القصير

 

شيرين الحايك

تتزاحم ُ التغريدات ُ على التويتر بين َ #القصير_تباد و #القصير_تنتصر و تتزاحم ُ معها المعلومات القادمة من تلك الفتحة الصغيرة التي تصل ُ العالم بالبقعة من الأرض و الموت المسماة “القصير”.

يقطع ُ “أبو حسين” التزاحم كمن يقطع ُ أصطفاف َ خطّ إنتظار الخبز الصباحي رجل أمن ٍ بلباسه العسكريّ؛ يدخل ُ ذاكرتي من الباب الخلفي و تعود ُ إلى مسامعي كلماته ُ عن القصير. يروي “أبو حسين” عن القصير الكثير من ذكريات الطفولة التي لا تكتمل ُ قبل َ أن يلحقها بكهولة حمص في الثورة؛ الدمار و الدمار و بقايا أخرى من الدمار.

“أبو حسين” هو واحد من الذين لا تتناقل وسائل الإعلام أخبارهم و لا يهتمّ أحد لرأيه بتحليل خطاب أوباما أو تصريحات رئيس وزراء روسيا لكنه ُ يتحدّث في هذه المواضيع و يحلل و يفسّر و كأنّ المسائل جميعها مرتبطة بتحليلاته ِ. “أبو حسين” أب لعائلة يعمل في النهار كموظف ٍ عاديّ و يرسم و يبيع لوحاته لمعالجة إصابات الإعاقة التي حلّت في القصير و حمص نتيجة ما شهدته ُ المدينة من عنف ٍ على مدى أكثر من عامين. يعمل أبا حسين بصمت، لا يرتاح لمشاركه إسمه الحقيقيّ و لا يحبّ أن أبادله ُ كلمات شكر أو لطف من أيّ نوع. كثيرا ً ما أكّد لي بأنّ هذا واجبه. يعاتبني عندما أتململ من إستمرار الحالة المعلّقة أو التعب من أمر ٍ ما بأن يذهب لأبعد من ذلك و يقول لي بأنّ كلّ تفصيل هو واجبي كما هو واجب أيّ شخص ٍ سوريّ و أنني إنّ قصرت ُ به فلن أتمكن من النوم ما بقي من عمري و يختم ُ هذه الجمل المباشرة عادة ً بإبتسامة لطالما أصبت بالإعتقاد بأنها تشبهه.

. . . تصل ُ صور الشهداء من القصير. أراقب الصور الملفوفة بالأبيض، الوجوه الجميلة، الساكنة ذات الغموض المعجون بالحزن و الرغبة و الإصرار على النصر. الإنتصار حتّى على الموت نفسه و كأنها كانت تعرف ُ بأنّ الوقت قد حان. أفكر ُ أنني لم أر َ وجه “أبو حسين” يوما ً و أنني لا أعرف ُ شيئا ً عن ملامحه سوى أنني أقتنعت بأنها تشبه الوجه المبتسم بعتب. أنظر ُ إلى آخر لوحة ٍ راسلني بها، أتخيل ُ بأنّ شيئا ً ما هنا في هذه اللوحة يشبهه أو ربما في تلك التي قبلها و أجرّب البحث عنه ُ.

إنّ أقسى ما في صور الشهداء هو أننا لا نعرفهم، أفكر، غرباء ليس َ أكثر ننظر إليهم و ننسى معظم وجوههم بعد ساعات. نذكر ُ فقط المشهد أو الحدث و تذهب وجوههم معهم إلى التراب أو تبقى معلّقة في غرف جلوس الأقرباء ممن بقي منهم على قيد الحياة.

أعود إلى التويتر و أقرأ. حزب الله.

 لماذا؟؟

كان أبو حسين يروي أمامي مرّة ً كم كان محبّا ً لحزب الله و قضيته ُ، قال أنه ُ في حرب 2006 إستضاف عائلة ً من لبنان في منزله و أخرى في منزل والديه. و أنه ُ كان يحاول ُ الإنضمام إلى المتطوعين في فصائل حزب الله. في منزله ِ و على الحائط المقابل لباب الدخول كان قد وضع صورة ً كبيرة ً لنصر الله. مع بداية دعم حزب الله لنظام الأسد حاول َ إقتلاعها مرارا ً و لم يتمكن بسهولة فقد كانت من الصور اللاصقة، فقال متهكما ً: “لم أستطع إقتلاعها لكنهم قصفوا المنزل بعد ذلك بفترة وجيزة و أراحوا كاهليّ منها”.

“أبو حسين” يشبه معظم شهداء القصير حتّى لو لم يكن واحدا ً منهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيينا تحذف سوتشي/ إياد الجعفري

    فشلت المقايضة بين فيينا وسوتشي، التي جرت بين الغرب وروسيا، في تحقيق تفاهم ...