صفحات العالم

التدرج الروسي وأنان

وليد شقير
بعد صدور البيان الرئاسي عن مجلس الأمن متضمناً النقاط الست التي طرحها، بات الموفد الدولي – العربي المشترك لمعالجة الأزمة السورية كوفي أنان متسلحاً بموقف موحد من مجلس الأمن، بدعم مهمته، وليس بمجرد تكليف من الأمين العام للأمم المتحدة والجامعة العربية.
وإذا كانت معالجة الأزمة السورية وقفت عند باب الانقسام الدولي والإقليمي حول طريقة مقاربتها، فإن بيان مجلس الأمن الذي لن يؤدي الى التوهم بحل سريع للأزمة، يضع الجهود الخارجية حيال المأساة الإنسانية في سورية والمعضلة السياسية التي تطرحها، على طريق جديدة بعد مضي سنة على تفاقمها. بات كوفي أنان موفداً روسياً، وصينياً، بقدر ما هو غربي وعربي (على رغم رفض الرئيس السوري الاعتراف بصفته العربية حين التقاه في دمشق). وباتت النقاط الست التي طرحها على الرئيس السوري علنية ورسمية في وثائق الأمم المتحدة تتيح لكل الأطراف معرفة ما هو مطلوب من النظام السوري، بعد أن كانت سرية حرصاً من أنان على إنجاح التفاوض.
على أن أكثر ما يضع جهود أنان في طريق جديدة هو أن الموافقة الروسية والصينية على بيان مجلس الأمن بعد استخدامهما الفيتو مرتين، باتت تفرض على رأس النظام السوري أن يحسب حساباً لما هو جديد في الموقف الروسي، بعد أن كان اعتمد على دفاعه عنه خلال الأشهر الماضية. وهو جديد سيظهر تباعاً وبالتدرج في موسكو، نتيجة عوامل عدة أخذت تظهر في تصريحات وزير الخارجية سيرغي لافروف في الأيام الماضية، وهي عوامل يمكن تعدادها كالآتي:
1 – إن استخدام لافروف عبارة «تأخر» النظام في خطواته وارتكابه أخطاء بموازاة مواصلة انتقاد المجموعات المسلحة مرات عدة، يعود الى اقتناع موسكو بأن فريق الرئيس الأسد تمادى في لعبة كسب الوقت التي يستخدمها من أجل مواصلة الحل الأمني الذي ينتج المزيد من القتل، في وقت يُتهم الجانب الروسي بتغطية هذه اللعبة. وهو لم يعد يحتمل اتهام موسكو بتغطية المزيد من القتل.
2 – إن موسكو عادت، مع صدور بيان مجلس الأمن، الى التنسيق الوثيق مع واشنطن حول الأزمة السورية، الى درجة فاجأت حتى بعض الدول الحليفة للولايات المتحدة. حتى أنها كانت مستعدة للتوافق على قرار يصدر عن مجلس الأمن وليس بياناً رئاسياً فقط.
3 – إن القيادة الروسية منزعجة من تراجع علاقتها بدول الخليج العربي، لا سيما السعودية، نتيجة استخدامها الفيتو ضد مشروع قرار مجلس الأمن بتبني المبادرة العربية حول الأزمة السورية، وهي لا تريد لهذه العلاقة أن تتدهور. فالجانب السعودي أصرّ حين طلب الوزير لافروف لقاء مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض، على أن يكون الاجتماع مع مجلس الجامعة العربية في القاهرة، لأن الموقف الخليجي هو موقف عربي وليس موقف جهة دون الأخرى. وتحرص القيادة الروسية على تبديد الأجواء التي نجمت عن هذا الفيتو في العلاقة مع السعودية.
4 – إن موسكو ستبقى تردد أن «تنحي الأسد يجب ألا يكون شرطاً للحل»، لكن بعض الدوائر في موسكو، أخذت تسأل: «هل يمكن الأسد أن يبقى في الحكم بعد سقوط أكثر من 10 آلاف قتيل؟ وفي وقت يعتمل داخل دوائر القرار الروسي سجال بين توجهين في هذا الصدد، فإن التيار الداعي الى مواصلة دعم بقاء الرئيس الأسد يقابله تيار يقول إن هذه المسألة ليست من اختصاصات روسيا، بل هي، قانوناً، من اختصاص السوريين أنفسهم. وينأى هذا التيار بنفسه عن هذه المسألة ويرفض حتى الحديث في تأمين ضمانات للأسد في حال طرح الموضوع ويفضل أن يتعاطى معه الجانب العربي والمجتمع الدولي وليس موسكو، خصوصاً أن في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي أفضى الى تعيين أنان موفداً دولياً – عربياً ما ينص على مرجعية خطة عمل الجامعة العربية التي تدعو الى توكيل الأسد صلاحياته الى نائبه للتفاوض على تشكيل حكومة جديدة.
لا تعني بداية الاستدراك الروسي للموقف أن موقف موسكو سيسرّع الحلول والنهاية للأزمة، وأن معاناة الشعب السوري ومسلسل القتل سيتوقفان قريباً. فالتدرج في تعديل موقف موسكو سيتم على إيقاع مفاوضات بينها وبين اللاعبين الآخرين، حول قضايا لا علاقة لها بسورية، إضافة الى سورية نفسها.
في الانتظار من المؤكد أن مهمة أنان هي الفرصة الأخيرة لانتقال سياسي محسوب الخطوات في سورية، ولهذا السبب يحظى الرجل الصبور بدعم كبير من روسيا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى