مراجعات كتب

“المقاومة الحميمة”: ماذا وأين؟/ محمد بيطاري

 

 

“الطبق على الطاولة، الزيت والخبز. الطاولة مُخدّمة، الوعاء يبدو رجلاً مُدخناً، والكؤوس يخيّم عليها بخار الحساء”. بتلك التفاصيل الصغيرة الأقرب إلى نص سردي ووصفي، يبدأ كتاب “المقاومة الحميمة، اختبارات في فلسفة القرب”. في محاولة للفت الانتباه الى معنى “المقاومة الحميمة”، والتي يشرحها جوزيب ماريّا أسكيرول، الدكتور الجامعيّ والفيلسوف في قسم الفلسفة النظريّة في جامعة برشلونة بأنها علاقة الإنسان بالأشياء الصغيرة المحيطة به، والتفاصيل التي لا نعيرها أهميّة خلال يوميّاتنا العادية، إذ يفضّل الكاتب أن يصف تلك “اليوميّات” أحياناً بـ”اليقظة”، والتي من خلالها نستطيع أن نغيّر جوانب عديدة، ويعطينا الكاتب مثالاً على ذلك، وهو أنّ تطوير العلاقة مع الأشياء البسيطة في المنزل، كرعاية الإنسان لنفسه، تمنحه علاقة دافئة وقوية، تمتاز بالطمأنينة مع الأشخاص خارج المنزل. ولكن، ما هو “المنزل” بالنسبة إلى الكاتب؟

هو مجموعة الأشياء التي نستطيع التقرّب منها، وفي الوقت نفسه يعني البيت “المكان الخاص” بالمعنى العادي، وما يحتويه من علاقات وأشياء، وذلك يعتبر جسراً للانتقال إلى العنوان الآخر للكتاب “القرب”. أي أنّ الاهتمام بالذات والتفاصيل الصغيرة يصنع لنا علاقات بشريّة متميزة، داخل وخارج فكرة “البيت”، تتّسم بالهدوء والطمأنينة، في ظل تطوّر التكنولوجيا الذي غيّر من طبيعة العلاقات البشرية، ومساراتها. ذلك القرب الذي لا نستطيع قياسه بالسنتيمتر أو المتر.

يحاول أسكيرول هنا إضافة صوته الخاص على الفلسفة الحديثة، وهو الذي طالما وصفته صحافة بلاده بـ”الحصيف” والمتمرد”، بسبب ابتعاده عن السياسة المحليّة، مبرراً ذلك بأهمية العودة إلى المنزل والاهتمام بالتفاصيل الشخصية، قبل الخوض في مضمار السياسة.

يركز هذا الكتاب في الفصول الأولى على واحدة من أهم الأشياء التي نتجانس معها، ولا نستطيع الابتعاد عنها، وهي “العالم التكنولوجيّ” الذي يصفه أسكيرول بـ”التجريد غير المتصل بالحياة اليوميّة”، المكان الافتراضي الذي يصنع لنا علاقات إنسانيّة غير مستوية بسبب خلوّها من التعبير الحقيقي للكلمات. وبحسب الكاتب، فإن المجال التكنولوجي، دائماً، يحاول تقديمنا ككل بينما نحن كبشر مختلفون، وعلينا أنْ نحمي ذلك الاختلاف، والذي هو شكل ثقافي بشري.

وعلاوة على ذلك، هو مجال افتراضيّ مُتحكم به من قِبل جهات ظالمة، تمتلك غايات أنانيّة، وهذا ما يعبر عنه بـ”الواقع المزري”، ولذلك يدعونا لنتحوّل إلى مقاومين لذلك الواقع “المقاوم، ومكافحة شيطان النصر النابع من الأنانيّة واللامبالاة، وأيضاً ضد إمبراطوريّة الواقع، وضد عمى الغاية، والبلاغة الخالية من الكلمة، والتجريد السيئ، والظلم”.

وتتمثل المقاومة في رأي أسكيرول بالحفاظ على هامش المكان الشخصي “البيت، المنزل”، فالبيت يقدم لنا ميزة أن نكون وحيدين، أي أنّ الوحدة برأيه، تُخلّص الإنسان من الغضب، وكلاهما شرط أساسي للتفكير، ذلك الجهد (الوحدة، والتخلص من الغضب، والتفكير) الذي من الممكن أنْ يعتبره الكثيرون عملاً فائضاً، وعملياً.

ويوضح الكاتب الاختلاف بين الوحدة والعزلة، إذ إنّ من يعتزل لا يملك بيتاً، بتعبير مجازي، ولذلك لا يستطيع الوصول إلى التفكير، بل يمتلك التدرُّب على العزلة فقط، والّتي لنْ تمنحه علاقات اجتماعية. بينما تمنح الوحدة الإنسان اكتساباً معرفياً، وتجربة شخصيّة، ولذلك هي مقدمة لعلاقات جيدة. ووحده القادر على ممارسة الوحدة يمتلك تلك المهارة.

العودة إلى المنزل بدلاً من الانغماس في الكليّات، هي طريق يدفعنا الكاتب لخوضه، كخيار لنا. المقاومة بدلاً من البحث عن إرادة السلطة. القرب من الأشياء الصغيرة بدلاً من التحوّل إلى “سوبر مان”. البحث عن التفاصيل الصغيرة الجدليّة بدلاً من التأكيد السريع الأعمى. الرجوع إلى الذاكرة قبل البحث عن المستقبل. تلك الأشياء هي الرعاية الذاتيّة، والتي تعني ألّا نترك لأنفسنا الانقياد داخل طريق (الثروات، الشرف، فائض في الأحلام)، والذي من الممكن أن نضيع فيه كلياً.

أما في السياسة التي يعتقد الكاتب أنّه علينا أن نهجرها، ونعود إلى المنزل للاهتمام بالتفاصيل الشخصية، ومقاومة التقرب منها، مرة أخرى. فالسّياسة وفق رأيه هي العرض في المكان العام، والذي حين يغيب عنه دفء الجو العائليّ، يتدرج ليصبح ضعيفاً. وفي النهاية يتحول النشاط في ذلك المكان العام إلى كسل، ونظراً لذلك سيميل الفرد إلى “الديماغوجيا”. بصيغة أخرى، إن الألفة هي شرط يمهد للمشاركة السياسية والمدنية في المكان العام الذي يجب أن يكون مشحوناً بالمفاهيم السابقة (الألفة، والعلاقة العائلية البسيطة)، والتي نكتسبها بالعودة إلى المنزل، وإن فُقد ذلك في المكان العام سيكون مجرداً من المفاهيم الإنسانية.

“المقاومة الحميمة” تعني الكثير من الأشياء، من بينها مقاومتنا لـ”إمبراطورية الواقع”. شجب ما حوّلنا جميعاً إلى “خدم” لعملية تسمى “التحديث”، والتي يصفونها أيضاً بـ”المستقبليّة”، والتي تصلنا بشكل متدفق وثابت من خلال الشاشات. بينما يحرضنا الفيلسوف، ويعرض علينا أن نقاوم كل ذلك المجال الافتراضي، بالعودة إلى المنزل الذي هو بمثابة السور الذي يحمي الإنسان من وحش التطور ويمنحه الطمأنينة والسكينة، ويؤمن له الوحدة للتفكير في أبسط الأشياء، والتي بدورها تمنحه رعاية ذاتية، وإنتاج علاقات ناضجة مع الأشياء والبشر.

(كاتب وصحافي فلسطيني/ سوري)

العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى