صفحات الناس

حذاء قديم لعام جديد/ الياس خوري

 

 

انتهى العام بالتبادل في الزبداني والفوعة، وقد تمت العملية عبر لبنان واتخذت من مطار بيروت اطارا مكانيا لها. ورغم المخاوف المشروعة بأن تكون العملية مقدمة لتطهير طائفي في سورية، فإن مشهد الجرحى الخارجين من الجحيم كان لحظة استراحة لا بد من التعامل معها بشيء من الرضى. سورية اليوم هي ساحة تعذيب جماعية، لقد حوّل الأسد الإبن الكثير من المدن إلى معسكرات اعتقال تشبه سجن تدمر، بحيث صار على الانسان ان يمشي بين قطرات الموت المنهمر، كي يحيا.

والموت السوري مع الصعود الوحشي لداعش والنصرة وغيرهما من جيوش الاستبداد صار شاملاً، لم تعد هناك منطقة أمان واحدة في بلاد تتعرض للدمار الشامل.

لا أريد الدخول في تحليل الوضع السوري، فكل تحليل ناقص، لأن لا سياسة في سورية اليوم. السياسة تصنعها أجهزة الاستخبارات الاقليمية والدولية، وتُرسم بالبراميل المتفجرة، وتهيمن عليها آلات حروب شتى تمتد من روسيا إلى الشيشان ومن تركيا إلى السعودية وقطر.

وحين سألت أحد الأصدقاء عن رأيه في قرار مجلس الأمن الداعي إلى حل سياسي ليس واضح المعالم في سورية، ابتسم الرجل وقال إن هذا القرار لا ينهي الحرب، فالحل السياسي الأمريكي الروسي، اذا قدّر له أن ينجح، سيعني بداية جديدة للحرب وليس نهايتها، لأنه يقوم على اعادة «موضعة» القوى في سبيل شن حرب مديدة على داعش والنصرة.

لا أعرف كيف يحلل ضباط الاستخبارات، ولا ما هو دور التنسيق العسكري الاسرائيلي الروسي في رسم ملامح الاصطفافات المعقدة للوضع، وكيف تبدو اسرائيل هي المنتصر الوحيد حتى الآن، فهذه مسائل كتب عنها الكثير بلا جدوى، بحيث صار الكلام لا يوضح شيئاً بل يزيد بلبلتنا بلبلة.

مع مطلع العام الجديد يستحق القارئ اجازة من هذا اللغو الذي يملأ الصفحات والشاشات، ونستحق معه استراحة من اخبار المآسي التي تحاصرنا، ومن تنبؤات المنجمين الخادعة.

لكن صورة الرجل بالحذاءين المرفوعين أمام قافلة الجرحى والمدنيين الخارجة من الزبداني أثارت فيّ الهلع.

كان خوفي من الحذائين أكبر من خوفي من البراميل المتفجرة. أصبت بالرعب وأنا اشاهد الحذاءين يحتلان شاشة التلفزيون أمام مطار بيروت، وهذا أمر يثير العجب. ماذا يستطيع الحذاء المرفوع أن يفعل؟ ومع ذلك خفت، القرف والاشمئزاز ذابا في الخوف، وغطتني سحابة من الخوف وغطى السواد الكالح شاشة التلفزيون.

لم تستوقفني الشتائم والعبارات النابية، لأنني لم اسمعها بشكل واضح، رأيت رجلاً يحمل في كل يد فردة حذاء، ويلوح بهما لركاب الباص. وكان الحقد يتطاير من الحذاءين، كأن الأحذية صارت وجوه حيوانات غاضبة. بهذا الحذاء المرفوع في وجوه الضحايا اختتم الاستبداد سنة 2015، وافتتح سنة الرعب التي تنتظرنا على مفترق تاريخنا الذي هوى.

لم أستطع تحليل «المشهد الحذائي» بشكل عقلاني، فالخائف لا يستطيع التحليل، بل يضربه الشلل. أقفلت التلفزيون وتقوقعت في زاوية الصالون. لا أدري اذا كنت غفوت تلك الليلة، كان نومي متقطعاً، تحتله كوابيس الأحذية.

سألت نفسي ما الجديد الذي أخافني؟ فنحن نعيش وسط مذبحة مستمرة، ولا لزوم لهذا القلق من رجل معتوه يلّوح بحذاءين للضحايا. واكتشفت أن سبب خوفي الحقيقي يعود إلى حقيقة أن هذا الرجل ليس معتوهاً، أو أن عتهه ليس استثنائياً أو شاذاً، بل يعبر عن حالة عامة. وعندما يصير العته عاماً يصير العقل هو الشاذ، ويتم التعامل مع العاقل بصفته مجنوناً.

هذا العته العام هو الذي أخافني، وهو عته آتٍ من بنية نفسية عميقة رغم أنها مفتعلة، ولهذه البنية اسم واحد هو الطائفية. لو تصرف صاحب الحذاءين كانسان يقاتل ويقتل من أجل اقتناع سياسي ما، لما رفع الحذاء، بل كان ابقاه في قدميه، أو إذا اراد خلعه فمن أجل التبرع به للاجئين السوريين الذين يعيشون ذلاً مزدوجاً في لبنان، ذل العنصرية وذل الفقر.

التبادل عمل سياسي عقلاني يجري في كل الحروب والنزاعات، لكن حين تختفي العقلانية ليحل الحقد الطائفي مكانها، نصير في مكان آخر.

لا يستطيع أحد اقناعنا بأن حركة الحذاءين ناجمة عن موقف سياسي ضد اسرائيل والصهيونية، ففي الصراع مع اسرائيل جرت أكثر من عملية تبادل قامت بها المقاومات المختلفة، ولم يسبق أن شاهدنا مخزون حقد يتفجر على شكل أحذية.

المسألة ليست عقائدية، فالطائفية ليست عقيدة الا بصفتها شكلاً من أشكال العنصرية، وهستيريا الأحذية والشتائم جاءت تعبيرا عن الهاوية التي سقط فيها الممانعون، وهم يبحثون عن تبريرات للجرائم الوحشية في سورية.

والحقيقة أنني لم أخف من صاحب الحذاء المرفوع فقط، بل خفت عليه أيضاً. نعم خفت عليه، وهذا الخوف لم يعد مفهوما في زمن العته العام. فأن ترى فيه وفي الجمع الذي احتشد معه بهدف الامعان في اذلال أهل الزبداني الذين لا يشبهون سوى الأبطال، مواطنا يستحق التحرر من قيوده الطائفية، صار أمراً مستهجناً في زمن الجنون الطائفي الاستبدادي والأصولي. خفت عليه لأن معركته ليست سوى وهم يقود إلى الوهن، واستكباره واستقواؤه بالسلاح لن يكون سوى اضعاف له وللوطن، وطائفيته ليست سوى وصفة جاهزة للدخول في الزمن الاسرائيلي رغم كل الكلام الصاخب عن أن طريق القدس تمر في الزبداني.

نطوي العام ونحن نكتشف أن الذين دمروا الزبداني أهدونا حذاء قديماً في العام الجديد!

القدس العربي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى