صفحات الثقافة

الثورة في سوريا وتحويل الصورةحدثاً/ جون ريتش

التقط كيفن كارتر صورة لطفلة سودانية جائعة تجاهد زحفا للوصول إلى مخيّم الإغاثة الذي لا يبعد أكثر من ميل واحد. على مقربة أمتار من الطفلة خائرة القوى كان ثمّة نسر قمّام ينتظر موتها ليباشر وليمته. النسور أيضا يحقّ لها أن تأكل، وفي جنوب السودان كانت تأكل لأنّ البشر ما كانوا يأكلون. المهمّ أنّ كيفن التقط الصورة، ثمّ أشعل سيجارة وجعل يدخّنها، عشرون دقيقة مرّت ولم يتحرّك النسر من مكانه، بقي منتظرا واستمرّت الطفلة تجاهد للوصول إلى مخيّم الإغاثة. يقال إنّ الطفلة وصلت إلى مخيم الإغاثة ونجت. لكنّ كيفن كارتر لم ينج. صورته نشرتها النيويورك تايمز وبعد شهور قليلة نالت الصورة جائزة بوليتزر، لكنّ كيفن انتحر بعد نيله الجائزة بأسابيع قليلة، كتب رسائل كثيرة للأصدقاء وانتحر في شاحنته متنشّقا غاز العادم حتى الموت. في آخر رسالة له كتب كارتر: “صور المجازر والجثث والغضب والألم والأطفال الجائعين والمجروحين لم تغادرني ولم أستطع الفرار منها…ألم الحياة فاق بهجتها إلى حدّ أنّ البهجة انعدمت”. لم يستطع الفرار من الصور. كيفن كارتر على ما يقال، تأكّد عيانا من نجاة الطفلة التي صوّرها. لكنّ الصورة نفسها تجوّلت في أنحاء العالم. صورة طفلة بلا اسم تنتظر موتها جوعا ليأكل النسر القمّام جثتها. الطفلة التي بلا اسم هي كناية عن أطفال كثيرين، ولا يمكن لكاميرا إحصاء عددهم أو الإلمام بأماكن تواجدهم كلها، وكلّهم ماتوا أو نجوا بصعوبة، وكلّهم أكلت نسور قمامة جثثهم وأفردت لحومهم عن عظامهم. والأرجح أنّ كارتر نفسه لم يستطع احتمال كثرتهم هذه، بل يبدو أنّ الصورة التي التقطها نجحت رغما عنه في صنع فكرة في مخيّلة العالم عن كيفية حدوث الموت، موت هؤلاء الأطفال الجائعين. فبات كلّ خبر عن موت طفل في جنوب السودان أو في أي مكان من العالم يملك سيناريو في مخيلات كلّ من شاهد صورة كارتر، أو تأثر بها.

يقال إن الطفلة التي صورها كيفن كارتر عارية وعاجزة ومعدّة للالتهام نجت، وبنجاتها لم تعد طفلة الصورة نفسها، فالصورة، صورتها، هي صورة الجوع وليست صورة الطفل – الفرد، هي صورة المصير الذي واجه أطفال جنوب السودان في أوائل التسعينات من القرن الماضي، وليست صورة الطفلة التي قد تكون اليوم متزوّجة ومنجبة. والحال، لم يصوّر كارتر طفلة، بقدر ما صوّر مصيرا، وأن يدرك المصوّر أنّه صوّر الموت جوعا بوصفه مصير الأطفال في السودان، فهذا في حدّ ذاته سيجعله غير قادر على استكمال العيش، باعتبار أنه أيقظ ماردا من قمقمه، هو الجوع المصوّر، وصنع له صورة، ثم والأخطر من ذلك، لم يلبث هذا المارد أن التهم ضحايا كثيرة من دون رادع من أي نوع، ولم يختف من المخيلة إلا حين أتمّ مهمّته على أتمّ وجه، أي حين اكتفى من التهام الحيوات.

المعنى من هذا كله أنّ مثل هذه الصورة التي التقطها كارتر، تخلق لبعض الموت والألم الذي يسبقه، (أي الموت)، ويعتريه ويتخلله مسيرة مراقبة ويمكن معاينتها، وهذا أمر يصعب على البشر احتماله أو العيش في مصاحبته ولو كان يحدث في أماكن بعيدة جغرافيا. الصورة، بهذا المعنى، خلقت معنى، ويمكن الجزم من دون تردد أنها خلقت عبارة، أي أننا بتنا نستطيع أن نصف، نحن الذين رأينا الصورة وآلمنا مرآها، مسار الموت الذي كانت الطفلة قد قطعت جله. صورة كارتر هي صورة البرزخ الذي يفصل الحياة عن الموت، وهي تاليا الألم متخيلا ومتحولا من شعور فردي وخاص إلى شعور عام ومشترك.

في المحصلة، صورة كارتر قتلته لأنها نجحت في صنع عبارة لمسار مؤلم من مسارات الموت الحديثة. لكنها لم تقتل أحدا من القتلة الجنجويد ولم تؤثر على مسلك عصابات البشير، واليوم بعد سبعة عشر عاما تقريبا على انتحار كارتر، ما زال البشير في السلطة، وما زلنا نأمل أن لا يتكرر المسار نفسه وألا يستعاد توليد مارد الجوع القاتل من جديد. وفي الحديث عن قتل الصورة ملتقطها، يمكن الجزم، ومن خلال عبارة كارتر الوداعية نفسها، أن تلك الصورة ومثيلاتها شكلت وزرا أخلاقيا على مستويين، فردي وجماعي. على المستوى الفردي، كان المصور الذي فاز بجائزة بوليتزر يملك، من دون شك، قدرة على السير والتجول والعودة إلى الفندق الذي يقيم فيه فيمضي الليل، متعبا وقلقا وخائفا، إنما آمنا من الموت الذي بات يعرف مساره. في حين أن الليل نفسه لم يكن يحمل للجوعى والمهددين أي أمل بالأمان، كانوا يجوعون ليلا ونهارا، ويموتون ليلا ونهارا، في حين أن المصور المتضامن معهم، والصحافي الذي يريد قص حكاياتهم حتى لا تغرق في الظلمة، كان يقترب من مسار الموت وهو يملك كل الوسائل التي تقيه منه تقريبا، النقود والطعام ووسائل الراحة، والمعدات. وفي هذا الملك ما يجعل الفروق بين الطرفين، الصحافي المتضامن والجائع المقبل على الموت، هائلا ولا يمكن احتماله. في النتيجة ليس ثمة مفر أمام المتضامنين من الانتحار أو الإدانة الأخلاقية. على هذا لم تلبث وسائل الإعلام على امتداد العالم أن اتخذت قرارا يقضي بمنع بث أو نشر الصور الدموية والعنيفة، بحجة أن مثل هذه الصور قد تكون قاتلة، بالمعنى الحرفي، للمشاهد.

أما على المستوى الجماعي فكان الوزر أكبر وأعم وأشمل، باعتبار أن مثل هذه الصور جعلت الكثيرين من الناس على امتداد العالم، يسارعون إلى معالجة آلام ضمائرهم المتعبة بالتبرعات والمساعدات. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلى نقاش أخلاقي يلوم المصورين على التقاط الصور بدلا من المسارعة إلى مساعدة الجوعى والجرحى والقتلى والمصابين، كما لو أن العالم ندم ندما شديدا على مساهمته في توليد هذا الوحش الذي حوّل الموت الذي لا صورة له إلى موت معاين ومصوّر ويمكن تخيله. وخلاصة النقاش باتت في أن العالم قادر على التضامن ومستعدّ للمعرفة، إنما بحدود ضيقة. أي أن العالم ليس مستعدا بعد لاحتمال صناعة مسارات للموت ووصفه بعبارات دقيقة وذات قوام. في الحروب والأزمات التي تلت كنا نشهد الموت حالا ومقيما، لكننا رفضنا أن نشاهده وهو يؤدّي عمله، لأننا كنا نستطيع، لو توافرت الظروف المناسبة، أن نمنعه من إتمام عمله. وبمعنى آخر، مع مثل تلك الصور بات العالم يعرف أن بعض الموت، بل ربما جله، يمكن تجنبه، وتجنيب الموتى كأسه المرة، لكن ما يمنعنا عن إنقاذ بعض الذين ماتوا هو بالضبط إدماننا المزمن على الاهتمام بتدابير حيواتنا اليومية، وهمومنا الصغيرة، فلا نستطيع أن نهمل أعمالنا ولا أن نصرف النظر عن قهوتنا الصباحية أو عاداتنا في التسوق لنذهب جميعا وننقذ الجوعى من الموت ونمنع القتلة من القتل.

ثمة نقطة أخيرة في هذا السياق يجدر بنا الإضاءة على علاماتها الموحية. ويمكن حصرها بما يتعلق بموقع المشاهد في معادلة القاتل والقتيل التي أمامنا. المشاهد، مع مثل تلك الصور، وبعدها، بات لا يستطيع التماهي مع القاتل، مثلما كانت الأحوال من قبل تصدر زمن الصور الحديثة. بل أصبح المرء مستعدا للتماهي مع القتلى، إذ أن الكابوس الذي لم يعد في وسع أي كان في العالم احتمال مكابدته، هو أن يكون في موقع أبي مصعب الزرقاوي وهو يذبح نيكولاس بيرغ. إذ لو خيّرنا أيّا كان بين أن يكون في موقع نيكولاس بيرغ أو الزرقاوي ، لاختار أن يكون في موقع المذبوح لا الذابح من دون تردد. لقد دفنت تلك الصور أبطال العصور الوسطى وما قبلها، ولم يعد هرقل أو هنيبعل أو نابليون أبطالا، بل باتوا في معنى من المعاني قتلة أو زرقاويين. لكن وضوح الخيار البشري هذا لم يلغ المسافة الهائلة التي تفصل ضحايا الموت عن مشاهديهم. بل ربما زادت من هذه المسافة المؤلمة وجعلت العالم كله ينحو أو يحاول الهروب بعيدا ما أمكنه حتى لا يتعرض لمثل هذه الامتحانات. وهكذا أصبحنا نشاهد الموت في العراق ولبنان وغزة وهاييتي وإيران على الشاشات، في حين أن الناس هناك ما كانت تستطيع مشاهدة موتها إلا عبر الوسائل نفسها، أي شاشات التلفزيون وشبكة الأنترنت، وفي الأزمات تصبح التلفزيونات وشبكات الاتصالات الهشة التكوين والضعيفة غير قادرة على الوصول إلى الذين يعيشون في قلب الأزمة. وبكلام أوضح، لم يكن أهل جنوب لبنان يستطيعون أن يشاهدوا موتهم على الشاشات مثلما كان الفرنسيون أو البرتغاليون يشاهدون موت أهل جنوب لبنان على الشاشات بيسر وسهولة. وإذا تسنى لأهل جنوب لبنان أن يشاهدوا موتهم الخاص على الشاشات فذلك كان يتم من خلال الوسائط نفسها التي يعتمدها الفرنسي أو البرتغالي أو الأميركي، مما يجعل موتهم الخاص أقل خصوصية، بدليل أنهم أحياء. وهذا كان في وجه أول من وجوهه فصلا للموتى عن الأحياء، في لحظة الموت نفسها. من يشاهد السي. أن. أن. هو ناج ومن لا يستطيع مشاهدتها هو ميت أو مشروع قتيل.

هذا زمن تسيدت فيه محطات التلفزيون على أحلامنا حتى في الحروب والأزمات كانت المحطات الإخبارية الأشهر والأكفأ تستطيع أن تصنع لصور الموت والألم بعدا مختلفا عن مجرد الدفن. أصبح لصورة الموت ما بعدها، قصصا وآراءً ومواقف، وفي بعض الأحيان، مثلما حصل عقب تفجير برجي نيويورك، سياسات. كان القتلة في تلك الحادثة يريدون التثبت من أنّهم القتلة، وذهبت الإدارة الأميركية، مدفوعة بعدوى الانتقام، إلى الولوغ في صناعة الموت في آفغانستان وفي العراق وباكستان فيما بعد، إلى الحد الذي بات بديهيا معه أن يحتفل أهل واشنطن ونيويورك بنجاح فرقة كوماندوس أميركية في قتل أسامة بن لادن في سريره بباكستان، ويخرجون إلى الشوارع بعد منتصف الليل. هذا وقد بقيت الصورة التلفزيونية متسيدة على المشهد العام حتى في خضم الثورات الكبرى التي حفلت بها المنطقة العربية، من تونس إلى مصر فاليمن والبحرين وليبيا.

إنما ومع اندلاع الثورة في سوريا، بدا أن شيئا ما كبيرا قد تغير أو هو في طريقه إلى التغير إلى الأبد. الثورة في سوريا لم تواجه نظاما استبداديا كالذي واجهه ثوار تونس ومصر من قبل. عزيز العظمة يصف النظام السوري بأنه نظام مملوكي. لمن لا يعرف معنى هذا الوصف يمكن إضافة التالي: النظام المملوكي، وليس نسبة إلى علي مملوك الذي وضعته واشنطن في رأس قائمة المعاقبين، هو نظام يرى الناس والأرض وما فوقها وما تحتها جزءا لا يتجزأ من أملاكه الحصرية، وهي ملكية لا تقبل الجدال والنقاش، وعلى نحو ما، لا يعبأ النظام المملوكي – السوري بحيوات الناس الذين يملكهم، فيستسهل معاقبتهم بالموت والتجويع والحصار لإخضاعهم. في درعا كانت المسألة أكثر من واضحة، تعاقب مدينة بقطع التيار الكهربائي عنها وتعطيشها وتجويعها حتى الموت أو الخضوع. هذا ضرب من أعمال القرون الوسطى العسكرية، ولا يمت للعصر الحديث بأي صلة. على أي حال مفهوم أن الرئيس بشار الأسد يحكم من أرشيف والده الرئيس حافظ الأسد الذي قصف مدينة حماة بالطائرات الحربية ونفذ مجزرة لا يدانيها في عنفها وخطورتها في التاريخ الحديث إلا مجزرة هيروشيما ربما. وأن يحكم الرئيس بشار الأسد من أرشيف والده لهو أمر يكاد يكون مفهوما، أما أن يكون هذا الأرشيف مغرقا في قدمه وعتقه وباليا إلى الحد الذي تكشفت عنه عبقريات ضباط الأمن السوري فهو أمر يجعل كل دعوات التعايش مع مثل هذا النظام إذا أصلح نفسه غير ذات موضوع وحيثية.

هذا في مآلات السياسة المباشرة. وعليه تبدو معادلة المنتفضين السوريين المغرقين في حداثتهم واتصالهم بالعصر منتصرة حكما ليس على بشار الأسد فحسب، بل على ضمير العالم المتضامن بحدود مع ثوار يموتون أمام الكاميرات.

منذ بداية الأزمة في سوريا كان المحللون السياسيون ينتظرون تظاهرة مليونية في دمشق أو حلب ليتسنى لهم أن يضبطوا ساعة توقيت انهيار النظام المملوكي الدموي. ذلك أن صور التظاهرات المليونية تكفي وحدها لتغيير منطق السياسات في العالم، إنها قرينة إثبات قاطعة على أنّ “الشعب يريد إسقاط النظام” فعلا. لكن الأسابيع الأولى مرت من دون تظاهرات مليونية. ثمة تظاهرات صغيرة تخرج من حيث لا يتوقع أحد في كافة القرى والمدن السورية. وثمة عنف منقطع النظير تمارسه السلطات الأمنية في مواجهتهم. الحصيلة متواضعة عدديا، لكن الثوار السوريين كانوا يعوضون التواضع العددي بجرأة لا مثيل لها ولم يسبق أن شاهدها العالم والأرجح أنه حتى اليوم ليس مستعدا لمشاهدتها. شبكات التلفزيون ووكالات الأنباء العالمية أحجمت عن عرض الدم واللحم الممزق الذي كان المتظاهرون السوريون يبذلون صوره من دون خوف في مواجهة النظام. والحجة هي نفسها دائما: ثمة مشاهد عنيفة لا يجدر بنا بثها على الهواء مباشرة للناس القابعين في بيوتهم في أرجاء العالم الواسع. مثل هذه الصور قد تترك آثارا سيئة على المشاهدين.

لكن صور سوريا ليست هي الصور نفسها التي تم الاعتراض عليها من قبل. هي ليست صور الزرقاوي، وليست صور المصورين الصحافيين الذين يصورون العنف الذي يتعرض له شعب جنوب السودان وهم في مأمن نسبي من آثاره. المصورون السوريون، لأول مرة في التاريخ الحديث، استطاعوا الجمع بين وظيفتين هائلتين: وظيفة الضحية والبطل في آن واحد. المصور السوري هو متظاهر، لكنه لا يصور الحشد بمقدار ما يصور موته الخاص. إنه ضرب من الانتحار أمام الكاميرات، ودوي هذا الانتحار لن يسلم منه أحد في العالم أجمع حتى لو أحجمت شبكات التلفزيون عن عرض صوره. المتظاهر في سوريا هو ضحية قمع عار وهو مؤرخ في الوقت نفسه. وأن يكتب المتظاهر التاريخ بدمه وجسمه وأعصابه، لهو أمر يجعل مهمة المؤرخين في المقبل من الأيام عسيرة جدا. هذا فضلا عن واقع أن الثورة السورية وضعت الإعلام برمته أمام امتحان عسير. يقول ريجيس دوبريه أن عالم (رجل) الإعلام كلب يقتفى الأثر، هذا التعريف الدقيق لا ينطبق على المصورين – المتظاهرين في سوريا. فالمتظاهر هناك لا يشبه الصحافي، الذي بدوره يشبه النسر القمام الذي تجذبه رائحة الدم من البعيد. المتظاهر في سوريا يحول أجهزة الأمن إلى نسور قمامة، حين يتظاهر تنجذب إلى مكان التظاهر وتعمل في الأجسام قتلا وإدماء. هذا في ما يخص امتحان الإعلام والسياسة التقليدية المتضامنة.

لكن الدم السوري يضع طرفا آخر أمام امتحان أصعب وأعمق دلالة. ويمكن الجزم من دون خوف أن المتظاهرين في سوريا هزموا بالضربة القاضية كل أنواع الحركات السياسية التي تتوخى العنف سبيلا لتحقيق أهدافها. أول المهزومين هو أسامة بن لادن وأبي مصعب الزرقاوي. الصور التي خرجت من سوريا لم يكن مصورها هو القاتل نفسه على ما كان الزرقاوي يصور قتله لضحاياه، ربما يكون الفيديو الذي انتشر في وسائل الإعلام والذي يصور رجال الأمن في قرية البيضا السورية وهم يدوسون ببساطيرهم على ظهور المعتقلين الممددين ووجوههم إلى الأرض فيما أيديهم مقيدة إلى ظهورهم أشبه صور الثورة السورية بصور الزرقاوي، لكن مثل تلك الصور ومقاطع الفيديو كانت الاستثناء ولم تكن القاعدة. لقد بث السوريون صور موتهم بالرصاص الحي، والمذبوح لا يلام على دمه، لكنه يضع المشاهد في زاوية حرجة، فمن يشاهد تلك الصور لم يعد يستطيع أن يخاف من وقوعه في موقع القاتل أو الذابح أو مطلق النار، ويتماهى مع الضحية المسكينة المغلوب على أمرها. الصور السورية تضع المشاهد أمام استحالة أن يكون سوريا، سواء كان السوري القاتل أو السوري الضحية. المشاهد لا يستطيع طبعا، وهذا معروف من قبل، أن يضع نفسه مكان مطلق النار تقصدا وعن سبق إصرار على وجه المتظاهر، لكنه هذه المرة لا يستطيع أن يتخيل نفسه، مكان المتظاهر الذي يخرج إلى التظاهرة ويصور موته الخاص. هذا كثير جدا على المشاهدين، لهذا ربما، لم تنتشر الصور السورية على نحو ما انتشرت صور الثورة المصرية. ولأنه كثير جدا على المشاهدين، يصعب على أي كان القول اليوم: كلنا سوريون، على غرار ما يقول البعض كلنا فلسطينيون أو كلنا مصريون، العالم من دون شك، بجمع أهله في أقطار الأرض كلها أدنى من أن يوازي السوريين قامة وشجاعة.

لهذا كله ليس أمر انتصار الثورة السورية حتميا فحسب. إذا هزم السوريون في هذه الثورة أمام نظام القمع المملوكي، لن ينج أي كان في العالم الواسع من الهزيمة نفسها. لأن العالم بات منذ لحظة اندلاع الثورة السورية ملزما أن يعلم حجر هذه الثورة بعلامة بيضاء.

كان الثوار التونسيون والمصريون وقبلهم الإيرانيون واللبنانيون يسعون جاهدين لتحويل الصورة (والكلمة) عن مساراتها المعروفة. لم يكن سعيهم نتاج نضوج نظري وفكري مدون. لكنه كان سعيا ملموسا، تفريقا له عن السعي المجرد، على ما فرق ألتوسير التحليل المجرد عن التحليل الملموس. هؤلاء الثوار كانوا يدركون أنهم إن لم يقبضوا على ناصية التأويل بأنفسهم، وإن لم يعلنوا بيانهم بأنفسهم مقتضبا ومن دون إضافات وتجميلات وتحسينات لن يستطيعوا أن يصنعوا مصيرهم ومصير بلادهم.

على أي حال فشلت ثورات وانتصرت ثورات. لكن الثورات التي فشلت ليست أقل إيحاء من تلك الثورات التي انتصرت أو ما زالت تملك الأمل في تحقيق النصر. النصر في الثورات ليس عبرة نظرية، من يستطيع اليوم أن يعلمنا إن كانت الثورة الفرنسية أو الروسية قد فشلت او نجحت؟ لكننا نعرف أنها ألهمت وغيرت، ليس في محيطها الأقرب فحسب بل على مستوى العالم كله. والحال، بدت رغبة هؤلاء الثوار في القبض على معاني ثورتهم حاسما في تحديد طبيعتها وأهميتها. لكن هؤلاء الثوار لم يواجهوا بآلة قمع قروسطية كالتي واجهت الثوار في ليبيا وسوريا. لليبيا شأن يختلف عن سوريا طبعا، ويتعلق أولا في مسارعة دول العالم إلى التخلي عن النظام الحاكم، مما جعل العبء النظري على الثوار أقل ثقلا مما واجهه الثوار السوريون وهم يواجهون نظاما لم يفقد كافة أوراقه مثلما كانت عليه حال النظام الليبي من قبل الثورة أصلا. السوريون أرادوا أن يثبتوا أن الرئيس الوادع والدمث ليس إصلاحيا مثلما وصفته هيلاري كلينتون، وأرادوا أن يثبتوا أن النظام العلماني ليس حاميا للأقليات مثلما يشيع أهل النظام، وأرادوا أن يثبتوا أيضا أن قسوة النظام وبوليسيته التي خبروها جيدا طوال خمسين عاما ونيف، هي الأشد والأعنف من كل ما سبق. وهو على أي حال نظام له سوابق ليس لقسوتها وعنفها مثيل في التاريخ الحديث. خرجوا يصورون موتهم من اللحظة الأولى لخروجهم إلى الشوارع. كانوا يعرفون، وكان العالم لا يعرف، أنهم ما أن يقرروا الخروج إلى الشارع فسيقعون حتما في مصيدة الموت البعثي العمياء. ولأنهم حملوا كاميراتهم الخاصة لتصوير موتهم الخاص غيروا منطق الصورة التي نعرفها تغييرا عميقا وشاملا، والأرجح أن آثار هذا التغيير ستبقى زمنا طويلا تؤرق مضاجع الصحافة العالمية برمتها. لقد حولوا الصورة من تعليق على الحدث إلى حدث متكامل، في سوريا الصورة كانت حدثا، في مصر وتونس وإيران الكلمة كانت حدثا، لكن الكلمة كانت على الدوام حدثا، في لبنان لم ترق الصورة إلى مرتبة الحدث، بل على الأرجح، ولأسباب لا تحصى تحولت الأحداث نفسها إلى صور. كان اللبنانيون يقولون أنهم يواجهون آلة قمع هائلة، هي الآلة نفسها التي واجهها السوريون، لكن آلة القمع عطلت يومها في منتصف الطريق، فبات جل ما يفعله المتظاهر اللبناني لا يتعدى انتظار آلة القمع أمام الشاشات، إبداء الاستعداد لاحتمال قسوة القمع من دون ان يحصل أو أن يتعرض المتظاهرون اللبنانيون لقمع مستفيض.

في سوريا كنا أمام الوجه الآخر للمعادلة، شبان قليلو العدد، نسبة إلى متظاهري الثورات الأخرى، لكنهم جميعا يتعرضون للرصاص، ويموتون أمام كاميراتهم، التي تؤرخ موتهم المدوي والدامي. ولم تلبث السلطات السورية أن جعلت حيازة الكاميرات جرما وأن اعتقلت الناس بسبب تخزينهم صورا في هواتفهم الجوالة. الصورة التي أصبحت حدثا هي بضاعة سورية بحت، ولم يستطع أي كان في أي مكان من العالم أن ينتج مثيلها. والأمر في هذا المعنى يشبه انقلابا عميقا في مفهومنا للصور الحية وأعمال البث المباشر، لم يعد ثمة قدرة لوسائل الإعلام، التلفزيونات خصوصا، أن توازي في صورها صور الثوار السوريين أنفسهم، وربما كان من حسن حظها، أي وسائل الإعلام، أنها منعت من العمل في الأراضي السورية.

بتحويل الصورة إلى حدث قائم برأسه، استطاع الثوار السوريون أن يفرضوا على العالم معنى خاصا بهم. لقد نجحوا في القبض على ناصية تأويل الصور وجعلوا من صور موتهم ملكا لهم وسنةا لمطالبهم، والحال، لم يعد يحق لأي دولة أو شعب أو جماعة أن تقرر عنهم ما الآنسب لهم ، وإن كان رئيسهم الذي يريدون إسقاط نظامه إصلاحيا في نظر بعض صناع السياسة أو أن نظامهم قابل للإصلاح. الثوار السوريون يملكون الحق الحصري في تأويل صورهم لأن صورهم هي حدث موتهم، وعليه هم يملكون الحق الحصري في تقرير مستقبل بلدهم من دون شريك. التقط كيفن كارتر صورة لطفلة سودانية جائعة تجاهد زحفا للوصول إلى مخيّم الإغاثة الذي لا يبعد أكثر من ميل واحد. على مقربة أمتار من الطفلة خائرة القوى كان ثمّة نسر قمّام ينتظر موتها ليباشر وليمته. النسور أيضا يحقّ لها أن تأكل، وفي جنوب السودان كانت تأكل لأنّ البشر ما كانوا يأكلون. المهمّ أنّ كيفن التقط الصورة، ثمّ أشعل سيجارة وجعل يدخّنها، عشرون دقيقة مرّت ولم يتحرّك النسر من مكانه، بقي منتظرا واستمرّت الطفلة تجاهد للوصول إلى مخيّم الإغاثة. يقال إنّ الطفلة وصلت إلى مخيم الإغاثة ونجت. لكنّ كيفن كارتر لم ينج. صورته نشرتها النيويورك تايمز وبعد شهور قليلة نالت الصورة جائزة بوليتزر، لكنّ كيفن انتحر بعد نيله الجائزة بأسابيع قليلة، كتب رسائل كثيرة للأصدقاء وانتحر في شاحنته متنشّقا غاز العادم حتى الموت. في آخر رسالة له كتب كارتر: “صور المجازر والجثث والغضب والألم والأطفال الجائعين والمجروحين لم تغادرني ولم أستطع الفرار منها…ألم الحياة فاق بهجتها إلى حدّ أنّ البهجة انعدمت”. لم يستطع الفرار من الصور. كيفن كارتر على ما يقال، تأكّد عيانا من نجاة الطفلة التي صوّرها. لكنّ الصورة نفسها تجوّلت في أنحاء العالم. صورة طفلة بلا اسم تنتظر موتها جوعا ليأكل النسر القمّام جثتها. الطفلة التي بلا اسم هي كناية عن أطفال كثيرين، ولا يمكن لكاميرا إحصاء عددهم أو الإلمام بأماكن تواجدهم كلها، وكلّهم ماتوا أو نجوا بصعوبة، وكلّهم أكلت نسور قمامة جثثهم وأفردت لحومهم عن عظامهم. والأرجح أنّ كارتر نفسه لم يستطع احتمال كثرتهم هذه، بل يبدو أنّ الصورة التي التقطها نجحت رغما عنه في صنع فكرة في مخيّلة العالم عن كيفية حدوث الموت، موت هؤلاء الأطفال الجائعين. فبات كلّ خبر عن موت طفل في جنوب السودان أو في أي مكان من العالم يملك سيناريو في مخيلات كلّ من شاهد صورة كارتر، أو تأثر بها.

يقال إن الطفلة التي صورها كيفن كارتر عارية وعاجزة ومعدّة للالتهام نجت، وبنجاتها لم تعد طفلة الصورة نفسها، فالصورة، صورتها، هي صورة الجوع وليست صورة الطفل – الفرد، هي صورة المصير الذي واجه أطفال جنوب السودان في أوائل التسعينات من القرن الماضي، وليست صورة الطفلة التي قد تكون اليوم متزوّجة ومنجبة. والحال، لم يصوّر كارتر طفلة، بقدر ما صوّر مصيرا، وأن يدرك المصوّر أنّه صوّر الموت جوعا بوصفه مصير الأطفال في السودان، فهذا في حدّ ذاته سيجعله غير قادر على استكمال العيش، باعتبار أنه أيقظ ماردا من قمقمه، هو الجوع المصوّر، وصنع له صورة، ثم والأخطر من ذلك، لم يلبث هذا المارد أن التهم ضحايا كثيرة من دون رادع من أي نوع، ولم يختف من المخيلة إلا حين أتمّ مهمّته على أتمّ وجه، أي حين اكتفى من التهام الحيوات.

المعنى من هذا كله أنّ مثل هذه الصورة التي التقطها كارتر، تخلق لبعض الموت والألم الذي يسبقه، (أي الموت)، ويعتريه ويتخلله مسيرة مراقبة ويمكن معاينتها، وهذا أمر يصعب على البشر احتماله أو العيش في مصاحبته ولو كان يحدث في أماكن بعيدة جغرافيا. الصورة، بهذا المعنى، خلقت معنى، ويمكن الجزم من دون تردد أنها خلقت عبارة، أي أننا بتنا نستطيع أن نصف، نحن الذين رأينا الصورة وآلمنا مرآها، مسار الموت الذي كانت الطفلة قد قطعت جله. صورة كارتر هي صورة البرزخ الذي يفصل الحياة عن الموت، وهي تاليا الألم متخيلا ومتحولا من شعور فردي وخاص إلى شعور عام ومشترك.

في المحصلة، صورة كارتر قتلته لأنها نجحت في صنع عبارة لمسار مؤلم من مسارات الموت الحديثة. لكنها لم تقتل أحدا من القتلة الجنجويد ولم تؤثر على مسلك عصابات البشير، واليوم بعد سبعة عشر عاما تقريبا على انتحار كارتر، ما زال البشير في السلطة، وما زلنا نأمل أن لا يتكرر المسار نفسه وألا يستعاد توليد مارد الجوع القاتل من جديد. وفي الحديث عن قتل الصورة ملتقطها، يمكن الجزم، ومن خلال عبارة كارتر الوداعية نفسها، أن تلك الصورة ومثيلاتها شكلت وزرا أخلاقيا على مستويين، فردي وجماعي. على المستوى الفردي، كان المصور الذي فاز بجائزة بوليتزر يملك، من دون شك، قدرة على السير والتجول والعودة إلى الفندق الذي يقيم فيه فيمضي الليل، متعبا وقلقا وخائفا، إنما آمنا من الموت الذي بات يعرف مساره. في حين أن الليل نفسه لم يكن يحمل للجوعى والمهددين أي أمل بالأمان، كانوا يجوعون ليلا ونهارا، ويموتون ليلا ونهارا، في حين أن المصور المتضامن معهم، والصحافي الذي يريد قص حكاياتهم حتى لا تغرق في الظلمة، كان يقترب من مسار الموت وهو يملك كل الوسائل التي تقيه منه تقريبا، النقود والطعام ووسائل الراحة، والمعدات. وفي هذا الملك ما يجعل الفروق بين الطرفين، الصحافي المتضامن والجائع المقبل على الموت، هائلا ولا يمكن احتماله. في النتيجة ليس ثمة مفر أمام المتضامنين من الانتحار أو الإدانة الأخلاقية. على هذا لم تلبث وسائل الإعلام على امتداد العالم أن اتخذت قرارا يقضي بمنع بث أو نشر الصور الدموية والعنيفة، بحجة أن مثل هذه الصور قد تكون قاتلة، بالمعنى الحرفي، للمشاهد.

أما على المستوى الجماعي فكان الوزر أكبر وأعم وأشمل، باعتبار أن مثل هذه الصور جعلت الكثيرين من الناس على امتداد العالم، يسارعون إلى معالجة آلام ضمائرهم المتعبة بالتبرعات والمساعدات. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلى نقاش أخلاقي يلوم المصورين على التقاط الصور بدلا من المسارعة إلى مساعدة الجوعى والجرحى والقتلى والمصابين، كما لو أن العالم ندم ندما شديدا على مساهمته في توليد هذا الوحش الذي حوّل الموت الذي لا صورة له إلى موت معاين ومصوّر ويمكن تخيله. وخلاصة النقاش باتت في أن العالم قادر على التضامن ومستعدّ للمعرفة، إنما بحدود ضيقة. أي أن العالم ليس مستعدا بعد لاحتمال صناعة مسارات للموت ووصفه بعبارات دقيقة وذات قوام. في الحروب والأزمات التي تلت كنا نشهد الموت حالا ومقيما، لكننا رفضنا أن نشاهده وهو يؤدّي عمله، لأننا كنا نستطيع، لو توافرت الظروف المناسبة، أن نمنعه من إتمام عمله. وبمعنى آخر، مع مثل تلك الصور بات العالم يعرف أن بعض الموت، بل ربما جله، يمكن تجنبه، وتجنيب الموتى كأسه المرة، لكن ما يمنعنا عن إنقاذ بعض الذين ماتوا هو بالضبط إدماننا المزمن على الاهتمام بتدابير حيواتنا اليومية، وهمومنا الصغيرة، فلا نستطيع أن نهمل أعمالنا ولا أن نصرف النظر عن قهوتنا الصباحية أو عاداتنا في التسوق لنذهب جميعا وننقذ الجوعى من الموت ونمنع القتلة من القتل.

ثمة نقطة أخيرة في هذا السياق يجدر بنا الإضاءة على علاماتها الموحية. ويمكن حصرها بما يتعلق بموقع المشاهد في معادلة القاتل والقتيل التي أمامنا. المشاهد، مع مثل تلك الصور، وبعدها، بات لا يستطيع التماهي مع القاتل، مثلما كانت الأحوال من قبل تصدر زمن الصور الحديثة. بل أصبح المرء مستعدا للتماهي مع القتلى، إذ أن الكابوس الذي لم يعد في وسع أي كان في العالم احتمال مكابدته، هو أن يكون في موقع أبي مصعب الزرقاوي وهو يذبح نيكولاس بيرغ. إذ لو خيّرنا أيّا كان بين أن يكون في موقع نيكولاس بيرغ أو الزرقاوي ، لاختار أن يكون في موقع المذبوح لا الذابح من دون تردد. لقد دفنت تلك الصور أبطال العصور الوسطى وما قبلها، ولم يعد هرقل أو هنيبعل أو نابليون أبطالا، بل باتوا في معنى من المعاني قتلة أو زرقاويين. لكن وضوح الخيار البشري هذا لم يلغ المسافة الهائلة التي تفصل ضحايا الموت عن مشاهديهم. بل ربما زادت من هذه المسافة المؤلمة وجعلت العالم كله ينحو أو يحاول الهروب بعيدا ما أمكنه حتى لا يتعرض لمثل هذه الامتحانات. وهكذا أصبحنا نشاهد الموت في العراق ولبنان وغزة وهاييتي وإيران على الشاشات، في حين أن الناس هناك ما كانت تستطيع مشاهدة موتها إلا عبر الوسائل نفسها، أي شاشات التلفزيون وشبكة الأنترنت، وفي الأزمات تصبح التلفزيونات وشبكات الاتصالات الهشة التكوين والضعيفة غير قادرة على الوصول إلى الذين يعيشون في قلب الأزمة. وبكلام أوضح، لم يكن أهل جنوب لبنان يستطيعون أن يشاهدوا موتهم على الشاشات مثلما كان الفرنسيون أو البرتغاليون يشاهدون موت أهل جنوب لبنان على الشاشات بيسر وسهولة. وإذا تسنى لأهل جنوب لبنان أن يشاهدوا موتهم الخاص على الشاشات فذلك كان يتم من خلال الوسائط نفسها التي يعتمدها الفرنسي أو البرتغالي أو الأميركي، مما يجعل موتهم الخاص أقل خصوصية، بدليل أنهم أحياء. وهذا كان في وجه أول من وجوهه فصلا للموتى عن الأحياء، في لحظة الموت نفسها. من يشاهد السي. أن. أن. هو ناج ومن لا يستطيع مشاهدتها هو ميت أو مشروع قتيل.

هذا زمن تسيدت فيه محطات التلفزيون على أحلامنا حتى في الحروب والأزمات كانت المحطات الإخبارية الأشهر والأكفأ تستطيع أن تصنع لصور الموت والألم بعدا مختلفا عن مجرد الدفن. أصبح لصورة الموت ما بعدها، قصصا وآراءً ومواقف، وفي بعض الأحيان، مثلما حصل عقب تفجير برجي نيويورك، سياسات. كان القتلة في تلك الحادثة يريدون التثبت من أنّهم القتلة، وذهبت الإدارة الأميركية، مدفوعة بعدوى الانتقام، إلى الولوغ في صناعة الموت في آفغانستان وفي العراق وباكستان فيما بعد، إلى الحد الذي بات بديهيا معه أن يحتفل أهل واشنطن ونيويورك بنجاح فرقة كوماندوس أميركية في قتل أسامة بن لادن في سريره بباكستان، ويخرجون إلى الشوارع بعد منتصف الليل.

هذا وقد بقيت الصورة التلفزيونية متسيدة على المشهد العام حتى في خضم الثورات الكبرى التي حفلت بها المنطقة العربية، من تونس إلى مصر فاليمن والبحرين وليبيا.

إنما ومع اندلاع الثورة في سوريا، بدا أن شيئا ما كبيرا قد تغير أو هو في طريقه إلى التغير إلى الأبد. الثورة في سوريا لم تواجه نظاما استبداديا كالذي واجهه ثوار تونس ومصر من قبل. عزيز العظمة يصف النظام السوري بأنه نظام مملوكي. لمن لا يعرف معنى هذا الوصف يمكن إضافة التالي: النظام المملوكي، وليس نسبة إلى علي مملوك الذي وضعته واشنطن في رأس قائمة المعاقبين، هو نظام يرى الناس والأرض وما فوقها وما تحتها جزءا لا يتجزأ من أملاكه الحصرية، وهي ملكية لا تقبل الجدال والنقاش، وعلى نحو ما، لا يعبأ النظام المملوكي – السوري بحيوات الناس الذين يملكهم، فيستسهل معاقبتهم بالموت والتجويع والحصار لإخضاعهم. في درعا كانت المسألة أكثر من واضحة، تعاقب مدينة بقطع التيار الكهربائي عنها وتعطيشها وتجويعها حتى الموت أو الخضوع. هذا ضرب من أعمال القرون الوسطى العسكرية، ولا يمت للعصر الحديث بأي صلة. على أي حال مفهوم أن الرئيس بشار الأسد يحكم من أرشيف والده الرئيس حافظ الأسد الذي قصف مدينة حماة بالطائرات الحربية ونفذ مجزرة لا يدانيها في عنفها وخطورتها في التاريخ الحديث إلا مجزرة هيروشيما ربما. وأن يحكم الرئيس بشار الأسد من أرشيف والده لهو أمر يكاد يكون مفهوما، أما أن يكون هذا الأرشيف مغرقا في قدمه وعتقه وباليا إلى الحد الذي تكشفت عنه عبقريات ضباط الأمن السوري فهو أمر يجعل كل دعوات التعايش مع مثل هذا النظام إذا أصلح نفسه غير ذات موضوع وحيثية.

هذا في مآلات السياسة المباشرة. وعليه تبدو معادلة المنتفضين السوريين المغرقين في حداثتهم واتصالهم بالعصر منتصرة حكما ليس على بشار الأسد فحسب، بل على ضمير العالم المتضامن بحدود مع ثوار يموتون أمام الكاميرات.

منذ بداية الأزمة في سوريا كان المحللون السياسيون ينتظرون تظاهرة مليونية في دمشق أو حلب ليتسنى لهم أن يضبطوا ساعة توقيت انهيار النظام المملوكي الدموي. ذلك أن صور التظاهرات المليونية تكفي وحدها لتغيير منطق السياسات في العالم، إنها قرينة إثبات قاطعة على أنّ “الشعب يريد إسقاط النظام” فعلا. لكن الأسابيع الأولى مرت من دون تظاهرات مليونية. ثمة تظاهرات صغيرة تخرج من حيث لا يتوقع أحد في كافة القرى والمدن السورية. وثمة عنف منقطع النظير تمارسه السلطات الأمنية في مواجهتهم. الحصيلة متواضعة عدديا، لكن الثوار السوريين كانوا يعوضون التواضع العددي بجرأة لا مثيل لها ولم يسبق أن شاهدها العالم والأرجح أنه حتى اليوم ليس مستعدا لمشاهدتها. شبكات التلفزيون ووكالات الأنباء العالمية أحجمت عن عرض الدم واللحم الممزق الذي كان المتظاهرون السوريون يبذلون صوره من دون خوف في مواجهة النظام. والحجة هي نفسها دائما: ثمة مشاهد عنيفة لا يجدر بنا بثها على الهواء مباشرة للناس القابعين في بيوتهم في أرجاء العالم الواسع. مثل هذه الصور قد تترك آثارا سيئة على المشاهدين.

لكن صور سوريا ليست هي الصور نفسها التي تم الاعتراض عليها من قبل. هي ليست صور الزرقاوي، وليست صور المصورين الصحافيين الذين يصورون العنف الذي يتعرض له شعب جنوب السودان وهم في مأمن نسبي من آثاره. المصورون السوريون، لأول مرة في التاريخ الحديث، استطاعوا الجمع بين وظيفتين هائلتين: وظيفة الضحية والبطل في آن واحد. المصور السوري هو متظاهر، لكنه لا يصور الحشد بمقدار ما يصور موته الخاص. إنه ضرب من الانتحار أمام الكاميرات، ودوي هذا الانتحار لن يسلم منه أحد في العالم أجمع حتى لو أحجمت شبكات التلفزيون عن عرض صوره. المتظاهر في سوريا هو ضحية قمع عار وهو مؤرخ في الوقت نفسه. وأن يكتب المتظاهر التاريخ بدمه وجسمه وأعصابه، لهو أمر يجعل مهمة المؤرخين في المقبل من الأيام عسيرة جدا. هذا فضلا عن واقع أن الثورة السورية وضعت الإعلام برمته أمام امتحان عسير. يقول ريجيس دوبريه أن عالم (رجل) الإعلام كلب يقتفى الأثر، هذا التعريف الدقيق لا ينطبق على المصورين – المتظاهرين في سوريا. فالمتظاهر هناك لا يشبه الصحافي، الذي بدوره يشبه النسر القمام الذي تجذبه رائحة الدم من البعيد. المتظاهر في سوريا يحول أجهزة الأمن إلى نسور قمامة، حين يتظاهر تنجذب إلى مكان التظاهر وتعمل في الأجسام قتلا وإدماء. هذا في ما يخص امتحان الإعلام والسياسة التقليدية المتضامنة.

لكن الدم السوري يضع طرفا آخر أمام امتحان أصعب وأعمق دلالة. ويمكن الجزم من دون خوف أن المتظاهرين في سوريا هزموا بالضربة القاضية كل أنواع الحركات السياسية التي تتوخى العنف سبيلا لتحقيق أهدافها. أول المهزومين هو أسامة بن لادن وأبي مصعب الزرقاوي. الصور التي خرجت من سوريا لم يكن مصورها هو القاتل نفسه على ما كان الزرقاوي يصور قتله لضحاياه، ربما يكون الفيديو الذي انتشر في وسائل الإعلام والذي يصور رجال الأمن في قرية البيضا السورية وهم يدوسون ببساطيرهم على ظهور المعتقلين الممددين ووجوههم إلى الأرض فيما أيديهم مقيدة إلى ظهورهم أشبه صور الثورة السورية بصور الزرقاوي، لكن مثل تلك الصور ومقاطع الفيديو كانت الاستثناء ولم تكن القاعدة. لقد بث السوريون صور موتهم بالرصاص الحي، والمذبوح لا يلام على دمه، لكنه يضع المشاهد في زاوية حرجة، فمن يشاهد تلك الصور لم يعد يستطيع أن يخاف من وقوعه في موقع القاتل أو الذابح أو مطلق النار، ويتماهى مع الضحية المسكينة المغلوب على أمرها. الصور السورية تضع المشاهد أمام استحالة أن يكون سوريا، سواء كان السوري القاتل أو السوري الضحية. المشاهد لا يستطيع طبعا، وهذا معروف من قبل، أن يضع نفسه مكان مطلق النار تقصدا وعن سبق إصرار على وجه المتظاهر، لكنه هذه المرة لا يستطيع أن يتخيل نفسه، مكان المتظاهر الذي يخرج إلى التظاهرة ويصور موته الخاص. هذا كثير جدا على المشاهدين، لهذا ربما، لم تنتشر الصور السورية على نحو ما انتشرت صور الثورة المصرية. ولأنه كثير جدا على المشاهدين، يصعب على أي كان القول اليوم: كلنا سوريون، على غرار ما يقول البعض كلنا فلسطينيون أو كلنا مصريون، العالم من دون شك، بجمع أهله في أقطار الأرض كلها أدنى من أن يوازي السوريين قامة وشجاعة.

لهذا كله ليس أمر انتصار الثورة السورية حتميا فحسب. إذا هزم السوريون في هذه الثورة أمام نظام القمع المملوكي، لن ينج أي كان في العالم الواسع من الهزيمة نفسها. لأن العالم بات منذ لحظة اندلاع الثورة السورية ملزما أن يعلم حجر هذه الثورة بعلامة بيضاء.

كان الثوار التونسيون والمصريون وقبلهم الإيرانيون واللبنانيون يسعون جاهدين لتحويل الصورة (والكلمة) عن مساراتها المعروفة. لم يكن سعيهم نتاج نضوج نظري وفكري مدون. لكنه كان سعيا ملموسا، تفريقا له عن السعي المجرد، على ما فرق ألتوسير التحليل المجرد عن التحليل الملموس. هؤلاء الثوار كانوا يدركون أنهم إن لم يقبضوا على ناصية التأويل بأنفسهم، وإن لم يعلنوا بيانهم بأنفسهم مقتضبا ومن دون إضافات وتجميلات وتحسينات لن يستطيعوا أن يصنعوا مصيرهم ومصير بلادهم.

على أي حال فشلت ثورات وانتصرت ثورات. لكن الثورات التي فشلت ليست أقل إيحاء من تلك الثورات التي انتصرت أو ما زالت تملك الأمل في تحقيق النصر. النصر في الثورات ليس عبرة نظرية، من يستطيع اليوم أن يعلمنا إن كانت الثورة الفرنسية أو الروسية قد فشلت او نجحت؟ لكننا نعرف أنها ألهمت وغيرت، ليس في محيطها الأقرب فحسب بل على مستوى العالم كله. والحال، بدت رغبة هؤلاء الثوار في القبض على معاني ثورتهم حاسما في تحديد طبيعتها وأهميتها. لكن هؤلاء الثوار لم يواجهوا بآلة قمع قروسطية كالتي واجهت الثوار في ليبيا وسوريا. لليبيا شأن يختلف عن سوريا طبعا، ويتعلق أولا في مسارعة دول العالم إلى التخلي عن النظام الحاكم، مما جعل العبء النظري على الثوار أقل ثقلا مما واجهه الثوار السوريون وهم يواجهون نظاما لم يفقد كافة أوراقه مثلما كانت عليه حال النظام الليبي من قبل الثورة أصلا. السوريون أرادوا أن يثبتوا أن الرئيس الوادع والدمث ليس إصلاحيا مثلما وصفته هيلاري كلينتون، وأرادوا أن يثبتوا أن النظام العلماني ليس حاميا للأقليات مثلما يشيع أهل النظام، وأرادوا أن يثبتوا أيضا أن قسوة النظام وبوليسيته التي خبروها جيدا طوال خمسين عاما ونيف، هي الأشد والأعنف من كل ما سبق. وهو على أي حال نظام له سوابق ليس لقسوتها وعنفها مثيل في التاريخ الحديث.

خرجوا يصورون موتهم من اللحظة الأولى لخروجهم إلى الشوارع. كانوا يعرفون، وكان العالم لا يعرف، أنهم ما أن يقرروا الخروج إلى الشارع فسيقعون حتما في مصيدة الموت البعثي العمياء. ولأنهم حملوا كاميراتهم الخاصة لتصوير موتهم الخاص غيروا منطق الصورة التي نعرفها تغييرا عميقا وشاملا، والأرجح أن آثار هذا التغيير ستبقى زمنا طويلا تؤرق مضاجع الصحافة العالمية برمتها. لقد حولوا الصورة من تعليق على الحدث إلى حدث متكامل، في سوريا الصورة كانت حدثا، في مصر وتونس وإيران الكلمة كانت حدثا، لكن الكلمة كانت على الدوام حدثا، في لبنان لم ترق الصورة إلى مرتبة الحدث، بل على الأرجح، ولأسباب لا تحصى تحولت الأحداث نفسها إلى صور. كان اللبنانيون يقولون أنهم يواجهون آلة قمع هائلة، هي الآلة نفسها التي واجهها السوريون، لكن آلة القمع عطلت يومها في منتصف الطريق، فبات جل ما يفعله المتظاهر اللبناني لا يتعدى انتظار آلة القمع أمام الشاشات، إبداء الاستعداد لاحتمال قسوة القمع من دون ان يحصل أو أن يتعرض المتظاهرون اللبنانيون لقمع مستفيض.

في سوريا كنا أمام الوجه الآخر للمعادلة، شبان قليلو العدد، نسبة إلى متظاهري الثورات الأخرى، لكنهم جميعا يتعرضون للرصاص، ويموتون أمام كاميراتهم، التي تؤرخ موتهم المدوي والدامي. ولم تلبث السلطات السورية أن جعلت حيازة الكاميرات جرما وأن اعتقلت الناس بسبب تخزينهم صورا في هواتفهم الجوالة. الصورة التي أصبحت حدثا هي بضاعة سورية بحت، ولم يستطع أي كان في أي مكان من العالم أن ينتج مثيلها. والأمر في هذا المعنى يشبه انقلابا عميقا في مفهومنا للصور الحية وأعمال البث المباشر، لم يعد ثمة قدرة لوسائل الإعلام، التلفزيونات خصوصا، أن توازي في صورها صور الثوار السوريين أنفسهم، وربما كان من حسن حظها، أي وسائل الإعلام، أنها منعت من العمل في الأراضي السورية.

بتحويل الصورة إلى حدث قائم برأسه، استطاع الثوار السوريون أن يفرضوا على العالم معنى خاصا بهم. لقد نجحوا في القبض على ناصية تأويل الصور وجعلوا من صور موتهم ملكا لهم وسنةا لمطالبهم، والحال، لم يعد يحق لأي دولة أو شعب أو جماعة أن تقرر عنهم ما الآنسب لهم ، وإن كان رئيسهم الذي يريدون إسقاط نظامه إصلاحيا في نظر بعض صناع السياسة أو أن نظامهم قابل للإصلاح. الثوار السوريون يملكون الحق الحصري في تأويل صورهم لأن صورهم هي حدث موتهم، وعليه هم يملكون الحق الحصري في تقرير مستقبل بلدهم من دون شريك.

ترجمة: علاء دياب

عن موقع الأوان الالكتروني

http://www.alawan.org

http://www.bidayyat.org/ar/opinions_article.php?id=51#.UrIHpOKPSEY

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى