مراجعات كتب

بول أوستر في كتابه “تقرير من الداخل”: رجل أمضى أفضل أوقات عمره جالساً وحيداً

 

ترجمة وإعداد فوزي محيدلي

فيما يؤكد هارولد بلووم أن وليم شكسبير اخترع البعد الإنساني، يؤمن بول أوستر من جهته بأنه فعل الشيء نفسه بالنسبة للعزلة. كتابه المنشور الأول «إختراع العزلة» (1982) بمثابة مذكرات عن والده، صموئيل بيكيت، الذي توفى بشكل غير متوقع. فضلاً عن أن الكتاب هو في الوقت ذاته تأمل شخصي في طبيعة الذاكرة والخسارة.

شكلت كتبه التالية، بما فيها 16 رواية أسست شهرة اوستر (المشهور في فرنسا ربما أكثر من الولايات المتحدة)، على أنه سيد الرواية الحديثة، وأفضل من تعامل مع الشعور بالعزلة ووعيها. في كتابه الأخير، «تقرير من الداخل»، كتابه التاسع غير الروائي، ينظر ابن السادسة والستين إلى داخله «رجل أمضى أفضل أوقات حياته جالساً وحيداً داخل غرفة».

استناداً إلى مقالة لهيكو جاكابزيك من جامعة هيديلبرغ، ثمة تأثيران مركزيان في كتابة بول أوستر، هما التحليل النفسي لجاك لاكان وتيار التجاوزية الأميركية لبواكير كتّاب منتصف القرن التاسع عشر، الممثل بكل من هنري ديفيد تورو ورالف والدو إيمرسون.

تقول نظرية لاكان أننا ندخل العالم عبر الكلمات. نلاحظ العالم ونراقبه عبر حواسنا، لكن العالم الذي نستشعر إنما يشيّد (بمعنى يتأمل) داخل ذهننا عبر اللغة. وهكذا فإن لا وعينا مشيد كذلك بدوره كلغة. هذا يجعلنا في حالة إرباك. ليس بمقدورنا إدراك العالم إلا عبر اللغة، لكن ينتابنا، والحال هذه، إحساس بوجود شيء مفقود. هذا هو الإحساس بوجودنا خارج اللغة. لا يمكن تشييد أو تركيب العالم إلا عبر اللغة، لكنها دائماً ما تترك شيئاً مستوراً، غير مكتشف، شيء لا يمكن إخباره أو التفكير فيه، بل جل ما في الأمر يمكن الإحساس به. هذا بشكل ما أحد المواضيع الرئيسية لكتابة بول أوستر.

يعتبر البعض لاكان واحداً من الشخصيات الأساسية في تيار ما بعد الحداثة الفرنسية. لكن بعض الدارسين الأكاديميين يتتبعون تأثيرات فلاسفة ما بعد نيويين عبر كتابة أوستر بالتحديد جاك دريدا، جان بودريلار وميشال دي سيرتو، رغم ما نقل عن أوستر أنه يجد أن فلسفة كل من هؤلاء لا يمكن قراءتها.

يؤمن التجاوزيون بأن النظام الرمزي للحضارة فصلنا عن النظام الطبيعي للعالم. ومن خلال التحرك ثانية باتجاه الطبيعة كما فعل تورو في مؤلفه «والدن» يصبح من الممكن العودة إلى هذا النظام الطبيعي.

القاسم المشترك للفكرتين هو سؤال معنى الرموز بالنسبة للمخلوقات البشرية. أبطال أوستر غالباً ما يكونون كتّاباً يقيمون النظام داخل حياتهم عبر الكتابة ويحاولون إيجاد مكانهم داخل العالم الطبيعي، من أجل تمكنهم من العيش داخل «الحضارة» ثانية.

من جهتهم، كان لكل من إدغار ألان بو، صموئيل بيكيت وهيرمان ميلفيل تأثير قوي على كتابة أوستر. وشخصيات هؤلاء السردية ليس فقط هي ما يظهر في كتابه أوستر (وليم ويلسون في «مدينة من زجاج» أو ذلك شخصية فانسهو في «الغرفة المقفلة» لهوثورن، تظهران في «ثلاثية نيويورك» لأوستر) بل أن كاتبنا يستخدم تنويعات على مواضيع هؤلاء الكتاب أيضاً.

حياته وأعماله

ولد أوستر في نوارك، نيوجرسي، لوالدين من الطبقة الوسطى من أصل بولندي، بعد تخرجه من جامعة كولومبيا عام 1970، سافر إلى باريس حيث عاش من ترجمة الأدب الفرنسي إلى الإنكليزية، بعد عودته إلى الولايات المتحدة، راح ينشر قصائد، مقالات وروايات من تأليفه، كما ترجماته لأعمال كتاب فرنسيين من مثل ستيفن مالارميه وجوزف جوبيه.

عام 1981 تزوج بشريكة حياته الثانية، الكاتبة سيري هاستفيدت، وهما يعيشان في بروكلين ولهما ابنة هي صوفي. أما زواجه الأول فكان من الكاتبة ليديا دينيز ورزق منها بإبن هو دانيال.

نقل عن أوستر عام 2012 قوله، في مقابلة، أنه لن يقوم بزيارة تركيا كاحتجاج على معاملة السلطات للصحافيين. وقد رد رئيس الوزراء التركي عليه «وكأننا بحاجة إليك! من يكترث سواء حضرت أم لا؟».

منذ عام 2010 يعكف أوستر على كتابة رواية جديدة، لكن نقل عنه أنه في السنوات الأخيرة وجد أن الأمر غدا أصعب فأصعب في الإتيان بأفكار: «إعتدت وجود مَعين لا ينضب لديّ من القصص، لكن منذ سنوات قليلة وجدت أدراج مكتبي خاوية. أعتقد أني أقترب من النقطة التي أصارح فيها نفسي قائلاً: إذا لم أستطع إعطاء كتاب آخر فالأمر ليس بالمأساة. هل يقدم أو يتأخر إذا نشرت 16 و17 رواية؟ إذا لم يكن ثمة ما هو ملحّ بالتحديد، لا معنى للكتابة».

بعد عمله الأول الناجح بعنوان «اختراع العزلة»، أحرز أوستر شهرة بعد سلسلة من الروايات البوليسية الثلاث التي نُشرت تحت عنوان «ثلاثية نيويورك». والملفت أن هذه الملفات أو الكتب ليست قصصاً بوليسية بالمعنى التقليدي، لجهة انتظامها حول لغز وعدد من المفاتيح. إنه يستعمل في المقابل الشكل البوليسي لمقاربة مسائل وأسئلة وجودية تتعلق بالهوية، الحيز، اللغة والأدب، مولداً خلال العملية شكله الكتابي الخاص الما بعد حداثوي (والناقد لما بعد الحداثوي). وفي مقارنة لعملية، «اختراع العزلة» و»الثلاثية»، قال أوستر: «أعتقد أن العالم مليء بالأحداث الغريبة. الواقع أكثر غرابة بما لا يقاس مما نعتقد. ضمن هذا السياق تنبثق بل تولد «الثلاثية» مباشرة من رحم «اختراع العزلة».

شكل البحث عن الهوية والمعنى الشخصي عاملاً مخترقاً لإصدارات أوستر اللاحقة التي ركز العديد منها بشكل واضح على دور الصدفة والأحداث العشوائية («موسيقى الصدفة») أو بشكل متزايد على العلاقات بين الأشخاص وأقرانهم وبيئاتهم («كتاب الأوهام»، «قصر القمر»). غالباً ما يجد أبطال أوستر أنفسهم مرغمين على العمل ضمن مشاريع أو مخططات غامضة أكبر من الحياة لأحد الأشخاص. في عام 1995 كتب أوستر وشارك في إخراج فيلمين، «الدخان» الذي حاز جائزة الروح المستقلة لأول عمل سيناريو، وعن الفيلم الآخر «زرقة في الوجه». من بين أعمال أوستر الأخيرة نسبياً «ليلة الوحي» (2003)، «حماقات بروكلين» (2005) والرواية القصيرة «ترحال في عوالم غرفة الكتابة» والتي لاقت جميعها نقداً مرحباً.

«تقرير من الداخل»

يستفيد العديد من روايات أوستر من عناصر حياته طفولته في نيوجرسي، التحاقه بجامعة كولومبيا خلال اضطرابات ستينات القرن الماضي، ذهابه إلى باريس، سنواته اليافعة في بروكلين. «تقرير من الداخل» لا تشكل العمل الأول الذي حفر فيه فيما يشبه السيرة الذاتية التقليدية بل يقال إنه وجه إليها طعنة. «عيشة الكفاف» (1977) تحكي جهود اوستر اليائسة لإعالة نفسه من الكتابة قبل انطلاقته الناجحة عام 1985 بكتابه «مدينة الزجاج»، الذي شكّل مؤلفه الأول ضمن «ثلاثية نيويورك».

في «يوميات شتوية» (2012) يتمعن أوستر في الاعتلالات الجسدية، الارتباطات، مختلف أماكن السكن، الأطعمة، وحالات الموت التي صاغت شخصيته. عبر هذا العمل المنتمي إلى السيرة الذاتية وعبر «تقرير من الداخل» يسرد الكاتب مستعملاً صيغة المخاطب. في بداية «تقرير من الداخل» يميز أوستر بين مشروعي السيرة الذاتية هذين شارحاً أنه فيما شكل العمل الأول محاولة «للكتابة عن جسدك»، مصنفاً الضربات العديدة والمسرات المختلفة «التي خبرها جسدك»، فإن «هدف الكتاب الحالي («تقرير من الداخل») العمل «على استكشاف طيات ذهنك كما تتذكرها منذ الطفولة«.

مهما يكن فإن التمييز بين الجسد والعقل أو الذهن، بين الخارج والداخل، أشبه بالطفيف. تحطم السيارة الذي يصفه في «يوميات شتوية» يصيبه برعب يجعله يتجنب قيادة السيارة ثانية، والانهيار العصبي الوارد في «تقرير من الداخل» له علاقة بالبقاء على قيد الحياة مفلساً وجائعاً. وليورد أوستر في دفتر مذكرات له فكرة حازقة تقول: «العالم داخل رأسي. جسدي داخل العالم».

لا بد من إشارة تبرر استخدام أوستر لصيغة الشخص الثاني في هذا الكتاب: «ليس لأنك تجد نفسك نادراً أو شخصاً استثنائياً بل بالتحديد لأنك لا تجد نفسك كذلك. لأنك تعتقد أنك كأي شخص، مثل كل امرئ».

يغطي كتابه الجديد العقدين الأولين من تنوع شتات حياة هذا المتذكر مقسماً إياه ضمنياً إلى ثلاثة أجزاء. في الجزء الأول يعرض لسنوات ما قبل المراهقة حيث الإحساسات والانطباعات المبكرة ومحاولة كتابة أول قصيدة. تبسط الصفحات الأولى نظرة صبي إلى عالم حيث بمقدور «المقص أن يمشي فيما أجهزة التلفون وأباريق الشاي هي ابناء عم، أما العينان والنظارات فهي أشقاء». النجوم والطيور بالنسبة للصبي الصغير مثابة أحاجي وألغاز وهو يرى نفسه «حبة فاصولياء بشرية» ثمة ذكر خافت للحرب الكورية وللمكارثية، لكن أوستر يترعرع نامياً على صور الكارتون، وأفلام الكاوبوي، وآيات النصر الأميركي.

القسم الثاني أو منتصف الكتاب مخصص للسينما، بل الأقلام التي ما فتأت تسحر فؤاد أوستر المعروف عنه كتابة العديد من السيناريوات. يسهب أوستر في «تقرير من الداخل» في الكلام عن فيلمين تركا انطباعاً قوياً على الصبي. في عمر العاشرة حدث عنده تغير بفعل «الرجل العجيب المتقلص» الأشبه بدراما كافكاوية عن تغير جسدي غير منتظر. وفيلم «أنا هارب من عصابة متسلسلة» جعل ابن الرابعة عشر يدرك بما لا يدع مجالاً للشك أن ثمة وجوداً للظلم واللاعدالة الاجتماعية.

إذن ينتهك أوستر قراره بعدم ذهاب مذكراته أبعد من عمر الثانية عشرة «لأنه بعد الثانية عشرة لن تكون طفلاً بعد الآن… وتكون قد تحولت إلى مخلوق مختلف عن الشخص الصغير الذي كانت حياته الانغماس في الجديد، والذي يأتي كل يوم بشيء للمرة الاولى…».

أما القسم الأخير من «تقرير من الداخل» الذي يدعوه «كبسولة الزمن» فيتناول غزله الرسائلي (عبر الرسائل) لليديا ديفيز، الروائية التي ستصبح زوجته، مقتطفاً بحرية من الرسائل التي كتبها لها. يرى في الرسائل المنطوية على قدر من الثرثرة أنها «الباب الوحيد الذي وجدت أنه يفتح مباشرة على ماضيك». ويقول البعض إن إعادة طبع أوستر لتلك الرسائل الفضفاضة الكلام يتعارض مع ما صاره من روائي إيجازي أو مقصد التعبير.

مقابلة صحافية

في مقهى في بروكلين أجرت غابي وود الصيف الماضي مقابلة مع أوستر حول كتابيّ سيرته «يوميات شتوية» و»تقرير من الداخل»، وكأنه قد أنهى للتو العمل الثاني. وصيغت المقابلة على شكل المقالة.

«استيقظت ذات يوم ورحت أفكر: أريد كتابة كتاب حول تاريخ جسدي»، قال لي أوستر. عنى لي ذلك أنه قد يكتب ضمن إضاءة واضحة عن جراحه وندوبه وعن كامل المنازل التي عاش فيها، لكنه قصد أيضاً «سمح لي ذلك بتبرير التحدث عن والدتي لأنه داخل جسدها، بدأ جسدي». انبثق الكتاب الثاني كتوأم للأول، منقباً في تطور ذهنه. «إذا ما وُضعا مع بعضهما لربما تكوّنت صورة أكبر».

كان أوستر قد كتب متذكراً حقباً أخرى من حياته، جنباً إلى جنب مع رواياته الشاهدة على العصر، مسجلاً «سرداً تاريخياً لإخفاقاته السابقة، فضلاً عن رسم صورة سكنت وجدانه خاصة بوالده الراحل.

يكرس هذه المرة مقطعاً مخصصاً كلياً للصور الفوتوغرافية، ويحتل مقطعاً آخر حكي غير قصير عن أفلام عشقها كصبي صغير وكلا المقطعين مؤثران جداً من حيث انعاش أو احياء ما شغل باله، سواء واقعياً أو ما يشبه البصيص المتخيل.

لا شك في أن تأثير القسمة بين الجسد والذهن مثير للاهتمام ـ نسمع في «يوميات شتوية» زج الشرطة لأوستر داخل عربة احتجاز بعد مشاركته في التظاهرات الطالبية في جامعة كولومبيا عام 1978. فعلم ان أحد رجال الشرطة داس على اصابعه وأن صحيفة «دايلي نيوز» نشرت صورة له مع تعليق «الصبي العنيد». لكن في «تقرير من الداخل» نعلم ان ما قاده ليكون جزءاً من الحركة هو المناخ داخل الجامعة، وغمامة حرب فيتنام والتجنيد. وينقل اوستر عن استاذ في جامعة كولومبيا هو ف. دبليو دابي قوله: «كانت الجامعة متجهمة طوال العام الدراسي.. لم أكن لأفاجأ لو أن السنة انتهت بوباء من الانهيارات العصبية».

ثمة جهد بذله اوستر لتذكر شبابه، كما قال، لأنه كان يعتقد «ان ذاك الماضي ليس فيه شيء يذكر. و»بالنسبة الى شخص ولد في منتصف القرن العشرين»، نرى ان عليه اتقان مخاطبته لذاته السابقة، «في مرحلة الكاميرا غير المكلفة، ايام ازدهار ما بعد الحرب حين كانت كل عائلة اميركية من الطبقة الوسطى محكومة بحمى الخصوصية، بشكل باتت حياتك اقل توثيقاً من اي شيء آخر تعرفه.

متذكراً ذلك، تسربت حشرجة الى صوته «ثقوب في الذاكرة» ثم اعقب ذلك بقهقهة، «تتمسك ببعض الذكريات، فيما تختفي اخرى كلياً».

لكن رغم ذلك، عادت بعض الآثار، اثار الذاكرة، بالظهور لعل الرابط الأكثر جذباً بين كتابي المذكرات هو الخيط الذي يمر عبر زوجة اوستر الأولى، الكاتبة والمترجمة ليديا ديفيز.

يصف علاقتهما في كتاب المذكرات الأولى «يوميات شتوية» بقدر من الحذر لكن بجمالية ظاهرة. كان على كل واحد منهما ان يفكر ان نفاذ فكرة الزواج لدى كل منهما «مثابة حماقة داهمة. التفكير بأن الاقدام عليه كان على اقل تعديل مجازفة هائلة، مغامرة فيما خص صداقتكما الوازنة وطموحاتكما المشتركة. كان حري بكما ككاتبين جعل الزواج امراً مختلفاً عما خبرتما سوياً، لكنكما خسرتا الرهان… والحقيقة المرة كانت عدم حيازتكما الفرصة».

…. بعد شهرين من الانشغال بالكتاب الثاني، اتصلت ديفيز هاتفياً بأوستر معلنة انها تنوي اعطاء أوراقها الى مكتبة أبحاث. اخبر اوستر غابي وود، التي تجري المقابلة معه مندهشاً قليلاً. اتصلت بي لتخبرني انها انقذت كل الرسائل التي كتبتها لها. خمسماية صفحة. بداية من التاسعة عشر، يتابع اوستر بعد ان يعطي الخبر مجاله من التأمل الموجع قليلاً: «ارادت مني توقيعي لإعطاء رسائلي الى المكتبة لأنني كما المعلوم، امتلك الكلمات، وهي تحوز الرسائل». قامت ديفيز بإرسال نسخة عن الرسائل اليه، فشعر اوستر بعد قراءتها انها كرسائل تخص شخصاً غريباً بل شعر بالتحديد انه «يقابل شخصاً غريباً».

هل بالإمكان القول انه اعطاها الإذن مكرهاً؟ يهز اوستر رأسه كجواب، «كان لا شك ثمة اشياء غبية قلتها في الرسائل، لكن لا شيء فيها يهينني». هذا وشكلت اجزاء من هذه التقارير الفصل الثالث من كتاب «تقارير من الداخل».

في الرسائل التي ارسلها الى ليديا، ليس ثمة من وضع قناع يخفي الفتى الذي كانه، وكما كان يحاول ان يكون. اوستر ابن التاسعة عشرة والعشرين لا يصل الينا مغربلاً عبر مصفاة ذاكرة ابن الخامسة والستين، لكن صريحاً، مع بعض شذرات الذكريات التوضيحية القليلة. وهو في كل هذا يحافظ قدر الامكان على المعقولية سواء انطوى كلامه على قليل من المكر («اعذري تأخري») او كان واضح السخرية («وما الذي فكر فيه بول؟ أبمقدار حبه لليديا؟») او على التسلي بالهجاء حاذفاً الحقيقة للفتيات مثلاً من مسرحية خفيفة في «تايمز سكوير»: «ليلي الملتهبة»، «كيمونو طوكيو»، «نداوة العنبر»، أو كان نكد المزاج او كئيباً بوضوح («لم اشعر قبلاً انه لا حاجة واضحة الي، أو انني غير مرغوب فيّ). ثمة مقطع مرح حول نص سيناريو لفيلم كان يعمل عليه يؤكد فيه لحبيبته: «أخبرت ان سلفادور دالي متشوق ليلعب احد الأدوار في الفيلم».

في أجزاء أخرى من الكتابين، تكتسي نغمة التحدث أو المخاطبة بصيغة الشخص الثاني تأثيراً رقيقاً أو حتى ابوياً. مع دخول اوستر ما يسميه شتاء حياته، يخطر في البال ما قاله له صديق ذات يوم حول الشيخوخة: «يا له من أمر غريب الحدوث لصبي صغير«. لكن فيما خلا ذلك، تولد صيغة الشخص الثاني نوعاً من الحميمية، كما يأمل اوستر، «لأن القارئ هو ايضا الأنت» فكر في ذلك ثم اضاف. «ما أسرده ليس عني واقعياً. انه عن كل شخص. ما انا سوى اظهار لتبديل ممكن لكل الاشياء التي يمكن ان تحدث للناس».

مقتطف من «تقرير من الداخل»

في البداية كل شيء كان ينبض بالحياة. اصغر الأشياء تزودت بقلوب خافقة، وحتى الغيمات كان لها اسماء. بمقدور المقصات المشي، أجهزة الهاتف واباريق الشاي أولاد عم، فيما العيون والنظارات اخوة. شكلت ساعة الحائط وجه انسان، كل حبة بازلاء في طاستك كان لها شخصية مختلفة عن الأخرى، وشعرية مقدمة سيارة والديك شكلت وجهاً مكشراً بأسنان كثيرة. الاقلام بدورها سفن فضائية، وقطع النقود المعدنية صحون طائرة. أغصان الاشجار شكلت أذرعاً. كان بمقدور الحجارة التكلم، والله موجود في كل مكان.

لم يكن من مشكلة في تصديق ان الرجل الذي على صفحة القمر كان رجلاً حقيقياً. بمقدورك رؤية وجهه ينظر اليك من بين جنيات سماء الليل، ومن دون سؤال كان وجه رجل. لم يكن مهماً كثيراً انه لم يكن لهذا الرجل جسد ـ ظل يمثل رجالاً طالما اثار اهتمامك، وامكانية وجود تناقض في كل هذا لم يخطر مرة ببالك. في الوقت نفسه، بدا معقولاً حتى امكانية قفز بقرة فوق القمر. وكذلك هروب صحن بمعية ملعقة.

افكارك البواكير شكلت بقايا تذكر كيفية عيشك داخل نفسك كولد صغير. لا يمكنك تذكرها جميعها بل بعضها، شقفاً وكسرات، ومضات وجيزة من تذكرات تندفع بجيشين غير متوقع يقدح زناده رائحة شيء ما، او لمس آخر، أو طريقة سقوط النور على شيء ما من متواترات سن البلوغ… على الأقل، تعتقد ان بمقدورك التذكر، لكنك ربما انت لا تتذكر شيئاً ابداً، او لعلك تتذكر مجرد ذكرى لاحقة لما تعتقد انك فكرت فيه في ذلك الزمن البعيد الذي فقد كلياً الآن عندك.

في الثالث من كانون الثاني من عام 2012 يكون قد مر عام كامل على اليوم الذي بدأت فيه تأليف كتابك، المكتمل الآن، «يوميات شتوية». لا شك في ان الكتابة عن جسدك، تضيف الضربات المتعددة والمسرات المختلفة التي خبرتها ذاتك الجسدية وهي تشكل امراً بعينه، لكن استكشافك طيات ذهنك كما تتذكرها من الطفولة سيشكل من دون شك امرا آخر لكن اكثر صعوبة ـ ربما ايضا عملاً مستحيلاً. رغم ذلك تجد نفسك مجبراً على المحاولة. وذلك ليس لاعتبارك نفسك موضوعاً نادراً للدراسة، بل لعدم اعتبارك ذلك، لتفكيرك في نفسك كأي شخص آخر، مثل كل شخص.

الدليل الأوحد الذي بحوزتك الدال على ان ذكرياتك غير خادعة او مضللة هو وقوعك بين الفينة والأخرى في نمط طريق تفكيرك القديمة. نتف ذكريات صمدت حتى ستينات عمرك، ذكريات طفولتك المبكرة لم تنظف من بالك، وكل صيف مع تمددك على ظهرك فوق العشب، تنشغل بالتطلع بالسحب المنجرفة وتراقبها وهي تتحول وجوهاً، تتحول عصافير وحيوانات بل الى ولايات وبلدان وممالك خيالية. لا تنفك شعرية مقدم السيارات عن حضك على التفكير بالأسنان، اما نازعة السدادات الفلينية لا تبارح كونها راقصة باليه. رغم تبدل مظهرك الخارجي، لم تزل الشخص الذي كنته، حتى ولو لم تعد الشخص ذاته.

لدى تفكيرك الى اي مدى ستذهب في هذه المذكرات، قررت عدم عبور حدود عمرك في الثانية عشرة، لأنه بعد عمر الثانية عشرة لا تعود طفلاً، عمر المراهقة كان يلوح، وميض سن البلوغ كان قد بدأ الخفقان في ذهنك، وكنت تغيرت الى مخلوق مختلف عن الولد الصغير الذي كانت حياته غوصاً مستمراً في الجديد الذي كان كل يوم يأتي بشيء جديد للمرة الأولى، او حتى يفعل اشياء كثيرة، ولا شك في انه ذاك التقدم البطيء من الجهل الى امر اقل من الجهل هو ما يثير اهتمامك الآن. لن تكون، ايها الرجل الصغير؟ كيف اصبحت شخصا يستطيع التفكير، واذا كان بمقدورك التفكير، الى اين تأخذك افكارك؟ انبش القصص القديمة، أخدش بأظافرك الجوار بحثاً عن اي شيء تجده، من ثم احمل الكسرات باتجاه النور لإلقاء نظرة عليها. افعل ذلك. حاول فعل ذلك.

كان العالم بالطبع مسطحاً. حين كان أحدهم يحاول الشرح لك ان الارض كانت جسماً كروياً، كوكباً يدور حول الشمس بمعية ثمانية كواكب أخرى في ما يسمى النظام الشمسي، لم يكن بمقدورك استيعاب ما كان يقوله ذاك الأكبر سناً منك. لو افترضنا ان الارض مستديرة، عندها كل شخص دون خط الاستواء سيسقط، لأنه لا يمكن تصور ان يعيش شخص ما حياته منقلباً على رأسه، حاول ذاك الشخص الأكبر منك ان يشرح لك مفهوم الجاذبية، لكن ذلك كان يتجاوز فهمك كذلك. تخيلت ملايين الناس يغوصون خبط عشواء داخل ظلام ليلة التهامية مترامية بل غير محدودة. لو افترضنا الارض حقاً مستديرة، قلت لنفسك، عندها المكان الوحيد الآمن هو القطب الشمالي.

لا شك في انك وتحت تأثير حبك لمشاهدة الرسوم المتحركة، كنت تعتقد بوجود قطب ما ينتأ من القطب الشمالي. وهو اشبه بتلك الأعمدة الدوارة المنتصبة امام صالونات الحلاقين.

من جهتها، كانت النجوم أمراً لا يمكن تفسيره. لم يكن من ثقوب في السماء، لا شموع، لا أنوار كهربائية، لا شيء يشبه ما كنت تعرفه. كثافة الهواء الأسود فوق رأسك، شساعة الفضاء بينك وبين تلك الأشياء الصغيرة المضيئة، بدا امراً عصياً على كل منهم. أجل ثمة حضورات لطيفة وجميلة تحوم في هزيع الليل، في الهناك لأنها موجودة في الهناك وليس لأي سبب آخر. هي من عمل يد الله، نعم، لكن ما الذي كان المولى يفكر فيه؟

ظروفك في ذلك الوقت كانت كالتالي: أميركا منتصف القرن، والد ووالدة، دراجات ذات اطارات ثلاثة وذات اطارين اثنين فضلاً عن شاحنات، اجهزة راديو وتلفزيون اسود وابيض، شقتان صغيرتان ومن ثم منزل في الضواحي، صحة حساسة في البواكير، من ثم قوة صبا عادية، مدرسة حكومية، عائلة من الطبقة الوسطى المكافحة؛ بلدة من خمسة عشر الف شخص يسكنها البروتستانت، الكاثوليك، واليهود، بيض جميعهم فيما خلا نفر من السود، لكن لا بوذيين، هندوس أو مسلمين…

المستقبل

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى