الرئيسية / صفحات الناس / ترهيب الصغار.. طريق النظام السوري إلى المعلومات/ ميساء عموري

ترهيب الصغار.. طريق النظام السوري إلى المعلومات/ ميساء عموري

 

 

ليس أحمد (13 عاماً)، وهو من مدينة داريا المحاصرة في ريف دمشق، حالة خاصة في سورية ولن يكون. فقد عانى المئات من أطفال سورية بعضاً ممّا عاناه أحمد، وربما أكثر. يقول: “لم أعرف ماذا أرادوا مني. لكنّهم كانوا يصرّون على أنني أعرف وينهالون عليّ بالعصي والكابلات كلّما قلت: والله العظيم ما بعرف”.

كان أحمد يلعب في الشارع القريب من بيته في مدينة داريا المحاصرة بداية أكتوبر/ تشرين الأول عام 2014، حين خطفه عناصر من جيش النظام ونقلوه إلى خارج المدينة. وخلال تنقله بين مراكز الأمن التي لم يستطيع تمييزها أو تسميتها، استقر به المطاف في فرع الأمن العسكري 217 في دمشق، أو ما يسمّى فرع الموت. في هذا المكان بدأت القصة الحقيقية لمأساة الطفل الذي لم يتجاوز عمره الثلاثة عشر عاماً.

يقول: “بدأوا يضربونني منذ اللحظة الأولى لخروجنا من البلدة (داريا). ضربوني بأيديهم وأعقاب بنادقهم، ثم اقتادوني إلى المفرزة العسكرية القريبة. وبعد ساعات، عصبوا عيني واقتادوني إلى مكان آخر في دمشق حيث بقيت ثلاثة أيام من دون أن يخبرني أحد شيئاً. بعدها، نقلوني إلى فرع الأمن العسكري في المزة 217، وبقيت فيه ستة أشهر وعشرة أيام. طوال الرحلة إلى الفرع، لم يتوقفوا عن ضربي وشتمي. لكن الأسوأ بدأ في الفرع الجديد”.

يحكي أحمد، الذي يقيم حالياً في منطقة صحنايا في ريف دمشق، لـ”العربي الجديد”، بمرارة من لا يريد أن يتذكر مأساته هذه. يصف بصوته الخافت وحركات يديه النحيلتين التعذيب الوحشي الذي كان يتعرض له، بهدف الحصول منه على أي معلومة عن كل ما يدور في مدينته. بالنسبة للنظام، كان يعدّ صيداً ثميناً ومصدراً للمعلومات من داريّا، التي استطاعت أن تتحدى النظام وتمنع جيشه من اقتحامها على مدى أكثر من أربع سنوات.

يقول: “لم تتوقف أسئلة المحققين عند أفراد عائلتي فقط، بل كانت تتوسع وتتشعب لتطال الجيش الحر في داريا، عددهم، أنواع أسلحتهم، أنواع الذخائر، وأماكن تخزينها. حتى أنهم سألوني عمّا يأكله المقاتلون. لكنني لم أكن أعرف الكثير، وكلما قلت لا أعرف يزداد الضرب وتتنوع أساليب التعذيب. كنت أعود إلى الزنزانة بعدما تتورّم قدماي وأصير غير قادر على المشي. لكنّ المعتقلين كانوا يجبرونني على المشي على الرغم من صراخي أحياناً. كانوا يقولون إن ذلك قد يخفف ألمي. وقد جرى تعذيب بعض المعتقلين الذين ساعدوني”.

ليس بعيداً عن مكان إقامة أحمد، يقطن مهاب (53 عاماً)، وهو معتقل سابق في فرع الأمن العسكري 217. يحكي عن تجربته في المعتقل، ويروي قصّة طفلين كانا معتقلين هناك أيضاً. يقول: “كنّا معتقلين في زنزانة كبيرة ووصل عدد المحتجزين فيها إلى أكثر من 90 معتقلاً. لكل واحد من هؤلاء قصة مؤلمة، لكن الأكثر إيلاماً كانت قصص الأطفال”.

يتابع الشامي لـ”العربي الجديد”: “خلال فترة اعتقالي التي دامت نحو شهر، كان في زنزانتي أربعة أطفال. في أحد الأيام، أحضر السجان طفلين، أحدهم من الميدان وعمره 12 عاماً، والآخر من يلدا في ريف دمشق، وعمره 14 عاماً. حين دخل الطفلان إلى الزنزانة، كانا في حالة رعب شديد ويبكيان بشكل هستيري، وقد بقيا على هذه الحال لساعات. حاولتُ برفقة أحد المعتقلين التخفيف عنهما. جلسنا إلى جانبهما وتكلّمنا طويلاً بما اعتقدنا أنه قد يفيد، لكنهما استمرا على هذه الحالة. ولم نعرف عنهما إلا الاسم والعمر ومكان الإقامة. وبعد ساعات، استدعانا المحقق وضربنا وهددنا بتلفيق تهمة التحرش بالأطفال إن اقتربنا منهما مجدداً. قال إنه يريدهما أن يشعرا بالخوف حتى يتكلّمان. وفي الليلة نفسها، نقلهما الضابط إلى مكان آخر ولم أعرف عنهما شيئاً”.

يضيف الشامي أنه في مرة أخرى، أحضر السجان طفلين آخرين. كانا شقيقين من منطقة الميدان في دمشق، وقد اعتقلا من محل والدهما التجاري بتهمة تهريب العملة. قبض عليهما وفي حوزة كل منهما بعض المال. لم يكن الأصغر سناً قد تجاوز الـ11 عاماً، فيما كان عمر الأكبر 15 عاماً. يقول: “لن أنسى يوماً ما تعرضا له من تعذيب. كنا نسمع صراخهما من غرفة التحقيق. عُذّبا بطريقة لا يتصورها عقل بهدف الحصول على معلومات عن أقاربهما في الحي، بعد اتهامهما بأنهما يديران شبكة لتحويل وتهريب العملة”.

غرف التحقيق

باتت حواجز النظام المنتشرة بكثافة في المدن التي يسيطر عليها، وخصوصاً في الشوارع القريبة من المناطق المؤيدة للثورة، بمثابة فروع أخرى للتحقيق والتعذيب في بعض الأحيان. ولا يتوانى العناصر الموجودون على الحواجز عن كيل الشتائم والاتهامات لكل من يحمل على هويته اسم منطقة “مغضوب عليها”.

حسام (15 عاماً)، من مواليد مدينة الحراك في درعا. أوقفه حاجز نهر عيشة في دمشق في سبتمبر/ أيلول عام 2015، لمجرد وجود اسم الحراك على دفتر العائلة الذي يحمله. يقول حسام: “بعد التفتيش، اكتشف عناصر النظام أن لي شقيقاً منشقاً عن جيش النظام. عندها، بدأت الشتائم والنعوت بأكثر الألفاظ بذاءة، ثم سحبني أحد العناصر إلى المفرزة الأمنية القريبة، وراح يضربني حتى سقطت أرضاً وبدأ الجميع بركلي. بعدها، أمسكني أحدهم ووضعني على الكرسي لتبدأ التحقيقات. لم أكن أعرف شيئاً عن أخي لكنهم انهالوا عليّ بالأسئلة عن مكانه وعن تواصله مع والديّ. استمر التحقيق مع الضرب لأكثر من ساعة، لكنني لم أكن أملك معلومات لأعطيها لهم. منذ ذلك الوقت، التزمت المنزل الذي نزحنا إليه في السبينة (جنوب دمشق)، ولم أعد أغادره إلا عند الضرورة القصوى”.

ما حصل مع حسام يتكرّر مع مئات العابرين على حواجز النظام في دمشق وحماه والسويداء واللاذقية. ويتحول أي مشتبه به إلى مصدر يمكن الحصول من خلال تخويفه وضربه على معلومات عنه أو عن أي فرد مطلوب من أفراد عائلته. أمورٌ مماثلة تتكرر أيضاً خلال مداهمات قوات النظام للأحياء والمدن السورية. ووصل حجم استغلال الأطفال إلى حد اغتصابهم أمام ذويهم للحصول على معلومات عن المطلوبين من العائلة أو الجيران، كما حدث مع أبو سليم من مدينة دوما. اغتصب أحد عناصر المداهمة ابنه (9 أعوام) أمام كل أفراد العائلة الموجودين في البيت بهدف معرفة مكان اختباء الابن الأكبر المتهم بتغطية التظاهرات والمعارك إعلامياً والتواصل مع القنوات الفضائية.

تطويع الأطفال في حزب البعث

في نهاية عام 2014، أبلغت مديريات التربية في حمص وحماه، وبأمر من القيادات الحزبية والأمنية، المدارس الإعدادية والثانوية بضرورة تجنيد التلاميذ طواعية في كتائب أمنية لصالح فروع الاستخبارات تحت اسم “التطويع في حزب البعث وكتائبه”. وعمد عدد من المسؤولين الأمنيين المقرّبين جداً من النظام إلى زيارة المدارس والحديث عن أهمية التطوع لـ”حماية الوطن”. بعدها، افتتحوا معسكرات تدريبية ضمن فعاليات “اتحاد شباب الثورة” وما سمّوه حينها بـ”وحدات حماية المدارس”.

من خلال هذه الفعاليات، جذب النظام عدداً من المراهقين ممّن هم دون السادسة عشرة، من خلال تقديم إغراءات مختلفة مادية ومعنوية، وزرع معتقدات ومفاهيم طائفية. من بين تلك الإغراءات، حصول المتطوع على بطاقة تمنح حاملها مميزات داخل المدينة وسلطة على أهلها، وتعفيه من الدوام المدرسي. وكانت السلطات الأمنية المسؤولة عن المشروع تطلب من المتطوعين التجسس على جيرانهم وأحيائهم وعائلاتهم، قبل تحويلهم إلى مقاتلين مخلصين في صفوفه.

وتجدر الإشارة إلى أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثّقت استشهاد 18858 طفلاً سوريّاً على أيدي قوات النظام في سورية، بينهم 582 طفلاً قتلوا برصاص قناص، وما لا يقل عن 101 طفل بسبب التعذيب. ونشرت تقريراً بعنوان “أطفال سورية الأمل الغريق” نهاية عام 2015، جاء فيه أن “قوات النظام اعتقلت ما لا يقل عن 10413 طفلاً، وأن ما لا يقل عن 1850 طفلاً مختفين قسرياً”.

وفي وقت سابق، نشرت الأمم المتحدة تقريراً حول الوضع المأساوي الذي يعيشه الأطفال في سورية، لافتة إلى اعتقال القوات الحكومية أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم 11 عاماً، لارتباطهم المزعوم بالجماعات المسلحة، خلال حملات اعتقال واسعة النطاق.

العربي الجديد

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

15 − = 8

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...