صفحات العالم

الاستخدام المفرط والتحالف المفرط


غسان شربل

لا مبالغة في القول إن المشهد غير مسبوق. وإن الأزمة في سورية تندفع بعده نحو فصل أكثر صعوبة وخطورة مما كانت عليه في الشهور الثمانية الماضية. المشهد مختلف بالتأكيد عن الامتحانات الكبرى التي واجهتها الجامعة العربية في العقود السابقة. مختلف عن الاجتماعات التي أدت الى معاقبة مصر بسبب قرارها إبرام السلام مع اسرائيل وأدت الى خروج الجامعة من مصر. ومختلف عن الاجتماعات الصاخبة التي انتهت بمعاقبة نظام صدام حسين بسبب غزوه الكويت. ومختلف أيضاً عن ارغام نظام معمر القذافي على مغادرة مقعده في الجامعة بسبب قمعه الدموي لمعارضيه.

يتضح حجم الفارق إذا عدنا قليلاً الى الماضي البعيد والقريب. سورية دولة أساسية في العالم العربي. موقعها مختلف عن موقع ليبيا. إنها تقيم على خط التماس مع العدو الإسرائيلي ولديها أراضٍ محتلة. حاولت سياستها دائماً استثمار موقعها ما جعل التطورات فيها قادرة على التأثير في أمن جيرانها واستقرارهم. نقصد هنا لبنان والعراق والأردن وتركيا. لا حاجة هنا الى التذكير بسياسة الإمساك بأوراق داخل أراضي الآخرين. درجت سورية على الدفاع عن سياستها ودورها خارج حدودها.

أمضت سورية عقوداً في ظل استقرار داخلي صارم. هذا الواقع مكّنها من تحريك الأوراق خارج حدودها. تمتعت بعائدات هذا الدور. واكتسبت نوعاً من الحصانة ضد منتقديها. في الاجتماعات حرص العرب دائماً على عدم إغضاب سورية. حتى حين كانت تصطدم برمز من حجم ياسر عرفات. وأيضاً حين كان يشعر العرب بأن النظام السوري يفرط في تدخلاته في الشأن اللبناني. كانت هالة سورية ترسم سقفاً للدور العربي في أي مسألة تعنيها. امتلكت ما يشبه حق النقض لدى إثارة هذا النوع من المسائل.

الصورة بدت مختلفة تماماً هذه المرة. خسر المندوب السوري ورقة الاستقرار الصارم التي طالما اتكأ عليها. لم يكن النقاش يتعلق بدور سورية خارج حدودها. جوهر النقاش ما يجري على أرض سورية نفسها. وهو ما لم تكن دمشق في السابق تقبل مجرد التلميح إليه حتى في اللقاءات خارج الاجتماعات الرسمية. أبرز ما حصل في الاجتماع الأخير للجامعة العربية أن أكثرية ساحقة رفضت عملياً وعلانية الرواية السورية الرسمية للأحداث. يمكن الالتفات بشكل خاص الى انضمام الجزائر والسودان الى معسكر رافضي هذه الرواية. وإلى تفضيل العراق الامتناع عن التصويت. وإلى النظر الى لبنان كبلد «مغلوب على أمره». وإلى موقف اليمن «كمن يحاول إبعاد الكأس التي تقترب من شفتيه».

الرفض العربي الواسع للرواية السورية الرسمية للأحداث يضعف بالتأكيد موقف دمشق في الفصل الجديد من الأزمة. يمكن القول إن هذا الرفض سيسهل لتركيا تصعيد لهجتها ضد النظام السوري والانتقال الى مرحلة الإجراءات العقابية. إنه يحرج أيضاً الموقف الروسي الذي كان نصح دمشق بتفادي قيام إجماع عربي ضد أسلوب تعاطيها مع الاحتجاجات. يمكن قول الشيء نفسه تقريباً عن الموقف الصيني.

واضح ان النظام السوري دفع في اجتماعات الجامعة العربية ثمن الاستخدام المفرط للقوة ضد المحتجين. وهو يعرف أنه خسر معركته الإعلامية منذ الأسبوع الأول. وواضح أيضاً أن النظام السوري يدفع ثمن تمسكه بالتحالف المفرط مع ايران على رغم ارتسام خطوط تماس مذهبية على مستوى المنطقة داخل الدول أو عند حدودها.

الردود السورية الغاضبة على رفض الرواية لا تساعد على الخروج من الأزمة بل تعمقها. الردود الغاضبة تعني الانزلاق الى معركة كبرى حول مستقبل الوضع في سورية والتوازنات في الإقليم. الوقت يضيق. وتفادي المعركة الكبرى يستلزم قرارات سورية سريعة وجريئة ومؤلمة تتناول الاستخدام المفرط للقوة والتحالف المفرط مع ايران.

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى