الرئيسية / صفحات سورية / ماهو نوع المعايير والمقاييس التي يستخدمها الطغاة في فهم – محبة الشعوب لهم-؟

ماهو نوع المعايير والمقاييس التي يستخدمها الطغاة في فهم – محبة الشعوب لهم-؟

 


فلورنس غزلان

:” إذا تبين لي أن الشعب السوري لايريدني، فسأستقيل وسأعود للعيش في المنزل الذي نشأت فيه ، لدي عائلة وابناء وأصدقاء من أيام الدراسة وهذا يكفيني”..!!

هذه العبارات جاءت على لسان بشار الأسد في مصارحة جرت بينه وبين وفد اختير من أهالي جوبر لمحاورة الرئيس ــ بناء على أن النظام يسعى للحوار مع الشعب وأخذ رأيه، رغم أن اختيار المحاورين تقوم به دوائر الأمن، وقد جاء هذا الكلام على لسان من كتب حول هذا الحوار على صفحات الفيس بوك السيد ” بشار شعبان”..وبناء عليه أتوجه إلى السيد بشار بن حافظ بن الأسد وأقول:ــ

كل هذا الموت وكل هذا الدم ، وكل هذا الكم من الخراب الاقتصادي، وهذه التكاليف الباهظة التي يتكبدها الوطن في استجرار المزيد من القوات العسكرية والذخيرة على مختلف أنواعها، والتي دفع المواطن من لقمة عيشه ثمناً لها من أجل استعادة الجولان وحماية أرض الوطن ودحر عدوانه…لكنها بقيت في صناديقها محفوظة بعناية لتحرير الوطن من أبنائه، ولقتلهم بدم بارد متنقلين بالمدرعات وناقلات الجنود وأحدث الآليات والحوامات من أجل إفناء البلد!!، في وقت كان المواطن فيه يحترق ويتحرق رداً لعدوان والثأر لكرامة تُستباح على يد العدو الصهيوني في” عين الصاحب ودير الزور واللاذقية والجولان “!..لكنها تصمت أمام الاستباحة وترقد وتتخاذل أمام جرح الكرامة ،وتُدخل رأسها في أكمامها بوجه العدو..فمابالها ترفع شارات النصر فوق جثث أبناء البلد بعد أن تُشَوه معالمها وتفلسف وتزور طريقة موتها ؟!

كل هذا والسيد ابن السيد لم يفهم بعد أن الشعب لايريده..يعتقد أنه من الصنف الذي لايمكن أن يكرهه الشعب..أو هكذا صُوِّر إليه كَذَب وكذب وكُذِب عليه إلى أن صار الكذب من المقدسات، ممنوعاً من الصرف… ومحبة الشعب أمراً مفروغاً منه! ..لأن كل مافعله أبوه وما ورثه عنه وما أكمله من بعده خير بخير وفعل خير ومنفعة وطنية!!..أتساءل..كيف يقيس الطغاة حب الناس لهم؟

لا أستطيع في هذا الخضم إلا أن أتذكر نوعاً آخر من الديكتاتوريات العربية المحبوبة جداً من شعبها!…المرحوم” صدام حسين” حين أتم محبة الشعب له بالتمام والكمال ولم يبقَ عراقي واحد لم يحبه ولم ينتخبه فحصل على نتيجة 100%، بينما حصل في كل مرات الاعادة والتكرار وحتى النهاية..شقيقه اللدود حافظ الأسد على ( 99,9% )، وعلى هذا الأساس فمن غير المعقول أن يتصور بشار الأسد أنه أدنى بدرجة ممن ورث عنه محبة الناس!..ومن أورثه عرش المحبة فتربع وشبع وتبرطع فوق ظهور أبناء سورية من شدة محبتهم وتفانيهم به!!، ألم يُسمعوه بمناسبة وبدون مناسبة أن ” الله ، سوريا، بشار وبس”!!!فكيف يمكنه أن يصدق أن هذه المحبة وهذا الشعار قد تحول إلى ” الله، سوريا ، حرية وبس”؟!..الغريب في الأمر أنه لو سأل نفسه ورآها في مرآة الذات ولو لمرة واحدة..ألا يعقل أن يكون هذا نفاقاً وخوفاً ورعباً؟..لماذا لم يجرب الخروج للشعب حتى اليوم وقد انقضى على أحداث الانتفاضة ثلاثة أشهر؟!.

لماذا لايذهب ويرى بنفسه مقدار محبة الناس له ..وعلى سبيل المثال …أن يذهب لدرعا المنكوبة أو حماة المصابة لمرتين ….لجسر الشغور الخالية من سكانها.. للرستن ودير الزور وحمص..ويتجول بشوارعها دون أمن وحراسة؟ ..حينها وحينها فقط يمكنه قياس مقدار محبة الشعب السوري له!..أليس هذا ماصوره رجال الأمن المتخفيين بثياب موظفين..حين أجرى أشهر صحافيين في باريس السيدان مالابار وبرنارد فايو ( 23/6/2009) حواراً معه ومع زوجته ــ التي لاتظهر على مسرح الأحداث منذ الانتفاضة !ــ وصوروا حياته العائلية” المتواضعة وعلاقته بشعبه ومحبة هذا الشعب له لدرجة أنه لايُسمح لطالب في مدرسة ” الفرير”، التي كان يدرس فيها أن يجلس في مكانه حتى اليوم”!!!، موضحين حينها …”أنه رجل إصلاحي ، لكنه محاط برجال من مدرسة الأب القديمة ، التي من الصعب عليها أن تتقبل التغيير والاصلاح…لكنه سينجح ربما..، باعتباره شاب وتعلم في الغرب “!!، وهاهي الدولة التي فتحت له باب الاعتراف وكسرت حاجز الحصار ..تعود لتطالب مجلس الأمن بإدانته وإدانة أسلوبه في التعاطي مع الاحتجاجات المشروعة للشعب السوري وتلحق بها كل الدول الأخرى ، التي اتبعت خطى الانفتاح على نظام عقله مغلق.. مغلق ، وعصي على كل تطور وتغير…لأنه يعني فناءه، وهاهو اليوم يرفض حتى الاعتراف بأن في وطنه شعب..وهذا الشعب له حقوق في الحرية، لدرجة أن الحرية أصبحت سُبة وشتيمة على لسان شبيحة النظام يعاقب عليها كل متظاهر ويذوق من أجلها كل صنوف التعذيب والهوان..

مازال النظام ورأسه يعتقدون أنهم قادرون على الإمساك بزمام الأمر والتحكم ثانية بمصير 23 مليون سوري..كسروا حصار الخوف وتخطوا كل حواجزه قفزاً، وراحوا يعدون في حقول الهواء الطلق يتنشقون أكسجين الحرية ، التي تدخل للمرة الأولى رئتيهم ويعرفون طعمها ، يسمعون وللمرة الأولى صدى أصواتهم ..وأن لهم حناجر يمكنها أن تطلق العنان لأناشيد الحرية.

لكن عقلية القرن الماضي وعبثية الفكر المتحجر وأيديولجية التعصب الأعمى، وتغلب مصالح الجيب والمال المنهوب على المصالح الوطنية ، وتفوق العصبية المذهبية على الوطنية، تحول دون أي تقدم أو تطور وتبعث في نفس سلطة كهذه الشعور بالرعب مما يجري، فالقضية بالنسبة لهم أصبحت قضية وجود أو لاوجود…قضية ثأر حاقد على المختلف..قضية عمى للمخالف ..قضية رُبطت فيها الوطنية منذ عقود أربع ونيف بالنظام وتماهت معه وتجسدت خطاه…وحدت اللون والطيف السياسي ومنعت كل الألوان الأخرى من التداول في عالم السياسة، فكيف يمكنها أن ترضى وترتضي بالمغاير؟..حين يطالعنا السيد ” محمد سعيد بختيان” بأن المادة الثامنة من الدستور خطاً أحمر، ثم بعد أن ذاع صيت خطه الأحمر ولاقى الكثير من الاستهجان …بأن مفهوم التغيير في نظام كهذا كاذب ومماطل واتخذ من قوله مثالا واضحاً….راح يقول:” أن اتهامات وصلته بسبب التفسير لماقاله عن هذه المادة” …التفسير لما قاله!!! كيف يمكن التفسير ياسيد بختيان وأنت من شدد على أن هذه المادة عصية على التغيير…فهل هناك وضوح أكبر؟..خاصة حينما تعود للقول بأن:” مايجري في الشارع لم يعد مقبولاً بعد أن استجابت الدولة لكل المطالب، والتظاهر من قبل هؤلاء لم يعد من أجل المطالب المحقة كما يدعون، متسائلاً …مَن هذا الشعب الذي يريد إسقاط النظام”!!..

ثم أسأله كما أسأل رئيسه المشكك في امكانية انهيار شعبيته المزيفة أصلاً والقائمة منذ البداية على الغش والخداع واللاشرعية، ماذا تنتظر ياسيادة الرئيس لتوقف هذا الزحف الأعمى الذي يحصد أرواح المواطنين السوريين؟ ماذا تنتظر وقد مر كل هذا الوقت على حلولك الأمنية غير المجدية ، بل المدمرة للبلد ولاقتصاده، والتي يمكنها إن استمرت بهذه البربرية أن تهدم كل أواصر الربط والأخوة بين أبناء الوطن الواحد، والتي يسعى المنافحين عن نظامك وعن نفوذهم ومصالحهم …لا عن مصالح الشعب السوري ومستقبله وتوقه للحرية والديمقراطية وبناء سوريا للجميع…هؤلاء يريدون الإطاحة بالوطن إن لم يقبضوا عليه وعلى رقاب عباده عبيداً أذلاء، ولم يعد بمقدورهم أن يتصوروا وطناً يقوم بدونهم..وبدون الولاء لك ولهم…أما آن الأوان لوقف حمام الدم السوري …؟ ألم تسمع بعد صراخ الأطفال والنساء والشباب ” مامنحبك مامنحبك ..حل عنا انت وحزبك “؟…لكن الغريب في الأمر هو هذه الثقة بأنه بإمكانك بكل بساطة العودة كمواطن سوري يعيش في البيت ، الذي نشأ فيه!!..وهذه الجرائم المرتكبة…وكل هذه البشاعات الهمجية ..كل هذا الدم ..الذي وصل عنفه المفرط للأطفال..لتعذيبهم وقتلهم بوحشية يندى لها جبين أشد العتاة…فأين أنت من المسؤولية؟ ألست رئيس هذه البلاد حتى اللحظة؟..كيف يساورك أن تخرج هكذا دون أن تمُسُكَ شعرة …دون أن يحاسبك ضميرك..أو دون أن تقف بمواجهة محاكم الشعب عما أعطيت من أوامر وعما أصدرت من مراسيم لافاعليه لها على الأرض ..ومازلت تعتقد أن حلولاً ترقيعية يمكنها أن تبقيك على رأس الدولة السورية؟!!

أنا المواطنة المُبعَدة منذ مايزيد على ربع قرن…أنصحك أن تراعي الضمير ..إن بقي عندك منه شيء..أن تقف وقفة رجل مع نفسك..مع وطنك…أن ترحل ..لتجنب البلاد المزيد من المآسي ومن التشرد…ومن التقسيم الذي يهدد سوريا أو من الفوضى ، التي تريدها ومعاونوك، وتسعون إليها سعياً …فكلما طال أمد البطش والعنف ..كلما تعقدت الأمور أكثر وجرت البلاد إلى ويلات أكبر ومصائب يصعب بعدها أن تلتئم فيها الجراح…وهذا مالايريده الثوار ويرفضون الانجرار إليه..وأعتقد أنه يستحسن الانصياع للبنود التي طرحتها اللجان المحلية لتنسيقيات الثورة السورية..من أجل إنقاذ البلاد ونقلها من هذه الهوة التي يمكنها أن تودي بها أو من حالة الاستعصاء ..ولتجنيب البلاد حالة الفوضى..فماطرحه الشباب في التنسيقيات ينم عن وعي عالٍ وكبير ومسؤولية تجاه الوطن تنقله من أزمته ومن حالة الاستبداد لحالة الحرية والديمقراطية ..لدولة مدنية ..دولة الحق والقانون والعدالة والمساواة الاجتماعية لكل مكونات الشعب السوري.

ــ باريس 14/06/2011

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

71 − 68 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...