صفحات العالم

فرصة للثورة


ساطع نور الدين

ليست ثورة مضادة او حتى انقلاباً على الثوار، بل هو مجرد صراع يدور خارج الثورة وبعيداً عن جمهورها ومجالها السياسي. والأرجح انه سيسهم في ترسيخ هويتها وفي بلورة قيادتها وفي تحديد جدول أعمالها المقبل، الذي يقود الى تحقيق أهدافها الحقيقية.

ما جرى في مصر امس لم يكن اشتباكاً بين قوى الثورة وتشكيلاتها. كان مواجهة طبيعية جداً بين كتلتين سياسيتين كبيرتين خرج ثوار مصر الى الشوارع ضدهما معاً: النظام الذي طغى وبغى وأفسد، والاسلام السياسي الذي ناهضه بافكار وادوات واساليب لا تقل سوءاً عن الطغيان، ولا تعكس وعي الجيل المصري الجديد التواق الى الحرية والديموقراطية والمدنية والتعددية.

قاوم النظام الثورة ولا يزال يحاول أن يطيح بها، وابتعد الاخوان والسلفيون عنها قبل ان يسعوا الى الاستيلاء عليها. في الحالتين كان هناك خبث ونفاق مشترك في التفاعل مع الحالة الثورية بلغت مع الفلول حد التعهد بحماية الحريات والحقوق، مثلما بلغت مع الإسلاميين حد الوعد بالدولة المدنية الديموقراطية. وكلاهما كان ولا يزال يخفي توقه وسعيه الى بعث الاستبداد وفق كتب التعليمات التي يحفظها في إدراجه.

كان الفريقان طوال الشهور الماضية من عمر الثورة، يكملان معركة سياسية موروثة منذ أواسط القرن الماضي، ويتبادلان التهديد العلني بالانتقام لمواجهات واغتيالات واعتقالات وتصفيات جرت بينهما طوال ستة عقود دمرت السياسة والاقتصاد والاجتماع في مصر وفي مختلف أنحاء الوطن العربي، وأنتجت فضائح في مؤسسات الحكم، من جهة ، وظواهر اسلامية إرهابية مهينة بحق الامة والإسلام ككل، من جهة اخرى.

المعركة لم تتوقف يوماً، جل ما فعلته الثورة أنها دفعتها ضمن الأطر والقنوات السياسية والمراكز الانتخابية التي شهدت غزوات متبادلة، انتهت الى تعادل سلبي، أثار إحباط الغالبية الشعبية واستياءها من اختزال الرئاسة باثنين من اقل مرشحي الفلول والإخوان ثقافة وتجربة ووعياً.. ما يرجح ان تكون المقاطعة هي الخيار الغالب.

لا شأن للثورة بهذا الصراع الحاد، ولا ضرر منه أبداً، لانه في حده الادنى والمباشر سيعيد تصويب المسار الثوري وتوجيهه نحو البحث الاكثر جدية وعمقاً في طبيعة الدستور المقبل لمصر، بدل التلهي بانتخاب أول رئيس للجمهورية الثانية التي لم تولد بعد ولن تولد إلا عندما يصبح الثوار جاهزين للسلطة.

إنها فرصة جديدة للثورة المصرية، شرط أن يلتزم الثوار سياسة الحياد أو النأي بالنفس عن ذلك الصراع الواعد، بين السيئ والأسوأ اللذين سبق أن خربا مصر والعالم العربي من المحيط إلى الخليج.

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى