صفحات العالم

مصر.. كي لا ننسى سوريا

 

ديانا مقلد

لم يهدأ النزف السوري، فعداد الضحايا نادرا ما يقل عن المائة يوميا لكن، ما الجديد؟ فلنعترف، بتنا نمر على الخبر السوري سريعا.

ورتابة الحدث أو الموت السوري تخرقها أحيانا أخبار وصور كتلك التي يباغتنا بها أصدقاؤنا على موقع «فيس بوك»، إذ يحدث أن تظهر لنا فجأة صور صادمة جديدة لم تتمكن القنوات التلفزيونية من نقلها لنتنبه إلى أن ما يجري في سوريا ليس خبرا عاديا. فها هي صورة رجل سوري جالس على كرسيه البلاستيكي قرب حائط في أحد شوارع الحولة، لكن وجه الرجل انفجر وتشظى وتدلى على جسمه. الأرجح أن يكون قناصا استهدفه في جلسته تلك، فمات وبقي جالسا على كرسيه غارقا في دمه لنغرق نحن بدورنا بذلك الغضب والذهول الذي لم يعد يستغرقنا طويلا لنفرغ لشؤون أخرى.

لكن لماذا بهت الاهتمام بالخبر السوري رغم كل ذلك الدم والموت وما الذي جعل مآل ثورة مصر مثلا أكثر تداولا في الإعلام العربي والعالمي بل إن مساحات النقاش بين ناشطين ومهتمين بالشأن المصري من غير المصريين استعرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو جدل انشغل به سوريون أيضا فشغلهم قليلا عن مأساتهم أو الأرجح أن يكون الحراك في مصر استباق لنقاش لاحق في سوريا بعد سقوط النظام.

غضب مصريون من تسلط الإخوان الذين لم يقدموا سوى نسخة أكثر رداءة من السلطة التي أسقطتها الثورة قبل أقل من عامين. هذه المواجهة بين الإخوان المسلمين يساندهم «إخوتهم» من التيارات والجماعات السلفية ضد «الغريب» الذي تمثله التيارات المدنية والليبرالية، بدا وكأنه جوهر المعادلة بعد الثورة وهذا ما انعكس تماما في الجبهات الكثيرة التي ظهرت في وسائل التواصل الاجتماعي.

بدا تمسك الإخوان المسلمين بشعار الديمقراطية مجرد وسيلة لبلوغ السلطة والإمساك بالحكم وليبشروا بأنفسهم وبمرشدهم وبرئيسهم بصفتهم ناطقين باسم «الخالق» على ما ردد متظاهروهم وشيوخهم على الشاشات.. وما حجم الأخطاء التي ارتكبوها سوى مؤشر جديد لمدى انعدام المرونة والعجز عن الخروج من عباءة الإخوان إلى منطق الدولة.

الجديد في الأمر هو انسحاب هذا المنطق على كثير من الدوائر التي يفترض أن تكون أكثر دراية وخبرة واختلاطا من الدوائر الضيقة للإخوان المسلمين حين كانت الجماعة تنظيما محظورا مطاردا.

المتصفح نقاشات «تويتر» و«فيس بوك» بشأن التطورات في مصر يلمس كم أرخى المشهد المصري بظلاله على مناطق التغيير في سوريا وبدرجة أقل في تونس واليمن وليبيا. تراجع النقاش من كونه نقاشا حول ثورات لإسقاط الاستبداد وتحقيق الحرية لنقاش حول مواجهة بين تيارات الإسلام السياسي في مقابل تيارات مدنية ليبرالية.

هذا النقاش شمل الثورة السورية من دون أن يصبغها تماما، إذ رغم الشطط الكبير لجماعات مثل «جبهة النصرة السورية»، تبقى إسلاموية الثورة السورية ضعيفة مقارنة بما يحدث في مصر وتونس. وإن كانت الأولوية في مصر اليوم إسقاط الاستبداد الديني فمن الإجحاف التعمية عن الدم المراق في سوريا لإسقاط استبداد بعثي وحصره في نقاش عنكبوتي حول حيز الدين والهوية وهذا ما فيه خسارة مضاعفة.

* مقال اسبوعي يتابع قضايا الإعلام

الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى