صفحات الرأي

انحطاط مغلّف بالبذاءة خصوصاً ضدّ المرأة و… حروب أهليّة مفتوحة/ حازم صاغية

 

 

لم تعد تعوزنا الحجج، اللبنانيّة كما العربيّة، على طبيعة الأخلاق والقيم التي ترشح بها أوضاعنا الراهنة، وعلى الكيفيّة التي تعمل هذه الأخلاق بموجبها، دافعةً بنا إلى انحطاط شامل تغلّفه البذاءة. وهذا العفن الذي تمطرنا به وسائط التواصل الاجتماعيّ ومنصّات الإعلام المرئيّ والمكتوب هو، في أغلب الظنّ، وثيق الصلة بتفتّت رابطة المواطَنة، في بلدنا وفي معظم البلدان العربيّة، وبالتراجع المريع في التزام المواطن بواجباته حيال مُواطنه وبالاحترام الذي يُفترض أن يقوم بينهما. فكأنّ واحدنا يعلن، بسلوك كهذا، عدم رغبته في العيش المشترك مع الآخر، استئنافاً منه لتمنّع جماعاتنا عن العيش معاً، وتقليداً لذاك التمنّع.

ويكفي كعيّنات غير حصريّة على استشراء الميل إلى النفي والإلغاء المطلقين، أنّ حاكماً كبشّار الأسد يقصف شعبه منذ سنوات بالبراميل والسلاح الكيماويّ، بينما تنهض السواتر والجدران والسدود، وآخرها بين تونس وليبيا، أو حول مدينة بغداد، في ما بين البلدان كما بين الجماعات الساعية كلّها إلى من يحميها من «البرابرة»، وكلّ آخرٍ بات بربريّ الآخر. وإذ ردّتنا معاملة «داعش» للأيزيديّين وأقلّيّات دينيّة وإثنيّة متعدّدة إلى عصر الرقّ، عرض علينا «جيش الإسلام» السوريّ سيّدات علويّات وهنّ في أقفاص. ومثلما يهان ملايين العرب بوصفهم أعاريب وعرباناً، تُستخدم تسميات، كفرس وصفويّين، بوصفها شتائم لا يتوخّى مطلقوها إلّا المسّ والتحقير. وفيما تضيع الحدود بين تحرير الأرض وغزو سكّانها الذين هم من أبناء الوطن نفسه، على ما تعلّم تجربة «الحشد الشعبيّ» العراقيّ، يهبّ علينا من دون انقطاع ذاك القضم الاستيطانيّ الإسرائيلي لأراضي الفلسطينيّين، فتبدو حكومة الدولة العبريّة عصابة توزّع الأسلاب على اللصوص بعد تشريعها عمليّات السطو واللصوصيّة.

والحال أنّه بتضافر العنصرين، تفكّك الأنسجة الوطنيّة وانحسار أخلاق المواطَنة، تتهدّم الروادع واللياقات التي لا بدّ منها في أيّ اجتماع إنسانيّ. وهو تردٍّ يضاعفه ذاك السلوكُ الناجم عن الإحباط بفشل الثورات العربيّة، وسينيكيّة الإحساس المعمّم بأنّ التغيير الوحيد الممكن في هذه الرقعة العربيّة هو التغيير نحو الأسوأ. فحين يفكّر في توريث نجله رئيسُ جمهوريّة كالباجي قائد السبسي، وصل إلى حيث وصل بفضل ثورة أطاحت رئيساً مستبدّاً وفاسداً كبن علي، لا يكون ذلك إلّا شهادة على التغيير حيث أمكن التغيير، أي على تواضع القدرة الذاتيّة والإنسانيّة النبيلة في مواجهة مدٍّ من الوحل جارف. وعندما تُمدّ السجّادة الحمراء في شوارع القاهرة لسيّارة عبد الفتّاح السيسي، بهدف «إسعاد الشعب المصريّ» الذي كان يقنعه «الريّس» بأهميّة تقليص الدعم الحكوميّ، فهذا ما يجعل الواقع نفسه غير مرئيّ إلّا بوصفه تجاوراً بين خرافات تنقلب معها المعاني والدلالات إلى ما يضادّها كلّيّاً. هكذا، مثلاً لا حصراً، يدعو السيّد مرتضى منصور، وهو رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان المصريّ، أفراد الشرطة المصريّة إلى اغتصاب الشبّان الذين وزّعوا فيديو يسخر من الشرطة.

وفي هذا كلّه، يترافق الإحساس الشامل بالعجز مع استعراض معمّم للعنف بوصفه نقيض القوّة الواثقة، وفي البيئات التي يُحال فيها دون العنف الماديّ المباشر، يحلّ محلّه العنف اللفظيّ والتحقيريّ المهين. وهذا الأخير نوع من التعبير عن شرّ سطحيّ، لا يملك من العمق ما يجعله شرّاً راديكاليّاً، إلّا أنّه يملك التطرّف في نفي الغير بما يجعله مؤذياً جدّاً ومهدِّداً بالعدوى والانتشار. وبطبيعة الحال، وكما علّمتنا موجة التشهير الشهيرة التي انطلقت في لبنان بعد 2005، في موازاة عمليّات الاغتيال الماديّ المتقطّعة، فإنّ العنفين قابلان دائماً للتجاور والتكامل، خصوصاً أنّ كلّاً منهما يملك شهيّة بطنيّة لا تعرف الإشباع.

وفي سياق كهذا، يُلاحَظ أنّ المرأة تبقى الضحيّة الأولى والأبرز لهذين الانحطاط والبذاءة. فالأخيرة بذاتها هي، في مجتمع ذكوريّ، فعل ذكوريّ حتّى لو خرجت من فم امرأة «مولعة بتقليد الغالب» الذكَر. أمّا الانحطاط، بما فيه من تعطّل الضمانات التي توفّرها المواطَنة، وانهيار دولتها، وما يمليه ذلك من التزامات أخلاقيّة وأشكال من السلوك اللائق، فيستهدف النساء بوصفهنّ، في المجتمعات الذكوريّة، الكائنات الأضعف.

وقبل أيّام، وفيما كان الوزير السابق وئام وهّاب يعيّر سياسيّة لا يوافقها الرأي بالقبح ورائحة الفم، رصدت السيّدة حياة مرشاد، في مقال لها نشرته «الأخبار» اللبنانيّة، بعض «مداخلات» السياسيّين اللبنانيّين في هذا المضمار، كـ «إهانة الوزير جبران باسيل للقنصلة كارولين زيادة في نيويورك وتحويلها إلى سلعة جنسيّة وأداة لإغراء نظيره الإماراتيّ، وتصريح الوزير أشرف ريفي بأنّه «لا نستطيع ارتداء تنانير، وسندافع عن شرف مدينة طرابلس»، والإيحاءات الجنسيّة التي أطلقها يوماً الوزير نهاد المشنوق عند حديثه عن الصحافيّات، والموقف العدوانيّ للجنرال ميشال عون من صحافيّة استفزّت ذكوريّته عند إحراجه بأسئلتها، من دون أن ننسى طبعاً النظرة الذكوريّة من قبل مجموعة من السياسيّين للنساء البرلمانيّات عبر مخاطبتهنّ انطلاقاً من شكلهنّ الخارجيّ، أو عبر معايرتهنّ بدورهنّ الإنجابيّ وانشغالهنّ عن العمل التشريعيّ بالزواج وإنجاب الأطفال».

وقد طالعتنا «القدس العربيّ» بنبذة عن النشاط الأمنيّ لحركة «حماس» في غزّة، إذ تكافح اهتمام إسرائيل المفترض بـ «ثرثرة النساء» كمصدر معلومات عن المقاومة.

ولا تتردّد قناة «سي بي سي» التلفزيونيّة المصريّة في بثّ برنامج يتيح لأحدهم أن يعلن «أنّ نساء الصعيد والدلتا يخنّ أزواجهنّ بنسبة قد تصل إلى 45 في المئة». وبالطبع استند المتحدّث العارف إلى «إحصائيّة» نشرها على صفحته الفايسبوكيّة تحت عنوان «يوميّات زوج مطحون».

ولا يحمي المرأة أن تكون عضواً في البرلمان: هكذا مثلاً يُعتدى بالضرب على نائبين أردنيّتين على أبواب المجلس، فيما تتّهم النائبان وزير الداخليّة شخصيّاً بإصدار التعليمات بذلك.

وقد كتبت «الحياة»، من الرياض، ما يلي وكأنّها تصف مطاردة لهنديّ أحمر تمّ استفراده في زمن الزحف غرباً بحثاً عن الذهب:

«ضجّت الأوساط الاجتماعيّة في السعوديّة أمس بعراك مثير بين ثلاثة أطراف، هم أعضاء في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشابّ، وفتاة، في مشهد أثار الجدل والغضب، وسط تعهّد «الهيئة» بالتقصّي والتحقيق في القضيّة.

ووثّق التسجيل المصوّر الذي لم يتجاوز الدقيقة الواحدة، حضوراً مكثّفاً لعدد من عناصر الهيئة ومجموعة من المتجمهرين حول فتاة قُبض عليها أمام مجمّع النخيل مول (شرق الرياض)، تتعرّض للضرب من جانب العنصر الممسك بها، وهي ملقاة على الأرض تصرخ، وسط دعوات من المتجمهرين بالكفّ عن ضربها وإطلاق سراحها».

ولئن تُرك فكّ اللغز لـ «شاهد عيان»، فقد رأى الأخير أنّ «الحادثة بدأت عندما خرجت فتاتان من مجمّع تجاريّ لإيقاف سيارة أجرة، فلاحظت دوريّةُ الهيئة أنّ شباباً يحومون حولهما، فدار نقاش بين الدوريّة والفتاتين، على أثرها هربت إحداهما، وبقيت واحدة في قبضة الهيئة تمهيداً لاعتقالها، بعد أن عجزت عن الهرب. إلّا أن المثير للاستغراب أن أحد الشباب الذين كانوا يتحدّثون مع الفتاتين، أسهم مع عناصر جهاز الدوريّة في تعنيف الفتاة، ربّما لأنّه كان حانقاً عليها، لأسباب مجهولة».

وغنيّ عن القول إنّ ما من فكرة مشتركة وجامعة بين أنماط الفكر السياسيّ العربيّ (الإسلاميّ، القوميّ، اليساريّ، اليمينيّ…) كفكرة «الرجولة» التي تتفرّع بطولة ونضالاً وجهاداً واستشهاداً، فيما يُشعرها قصور ذات اليد في زمننا الراهن بمزيد من الاحتقان والتوتّر الدافعين إلى مزيد من التقديس.

وإذا كانت هذه حال النساء، وما ذُكر أعلاه عيّنات قليلة متفرّقة، بقي لنا أنّ نتخيّل المعاناة التي تستولي على حياة من هم أضعف منهنّ، كالمثليّين والمتحوّلين جنسيّاً الذين توالي الرجولة الراسخة، بأبطالها وشهدائها المتكاثرين، طردهم من هذا العالم.

وما من شكّ في أنّ وسائط التواصل الاجتماعيّ أعطت لهذين البذاءة والانحطاط صوتاً أعلى، غير أنّ التفتّت الراهن يجد أصولاً ومصادر كثيرة له تمتدّ من رسابات اللغة التي طويلاً ما اعتمدتها الأنظمة والأحزاب شبه التوتاليتاريّة (تصفية العميل، قتل الخائن، اجتثاث المؤامرة…) إلى المشايخ التلفزيونيّين الذين استخدموا المقدّس والتراثيّ، على طريقتهم، لتبرير الإمعان في تجزئة المجتمعات، بعد امتهان العقول، وهذا فضلاً عن الثقة التي تتيحها للمرتكب كلّ إحالة إلى الغيب، ممّا تشارك فيه السلطات السياسيّة أو تضعف وتجبن حيال «شرعيّته».

وفي هذين النفي والإلغاء المطلقين لآخرَ ما اشتهاءٌ لا يخفى لتنفيذ أعمال إباديّة لا تتحقّق دائماً، تشبّهاً بالمثال النازيّ أو تنفيذاً لوصيّة لينين منذ 1918 حول «ضرورة تنظيف الأرض الروسيّة من الحشرات الضارّة جميعها».

وقصارى القول إنّ ما نعيشه اليوم من تحلّل أخلاقيّ وقيميّ هو الموجة الأخيرة (؟) لنكوص ظافر عمّا بدأته المنطقة قبل قرن ونصف قرن، من تعرّض للحرّيّة وتماسَّ مع الحداثة والمواطنة وحقوق النساء. وهذا لا يفتح، في آخر المطاف، إلّا على حرب أهليّة مطلقة ودائمة نحن إمّا خائضوها أو المتأهّبون دوماً لخوضها.

* كاتب ومعلّق لبنانيّ

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى