صفحات الناسياسين السويحة

لاجئون سوريون في البحر/ ياسين سويحة

 تتلقى السواحل الإيطاليّة، بشكل متواصل، موجات من المهاجرين “غير الشرعيين” عند شواطئها، تُقدّر أعدادهم بعشرات الآلاف كلّ عام. غالبيتهم هاربة من الواقع الاقتصادي المزري في شمال ووسط أفريقيا، أو من ويلات الحروب في القرن الأفريقي. وقد أدّت هذه الموجات في السنوات الأخيرة إلى تحوّل جزيرة “ﻻمبيدوسا”، القريبة جداً من السواحل التونسيّة، إلى ما يشبه مخيّم لجوءٍ هائل، عجز، في لحظاتٍ كثيرة، عن استيعاب الكمّ الهائل من الواصلين، ما استدعى مُطالبة إيطاليا بالدعم من شركائها الأوروبيين.

الجديد، هذا العام، هو دخول السوريين بقوّة في تركيبة الكتلة المُهاجرة، إلى حدّ أنهم شكّلوا غالبيّة الواصلين في بعض الأحيان، كما حدث في الرابع من تموز/يوليو الماضي، حين أعلنت السلطات الإيطاليّة والمالطيّة وصول نحو 400 مهاجر على متن سفينة آتية من مصر، منهم 290 سورياً، نصفهم أطفال. كانت هذه من أكبر موجات الهجرة “غير الشرعيّة” التي تلقتها مالطا في يومٍ واحد في تاريخها كلّه، بحسب تعبير الصحافة الإيطاليّة.

يقدّم الواصلون إلى سواحل إيطاليا، أسوةً بآلاف اللاجئين الذين يغادرون سوريا يومياً، روايات مروّعة عمّا عانوه في بلدهم، وأيضاً عن معاناتهم خلال رحلة اللجوء. غالبية راكبي البحر في اتجاه أوروبا تأتي من محطات لجوء أولى مثل مصر أو تركيا، لكن رُصدت أيضاً حالات الإبحار مُباشرةً من السواحل السوريّة. يروون أنهم ركبوا البحر لمُدد تتراوح بين 12 و14 يوماً، في زوارق ومراكب صيد متهالكة، ﻻ يزيد طولها عادةً عن 20 متراً، معظمها لم يعد يصلح للملاحة، وخصوصاً مع تحميلها أوزاناً أكبر من استطاعتها النظريّة، ويقولون إنهم دفعوا ما بين ألفين وأربعة آلاف دولار أميركي مُقابل الرحلة. بعضهم كان يعرف معنى ومخاطر المُغامرة، لكن البعض صدّق كذب وخداع مافيات التهريب، بأن المبلغ المدفوع يشمل إجراءات الإقامة وأذونات العمل، قبل أن يجد نفسه، أو يجدوه، مرمياً على السواحل الإيطاليّة، أو في عهدة خفر سواحلها.

قُرابة نصف الواصلين السوريين إلى السواحل الإيطاليّة من القُصَّر، بحسب إحصائيات السلطات الإيطاليّة، وتُلاحظ كثرة النساء الحوامل، كما سُجّلت حالات عديدة لجرحى بعيارات ناريّة أو بشظايا، وبعضهم يصل في حالة صحّية سيئة جراء فقر العلاج الذي تلقاه في سوريا أو اللجوء الأول، وبسبب ظروف السفر بحراً بهذا الشكل أيضاً.

تداولت وسائل الإعلام الأوروبيّة، السبت، مشاهد لمصطافي بلدة مارغويللو، قُرب سيراكوزا الصقلّية، وقد شكّلوا سلسلةً بشريّة لمساعدة 164 سوريّاً وصلوا في سفينة متهالكة إلى سواحل البلدة. وقد أثارت المشاهد عاطفة الإيطاليين لدرجة أن جورجيو نابوليتانو، رئيس الجمهوريّة الإيطاليّة، أصدر تصريحاً لتثمين الحسّ التضامني مع المُستضعفين لدى مواطنيه. لكن، من ناحيةٍ مقابلة، فقد تناقل ناشطون، إضافة إلى هيئات سوريّة، مقطع فيديو يُدين المُعاملة السيئة التي يتلقاها الوافدون السوريون إلى إيطاليا من طرف حرس الحدود.

كلا المشهدين حقيقة، ربما، أو أن الحقيقة تتدرّج بينهما. أمّا حقيقة هؤﻻء السوريين: هروبٌ بحري من الموت، نهايته “السعيدة” اعتقالٌ بتهمة محاولة دخول البلاد بصورة غير شرعيّة، قد ينتهي باللجوء الشرعي، أو بالترحيل. أيضاً يحدث أن يضطُرّ ركاب السفن إلى إلقاء جثث من توفوا خلال الرحلة بسبب مضاعفات المرض أو الإصابة، وتُرمى الجثث في الماء على مرأى أهل المتوفى وأحبابه. أما الاحتمال الثالث، الأكثر مأسوية، فهو من قبيل ما حصل في بدايات أيلول/سبتمبر الماضي، حين لقي 46 سورياً وعراقياً مصرعهم غرقاً في بحر إيجة، قبالة السواحل التركيّة، في رحلة الهروب من الموت على متن مركبٍ متهالك.

المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى