صفحات العالم

عن سقوط شيخ وصعود مطرب


سامر فرنجيّة

شكّلت تظاهرة السلفيين في لبنان المناهضة للنظام السوري، والرد البعثي عليها الداعم للمجازر، الحدث الأبرز في السياسة اللبنانية الغارقة في متاهات قوننة المليارات المصروفة. هكذا توافد زوار جدد على الساحات البيروتية، التي كانت حتى الأحد الفائت حكراً على قوى الثامن والرابع عشر من آذار، قادمين من أطراف البلد والسياسة إلى قلب العاصمة والحدث. وعاش البلد فترة ترقّب، متوقعاً غزوة بيروت على أيدي جيوش سلفية، كما روج لها إعلام الثامن من آذار على مدى أسبوعين.

لكن مرّ يوم الأحد، وكأنه لم يكن، فبدا أن الوافدين الجدد، من السلفيين والبعثيين، ليسوا غرباء عن تلك الساحات أو عن السياسة اللبنانية. فهم تظاهروا فيها من قبل، وإنْ تحت شعارات أكثر ألفة أو ضمن تحالفات أوسع. وكانوا دوماً حاضرين في الخطاب السياسي، بوصفهم الحقيقة المرئية لكل طرف في مرآة خصمه. فأصل قوى ١٤ آذار هو الإسلام السلفي، كما كرر العونيون على مدى السنوات الأخيرة. أمّا المقولة المقابلة، فقامت على اعتبار النظام البعثي هو المحرك الأساسي لتحالف الثامن من آذار، ونتيجته الحتمية. بهذا المعنى، لم تشكّل تظاهرات الأحد تجاوزاً للاصطفافات القديمة أو حقيقة القوى المتصارعة، بل شكّلت تجسيداً لنظرات كل من الطرفين للآخر. فمن تظاهر يوم الأحد لم يكن البديل عن تلك القوى السياسية، بل مخاوفها من بعضها بعضاً.

أبعد من ذلك، أكدت تظاهرات الأحد تشابك القوى المتصارعة في لبنان وتداخلها الرمزي، على شكل يشبه نظرية الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار القائمة على مقولة «الرغبة المحاكية». وتمثلت هذه الرغبة المتنّقلة في مسيرة الشيخ الأسير نفسه، وصعود نجمه الذي لا يُفسّر إلاّ من خلال علاقته بصورة حسن نصرالله والضعف الرمزي لتيار المستقبل. ذاك أن هذا التيار فشل في مواجهة جاذبية القائد المقاوم، فضلاً عن عدم إمكانيته بلورة خطاب مضاد في وجه العمارة الأيديولوجية لـ «حزب الله». وفي ظل الفراغ الرمزي الذي خلفه هذا الفشل، تنامت الرغبة في زعيم، صفته الوحيدة أنه يشبه زعيم الخصم، وهي رغبة أخذت تتعمق مع كل نكسة أو خسارة على أيدي هذا الخصم نفسه. فالأسير محاولة لصناعة ذاك القائد، والدلالة الأولى على تعميم نموذج «حزب الله»، بعد فشل مقاومته.

ومرّ يوم الأحد ولم نشهد ولادة زعيم من خارج السرب السياسي التقليدي. ترك الشيخ الأسير صيدا سلفياً، ووصل إلى بيروت حوارياً، طالباً الحماية من المسيحيين، ومتخوفاً من هجرتهم. وضاع الشيخ في زواريب المؤامرات الخارجية التي يؤكدها، وفق تحليله، غياب التدخل الأجنبي في سورية، المرفوض أصلاً كونه جزءاً من المؤامرة الخارجية ذاتها! فأعاد تكرار التباس تيار المستقبل وتناقضاته، مؤكداً أن التطييف، وإن كان جذاباً لبعضهم، لن يشكّل مخرجاً من المأزق السياسي لتلك القوى. لكن فشل الشيخ السلفي لن يلغي التحدي الذي رفع في وجه تيار المستقبل، إذ أثبتت هذه التظاهرة وجود طرف سنّي أكثر عداء للخصم الداخلي والإقليمي، غير مبالٍ بتفاهات المعارضة الداخلية، وقادراً على أن يصوب الخطاب السياسي، وأن يتجاهل المحكمة وزيارة الضريح، في آن.

أكد تحول الشيخ السلفي في مسيرته البيروتية صلابة النظام الطائفي، وشكّل انتصاراً للأيديولوجية اللبنانية على أكثر أعدائها تطرفاً، إذ لم تؤسلَم الساحة، بل لُبنِن السلفي. لكن هذه المفاجأة السارة لم تشف غليل داعميه الضمنيين داخل قوى الثامن من آذار. فحظي الشيخ الصيداوي بتغطية استثنائية من إعلام تلك القوى، وهلّل العونيون له كنموذج للمسلم السنّي المخيف. وما لم يلحظه داعمو هذا التيار أن حليفهم البعثي بدا أكثر سلفية وعنفاً من الإسلامي السلفي. والأهم من ذلك، وهو ما أغفله إعلام تلك القوى، أن تيار المستقبل نبذ تطرف الأسير، ما لم يستطع فعله التيار العوني وحلفاؤه مع من واجه الأسير، أي البعث. وهنا تكمن استحالة التسوية في لبنان، في رفض بعضهم نبذ مخاوف الطرف الثاني، وملاقاة رفض التطرف الداخلي برفض الخطر الإقليمي. فإذا قدّم نفسه الأسير «ضحية فدائية» للسلم الأهلي، كان من المفيد أن يُقدم البعث ضحية مقابلة لهذا السلم.

مرّ يوم الأحد إذاً من دون مفاجآت، مكرراً النزاعات القديمة، ومؤكداً صلابة المواجهة الحالية واستحالة تجاوزها قبل حل المشكل السياسي المركزي، أي سلاح «حزب الله» والعلاقة مع النظام البعثي. لكن النهار لم ينته من دون مفاجأة واحدة، بطلها لم يكن الأسير أو البعث، أو حتى متعهد الحفلة وزير الداخلية، بل… المطرب فضل شاكر. فالمغني الشعبي كسر الحاجز الذي يفصل بين الفن، بخاصة التجاري منه، وبين السياسة، من خلال دعمه العلني والصريح للشيخ السلفي وللثورة السورية. فإذا استثنينا «الفنانين الملتزمين»، الذين عادة ما يكونون يساريين أو قوميين (وصمتهم تجاه المذبحة السورية يشكك بكل مواقفهم السابقة)، تقول القاعدة الذهبية للفن بابتعاده عن السياسة، أو ما يوازيها من دعم فلسطين. وبناء عليه، حام العالم الفني فوق الواقع السياسي من دون أي رابط، متواطئاً في لعبة رفض تمثيل السياسة ومشاكلها في الفضاء العام.

ضرب موقف فضل شاكر الواضح هذا القانون بعرض الحائط، وأظهر ركاكة هذا الفضاء الذي يهرب من الواقع، لينتهي مجرد إحياء للحفلات. كما أنه فضح صمت بعضهم والتباس آخرين في موقفهم من الثورة السورية من خلال موقفه المُكلف. وشكّل الدين، الجسر لعبور هذا الحاجر، وفتح الباب أمام نوع جديد من الفن الملتزم. وواحدنا قد لا يوافق على كل ما قاله الفنان الملتزم الجديد، أو على منطلقاته، إلا أنّ من الصعب إنكار شجاعته و «ثوريته» في خرق الحواجز الأيديولوجية للسياسة اللبنانية.

مرّ يوم الأحد، ولم نشهد ولادة زعيم سنّي جديد، بل شهدنا بوادر فن ملتزم جديد، وإنْ على مقدار من الالتباس لا يوازيه إلا التباس فناني الالتزام الذين ما زالوا يدعمون الطاغية بصمتهم.

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى