه بالأهداف، والاختيار الدائم لأهداف في دمشق وحلب لا يرهب الأجهزة بل المدنيين المشتبهين بمناصرة صامتة للانتفاضة، أما «التوقيع» المفترض أنه لـ «القاعدة» أو لإحدى أخواتها فبقي معلَّقاً على خيوط الغموض. لدى الخبراء الأجانب الذين يعرفون النظام ريبة مركّبة، فهم يقدّرون أنه قد يفعل أحياناً ما يناقض المنطق الاستخباري ولذا فإنهم لا يميلون إلى اتهامه لكنهم لا يبرّئونه، بل يعتبرون أن التفجيرات تخدمه في اتجاهات عدة: إذ تقوّي حجّته ضد «الإرهاب» وتعفيه من المسؤولية باعتباره «ضحيةً للإرهاب»، وتشكّك الخارج في معارضيه المسلحين، وتعزز المخاوف لدى معارضيه الصامتين المنتظرين، وباختيارها مناطق ذات غالبية مسيحية تدعم ادعاءاته بأنه وحده يحمي الأقليات. في المقابل، ولا أي هجوم لـ «الجيش السوري الحر» على أي مقر أمني أو استخباري استخدم تكتيك التفخيخ المعروف مسبقاً أنه سيوقع بالضرورة ضحايا من المدنيين. ثم أن المنشقّين أبدوا دائماً حرصهم على استهداف أشخاص معيّنين من النظام ثبت اتهامهم بارتكاب جرائم مباشرة ضد مؤيدي الانتفاضة وذويهم. وإذا كان الهدف هو الترويع فليس بالترويع يمكن استمالة المحايدين أو تشجيعهم على حسم أمرهم، لذلك يبقى احتمال لم يتأكد بعد بأن تكون هناك مجموعة أو أكثر تخطط وتعمل على هامش الانتفاضة وبمعزل عن قيادة «الجيش الحر».
مثل هذه التفجيرات يخدم المفاهيم التي يستند إليها النظام في تعامله مع المساعي الدولية، ومختصرها أن سورية تعيش حالاً إرهابية وما على المجتمع الدولي سوى أن يساعد السلطة في التصدّي لها. لكن هذه مفاهيم نظام مشكوك بأساليبه منذ زمن وتضاعفت الشكوك خلال عام من القمع الدموي، وهو أضاع الوقت والفرص ولم يعد يقنع أحداً بأنه يبحث عن حل سياسي، خصوصاً أن الواضح في حسمه العسكري أنه يرمي إلى سحق كل احتجاج وإحكام تسكير البلد على الطريقة الإيرانية حالياً، أو الطريقة السوفياتية سابقاً، للتصرف بما يعيد السلطة إلى سابق عهدها، وإذا لم يتحقق له ذلك، ولن يتحقق، فإن خياراته ستذهب إلى أقصى التطرف والتهوّر.
حين يقال عن مهمة أنان أنها «فرصة أخيرة» فالمقصود خصوصاً هو الحفاظ على الدولة والجيش وعلى سلامة الشعب بمختلف فئاته. وبالتالي فإن النظام، وليس الشعب، هو المدعو إلى تحديد خياراته. لم يفهم أحد من حراك الشعب أنه يرمي إلى تخريب سورية أو تقسيمها أو تغيير طبيعة مجتمعها، لكن يرغب بالتأكيد في ترتيب الوضع الداخلي بمعزل عن النظام الموجود الذي انتهى عمره الافتراضي. وليس هذا النظام وحده المعني بـ «موقع» سورية ودورها والدفاع عن سيادتها واستعادة أرضها المحتلة وحقوقها كافة، فـ «الموقع» والدور وكل ما تمثله سورية هو لسورية ولشعبها من قبل النظام ومن بعده. من هنا أن «فرصة أنان» تمنح النظام فرصة لتراجع تكتيكي يبرهن فيها أنه يحرص على الدولة والجيش حرص الشعب عليهما، وأنه لا يريد الاستمرار في إثبات قدرته على الغرق – وإغراق سورية – في الأزمة بل يتطلّع فعلاً إلى الخروج منها. ولكي يستطيع ذلك عليه أن يتهيّأ لدفع الثمن، فأي حديث عن حل سياسي – على افتراض التوصل إلى وقف للنار – حتى لو جاء من روسيا أو من كوفي أنان سيكون بلا شك عن تنازلات النظام. فكل ما فعله حتى الآن لا يرشحه للبقاء إلا بقوة البطش فقط، لذلك سيصعب عليه أن يمرّر «حلاً سياسياً» يبقي له هذه القوة ليتصرف بها كما فعل دائماً.
للأسف، قد يبدو هذا التحليل مشوباً بالسذاجة مقارنةً بما يجري فعلاً على الأرض. فالنظام والمعارضة يعدّان لخوض أزمة مديدة، وكلٌ منهما يفترض أن الآخر بلغ ذروة ما يستطيع. لكن المعارضة لم تعد كما كانت حتى قبل شهر أو اثنين، وستزداد استيعاباً للدروس واستفادةً من الدعم المتصاعد، كما طهر جزئياً في معارك المزّة في دمشق. أما النظام الذي لا يبدي حاجة إلى دعم عسكري، بفضل روسيا وإيران، من دون أن يتمكن من الحسم، فقد يبدأ بتوضيح نياته المشتبه بها بالنسبة إلى صون وحدة البلد أو البحث عن كيان ذاتي يحتمي فيه ليفلت من الحساب.

* كاتب وصحافي لبناني
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى