الرئيسية / صفحات الرأي / الدولة المدنية ضرورة حتمية

الدولة المدنية ضرورة حتمية


وأخيرا بدأنا نسمع أصوات صادرة من الشعوب العربية خلال انتفاضاتها تنادي بالحريات والديمقراطيات وبالدولة المدنية, ودولة المواطنة, ودولة القانون وأصبح الجميع يتداولون هذه المصطلحات ويتعرّفون على مفاهيمها بعد أن كانت تلك المصطلحات محصورة بتداولها فقط بين النخب الثقافية والفكرية والسياسية والحزبية, بل وكانت مقفلة بأقفال محكمة من قِِبل تلك النخب ورُمي بها في بحار ورمال الصحراء العربية.

الحالة الإيجابية التي بدأت الشعوب العربية تستوعب فيها تلك المفاهيم لبناء أنظمة دولها بعد أن غابت وغُيّبت تلك المفاهيم عنها, (غابت بفعل الذهنية التي كانت تفكر بها تلك المجتمعات العربية لثوابت وهمية رسخت بالعقل الجمعي لها, وغُيّبت بفعل الأنظمة الشمولية التي حكمت شعوبها بوسائلها الاستبدادية وأبقتها على تأخرها التاريخي وبل ساهمت في تراجعها). هذه الحالة الإيجابية يجب التركيز عليها وتفسيرها وتطويرها وتنميتها ومن ثم ممارستها لتستطيع تلك المجتمعات أن تكون حقيقةً وواقعاً الحامل لبناء الدولة المدنية الحديثة, وهذا الأمر يحتاج إلى فترة انتقالية قد تطول أو تقصر, حيث واقع الأحداث قد أفرز تساؤلات جدلية : هل الفترة الانتقالية تكون في فترة الأنظمة الحاكمة أم بعد سقوط أو زوال تلك الأنظمة؟ وهل المطالبة بالدولة المدنية كما هي معلومة ومتداولة بمفاهيمها عالمياً أم هناك تفصيل للدولة المدنية حسب ما يراه البعض ملائمة لمصالحها ولخصوصية مجتمعها؟ كل هذه التساؤلات يجب شرحها وتفسيرها ليتمكن القارئ فهمها ووعيها وإدراك ما يستطيع استيعابه والاقتناع به وممارسته.

تزامن مع أحداث الانتفاضات لبعض الشعوب العربية مع إجماع الدول العظمى على السير في إنشاء نظام عالمي جديد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وصعود بعض الدول إلى مراتب الدول المتقدمة سياسياً واقتصادياً حاضرة في منافسة القوى العظمى مما تولدت قناعات لدى هذه الدول لتنظيم هذا الصراع بقيام نظام عالمي جديد ترسي الاستقرار لشعوب العالم دون الدخول في حرب عالمية ثالثة لما فيه من دمار وخسائر بشرية ومادية لا يستطيع العالم تحمل نتائجها.

ولكي نستطيع فهم تأثير هذا الفعل الدولي على الحراك الشعبي العربي ضد أنظمته سلباً أو إيجاباً, يجب ملاحظة عاملين مهمين : الأول, إن الدول العظمى خلال مسيرتها لإنشاء النظام العالمي الجديد تمارس عملية فكفكة الأنظمة السياسية القائمة في كثير من دول العالم وخاصة في منطقة البلدان العربية, بما فيها من دول إقليمية كبرى مجاورة لهذه البلدان والتي لديها مشاريعها في المنطقة كإيران وتركيا وإسرائيل.

والثاني, مساهمة الدول العظمى في استمرار الأنظمة الناتجة عن عملية التفكيك والتي تختلف فيها هذه العملية من دولة إلى أخرى.

أمام هذا المشهد نتساءل, ما هو دور النخب أكان في الأنظمة الحاكمة أو في المعارضة التي تحاول قيادة الحراك الشعبي؟

الواقع المرير هو إننا نعيش ضمن مجتمعات متأخرة, حكاماً ومعارضة ونخب, تعامَلنا ونتعامل إلى الآن على ردة الفعل مع الأحداث,ولم نستطع الانخراط في عملية الفعل لإيجاد آليات تلبي حاجاتنا لبناء مجتمع قادر على إنتاج دولة مدنية حديثة.

سأعطي مثالين للمقاربة على ما نحتاجه بالفعل من خلال مطالبتنا بالدولة المدنية.

منذ قيام الثورة في الصين وبالرغم من سلبيات النظام الشمولي فيها, كانت هناك رؤية واضحة لزعماء الصين كهدف يجب تحقيقه وهو الإنسان الصيني ” المواطن الصيني ” واستطاعت القيادة إيصال الصين إلى مرحلة متقدمة في كل المجالات لخدمة ورفاهية المواطن الصيني حتى من خلال الاستعانة بنظم وقوانين رأسمالية في سبيل تحقيق أهدافها. ( هناك كثير من المراجع المترجمة يمكن الاستفادة منها حول هذا الموضوع ).

والمثال الثاني, هو الدولتان الأسيويتان اندونيسيا وماليزيا, أكبر دولتين يعتنق شعوبها الديانة الإسلامية, حيث تبنتا الدولة المدنية كنظام سياسي, مما أعطى لهما القدرة على أنتاج المعرفة المتقدمة علميا وثقافيا تتنعم بها مجتمعاتها ومجتمعات كثيرة من دول العالم من هذا التقدم. ففي اندونيسيا هناك قانون يمنع المرأة من العمل وهي مرتدية الحجاب الشرعي, فأفتى علماء الدين الإسلامي بالسماح للمرأة الإندونيسية بالعمل بدون حجاب أثناء فترة عملها ثم العودة إلى ارتدائه بعد الانتهاء من عملها لتستطيع تلك المرأة من إعالة أسرتها  أو حتى إعالة نفسها فقط.

الذي أريد قوله بأن المطالبة بالدولة المدنية في بلداننا العربية لها هدفان يجب الانتباه لهما والعمل عليهما, الأول ما تقدمه الدولة المدنية من حقوق مواطنة ومساواة وعدالة اجتماعية وحريات ديمقراطية وتداول للسلطة وغيرها من المفاهيم التي تحمي المواطن, والثاني ما يجب أن تحققه الدولة المدنية للمجتمعات العربية من نهضة تزيل حالة التأخر عن ذاتها والدخول كشريك فعال في الحضارات المتقدمة, وإلا أصبح هدف تحقيق الدولة المدنية عملية استبدال سلطة بسلطة أخرى.

    ازاد ابراهيم ـ كاتب سوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...