صفحات الناسعمر قدور

مونديال وخلافة وباب الحارة/ عمر قدور

 

ليس مؤكداً أن تُتاح لنا فرصة أخرى مماثلة لنشهد التشويق الذي نشهده الآن، إذ يندر أن تحفل أيامٌ بالمونديال وإعلان الخلافة وعرض الجزء السادس من باب الحارة معاً؛ كأنني أسمع كائناً فايسبوكياً يتأوه قائلاً: قلبي الصغير لا يحتمل! والحق أن متابعة المسلسلات الرمضانية وأخبار الخلافة مع المباريات سترهق أي عقل، ما لم يتسرب شيء من واحدة منهما إلى أخرى ليحافظ المتابع على الانسجام الداخلي، هكذا مثلاً يصبح التركيز على صوم اللاعبين الجزائريين في مباراتهم مع ألمانيا ضرورة ليتذكر الواحد منا أنه المونديال الأول في عهد الخليفة أبي بكر البغدادي. هكذا أيضاً، قد يفرح مشجعو «الديوك» برؤية العلم الفرنسي في الجزء السادس من باب الحارة، بدل علم الاستقلال الذي كان مُعتَمداً في الأجزاء السابقة، والذي جرى الاستغناء عنه لأنه أصبح علم الثورة السورية.

المنطق غير مطلوب أو مهم دائماً، المنطق قد يُفقد المتلقي جزءاً من المتعة، لذا لا ينبغي التوقف عند قصة إبدال العلم في المسلسل، ولا عند عودة إحدى الشخصيات بعد موتها؛ حتى إذا علمنا أن موتها كان نتيجة خلاف بين الممثل والمخرج وأن إحياءها من الموت أتى بفض الخلاف بينهما. الأمر لا يبتعد كثيراً عن رؤية المنتخب الهولندي يُطبق على منطقة المنتخب المكسيكي بالكامل بعد هدف الأخير، ورؤية روبن يصول ويجول في خط دفاع الأخير، بينما المعلّق العربي يشيد بسيطرة المكسيكيين التامة على المباراة، إذ ما فائدة التعليق إذا كان سيقول لنا ما يحدث حقاً؟ هذا يشبه أيضاً القول بأن مباراة الجزائر مع ألمانيا هي مباراة ثأر من الطرف الأول، بسبب مباراتهما في مونديال 1982، فإذا تذكرنا أن نتيجة تلك المباراة آلت إلى فوز الجزائر حينها سنقع في مطب المنطق الذي يقول إنها ربما تكون ثأراً ألمانياً، وإذا تذكرنا أن الفريق الذي اتُهم بالتآمر على الجزائريين لصالح ألمانيا كان الفريق النمسوي الذي ساعد الألمان على التأهل إلى الدور الثاني وقتها سنقع في مطب القول إن ثأر الجزائر هو لدى المنتخب النمسوي. لكن بما أن ذلك كله حدث في الجزء الثالث من باب الحارة، وبما أن المخرج والممثل تصالحا بعد أن أنهى الأخير حرَده، لا بأس في الحديث عن ثأر جزائري يتفاقم بعد الخسارة المشرفة الأخيرة، وينتظر أحداث الجزء العاشر من المسلسل الذي ربما يضع علم الخلافة العباسية مكان علم فرنسا.

الخليفة البغدادي ليس وحيداً في إعلان العداء للغرب، من هذه الجهة على الأقل لا يختلف جداً عن بعض مشجعي المونديال الذين يحددون فريقهم المفضّل بدلالة لعبه ضد فريق أوروبي. أوروبا هي الشر الكروي المطلق، العدو الذي يجيد الفوز مع أنه لا يستحقه، وإذا كانت منتخباتها تجيد التكتيك واللعب بواقعية فذلك أدعى إلى هجائها لأنها لا تلعب كما يشتهي خصومها. لن يكون مستغرباً هنا أيضاً أن يلتقي اليسار بداعش، فالاثنان يجتمعان على العداء للغرب، قد يزيّن اليسار عداءه بالانحياز إلى الفقراء عامة، ويتحسر على لعبة الفقراء التي سرقها الأغنياء منهم وينسى أن إحدى دول البريكس «البرازيل» صرفت أموالاً طائلة على المونديال بدل صرفها على مشاريع التنمية، وأن مَن أقام إمبراطورية الفيفا بحجمها الحالي هو برازيلي.

في مسلسل باب الحارة، لن ترهق ذهنك مع أيٍّ من الشخصيات فهي واضحة، إما طيبة أو شريرة، فقط عليك الشعور بالحنين إلى ذلك العالم الساذج البسيط، عليك أن تنزع عن نفسك ما اكتسبته من «أدران» الحضارة لتتماهى مع شخصياته. العالم الحالي لا يُطاق ولا يحتمل بتعقيداته، الحل هو باب الحارة، مثلما قد يجد البعض السكينة والحل بالشرود في عوالم الأخوين الرحباني. الخليفة البغدادي يعود أبعد إلى الوراء، إلى نقاءٍ أقدم، لكنه ليس رومانسياً، ولا يترك الحل أسير التأمل والشرود؛ الخليفة أكثر واقعية من باب الحارة، بل هو مغرق في الواقعية لذا يُقابَل بانتقادات شتى، حتى من قبل أولئك الذين تابعوا الأجزاء الستة للمسلسل بشغف. كان على الخليفة القدوم من بوابة الدراما التلفزيونية مباشرة، وأن يبدأ نضاله بالوقوف ضد البوتكس والسيليكون المستخدمين بإفراط. ثم كان عليه أن يلحظ ما يزيد عن مائة لاعب مسلم في المونديال، إذ لا يستقيم أن يفوته هذا الجانب الذي ركز عليه المعلّق العربي، هؤلاء هم العدة لخوض حرب كروية شاملة تقضي على بدعة الانضباط التكتيكي المملة؛ أصلح الله الخليفة وأعانه على شؤون رعيته المشتتة بين باب الحارة والمونديال!

لولا هذه الوقائع الثلاث الكبرى لكان العالم مملاً بحق، إذ كنا سنتأفف من متابعة الحدث السوري الرتيب، ومن إحصاء عدد القتلى الذين يزدادون أيضاً برتابة. كنا سنتابع أخبار الدعم الأمريكي المنتظر للمعارضة السورية بين تكذيب من هنا وتصديق من هناك، وكنا سننتظر ونتكهن حول هوية المبعوث الدولي الجديد إلى سوريا، ونضطر إلى سماع خطابات جديدة تؤكد أن تدخل حزب الله في سوريا قد أنقذها من المؤامرة الدولية. مع المونديال يمكن الهروب من الحدث السوري نهائياً، وعلى هذا الصعيد يمكن الاطمئنان إلى أن السوريين لن يشاركوا في المونديال ويفسدوه ضمن المدى المنظور، ولا ضرر من الاستمتاع برؤيتهم في باب الحارة بدل رؤيتهم في مخيمات النزوح، فهم في باب الحارة أكثر طرافة وسذاجة مما هم عليه في الواقع؛ فقط لو أنهم جميعاً يدخلون في باب الحارة وينغلق عليهم نهائياً؛ كم سيكون السوريون أجمل لو تحولوا جميعاً إلى دراما تلفزيونية ساذجة.

لكننا نصطدم بمشكلة غير قابلة للحل فشهر المونديال سينتهي قريباً، وستتبعه نهاية شهر رمضان بمسلسلاته الشهيرة. ستتناقص المتعة بنهاية المونديال، وسيبقى العلم الفرنسي باهتاً في باب الحارة، إذ سيعود ليذكّر فقط بحقبة الاستعمار الفرنسي، بعد أن ظننا وجود تشجيعاً درامياً لمنتخب الديوك. ومن ثم سينتهي هذا الجزء من المسلسل أيضاً، وسنصطدم بأولئك السوريين الذين لا يرتدون ملابس تشبه ملابس باب الحارة، وسنصطدم بنسائهم اللواتي لا يستخدمن البوتكس والسيليكون بإفراط على نحو ما كان يحدث في زمن المسلسل، وليس من المستغرب أن يقوم النظام نفسه بقصف استوديو التصوير نفسه في الحلقة الأخيرة لأن المخرج وضع العلم الفرنسي بدل علم المنتخب الإيراني أو الروسي، المشاركين أيضاً في المونديال.

ثم إننا لا نعرف شيئاً عن دولة الخلافة التي أُعلنت مع مستهل شهر رمضان، فربما يُعلن عن انتهائها أيضاً مع نهاية الشهر الفضيل، ربما تكون دولة رمضانية نشهد كل سنة فصلاً من فصولها؛ هذا سيكون أدعى إلى الفضول من بقائها طوال السنة، مع أن اختفاء الخليفة التام خلال بقية الأشهر سيضعه في مرتبة الخليفة «المنتظر». بالطبع لن يكون وارداً أن يقتصر وجود الخلافة بتزامنها مع المونديال، أي مرة كل أربع سنوات، ولن يكون وارداً إقامتها كل مرة في بلد مختلف. لا معطيات لدينا عن دولة الخلافة سوى وعدها لنا بأنها «باقية وتتمدد»، هذا لا يلغي «الخشية» بأن تكون وعودها مشابهة لوعود الانتصارات الكروية، أي أننا سنكون مع موعد مونديالي قريب لخسارتها «المشرفة»، ثم نعود فيما بعد لنكتشف أن الخليفة لم يمت في الجزء السابق، وأنه عائد بمنتخب جديد.

نعم، مع باب الحارة والاتفاق على ترويجه، لننتظر مقابل كل جزء خليفة.

المستقبل

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى