الرئيسية / صفحات العالم / مقالات تناولت أزمة الفساد في تركيا

مقالات تناولت أزمة الفساد في تركيا

فتح الله غولن.. خلاف المعلم وتلميذه

تأثر بالنورسي فلم يتزوج مثله… والتعليم والإعلام سلاحاه الأساسيان

لندن: ثائر عباس

ينشغل الرأي العام العالمي حاليا بالصراع الدائر في تركيا بين رمزين من أبرز رموز تركيا الإسلامية، هما رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان الذي يمثل «إسلام الأمة»، والداعية فتح الله غولن الذي يمثل «الإسلام القومي» التركي. الرجلان كانا معا في معركة وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا، وازدهار النموذج التركي، قبل أن يتباعدا وصولا إلى حافة المواجهة المباشرة بين التلميذ والأستاذ الذي بينت الأحداث الراهنة أن له قوة لا يمكن الاستهانة بها داخل النظام، جمعها خلال سنوات التوافق، ليستعملها الآن في مواجهة إردوغان على طريقة «خبئ قرشك الأبيض ليومك الأسود».

فالمواجهة القائمة الآن في تركيا، بعد انطلاق موجة «محاربة الفساد» الذي يتهم أنصار الحزب الحاكم جماعة غولن في داخل الشرطة والقضاء بتنفيذه، تظهر أن الأمور وصلت إلى أبواب المعركة، وهي معركة سوف يستخدم فيها الطرفان كل ما لديهما من إمكانات. وبينما يسود على نطاق واسع تعبير يصف نجم الدين أربكان بأنه أستاذ رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان، إلا أن العارفين ببواطن الأمور يقولون إن غولن هو الأستاذ الحقيقي لرئيس الوزراء، ومنظر مشروعه في الحكم. وكان إردوغان وصف غولن في أكثر من مرة بـ«أستاذي».

بخلاف نجم الدين أربكان الذي يعد أبا الإسلام السياسي في تركيا، فإن غولن هو أبو الإسلام الاجتماعي. فحركته تمتلك مئات المدارس في تركيا، ومئات المدارس خارج تركيا، بدءا من جمهوريات آسيا الوسطى، وروسيا وحتى المغرب وكينيا وأوغندا، مرورا بالبلقان والقوقاز. كما تملك الحركة صحفها ومجلاتها وتلفزيوناتها الخاصة، وشركات خاصة وأعمالا تجارية ومؤسسات خيرية.

ويعتبر غولن من المنظرين الأساسيين للإسلام التركي الحديث القائم على «المرونة والبعد عن التعصب والتشنج». ووصلت هذه الحركة إلى ذروتها في الاجتماع الذي عقد في الفاتيكان بين الشيخ غولن و‏البابا إثر دعوة من الأخير. يقول غولن إنه «آمن بأن العالم أصبح – بعد تقدم وسائل الاتصالات – قرية عالمية، لذا فإن أي ‏حركة قائمة على الخصومة والعداء لن تؤدي إلى أي نتيجة إيجابية، وإنه يجب الانفتاح على العالم بأسره، ‏وإبلاغ العالم كله بأن الإسلام ليس قائما على الإرهاب، كما يصوره أعداؤه، وأن هناك مجالات واسعة ‏للتعاون بين الإسلام والأديان الأخرى». وقد صورت الكثير من الصحف الغربية غولن كزعيم حركة اجتماعية إسلامية قومية غير معاد للغرب، ووجه المستقبل للإسلام الاجتماعي في الشرق الأوسط.

وهكذا لقيت حركة غولن ترحيبا غربيا تميزت به حركته عن باقي الحركات الإسلامية في المنطقة والعالم. فبينما كان أربكان يرى أميركا عدوا للعالم الإسلامي بسبب تحكم «الصهيونية العالمية» في صنع القرار فيها، فإن غولن يرى أن أميركا والغرب عموما قوى عالمية لا بد من التعاون معها. ويرى أربكان ضرورة الوحدة بين العالم الإسلامي، بينما لا ينظر غولن إلى العالم العربي وإيران بوصفهما المجال الحيوي لتركيا، بل يعتبر القوقاز وجمهوريات آسيا الوسطى والبلقان هي المجال الحيوي لتركيا، فهذه البلدان تضم أقليات تركية هامة، وهو يرى أنه إذا كان لتركيا يوما ما أن تعود لمكانتها بوصفها واحدة من أهم دول العالم، كما كانت خلال الدولة العثمانية، فلا بد من نفوذ قوي لها وسط الأتراك في كل مكان في العالم.

ويرى رئيس معهد الفكر الاستراتيجي البروفسور ياسين أكتاي، أحد منظري حزب العدالة والتنمية، أن التأييد الغربي سببه أن تلك المدارس والمؤسسات لا تؤثر سلبيا على النظام الأميركي العولمي، وبما أنهم لا يعملون أي شيء يضر المصالح الأميركية في تلك المدارس والمؤسسات فلمِ لا؟ كما أننا لا نعرف إذا كانت هناك علاقات سرية بين الجماعة وأميركا. ورغم أن أكتاي يرفض الخوض في «نظرية المؤامرة» التي تقول بأن غولن يعمل لصالح الولايات المتحدة، فإنه يطرح أسئلة كثيرة على هذا الصعيد، خصوصا وأنهم يبتعدون ليس فقط عن الصدام مع إسرائيل بل يبتعدون كل البعد عن حتى الانتقاد لها أو التلميح بالانتقاد لإسرائيل لما تقوم به من أعمال إرهابية في المنطقة.

ولا يفضل غولن تطبيق الشريعة في تركيا، فهو يقول إن «الغالبية العظمى من قواعد الشريعة تتعلق بالحياة الخاصة للناس، بينما الأقلية منها تتعلق بإدارة الدولة وشؤونها، وإنه لا داعي لتطبيق أحكام الشريعة في الشأن العام». ولهذا يرى أن «الديمقراطية هي أفضل حل»، ويعادي «الأنظمة الشمولية في العالم الإسلامي. ولد محمد فتح الله غولن في 27 أبريل (نيسان) عام 1941 في قرية كوروجك التابعة لقضاء حسن قلعة‏ بمحافظة أرضروم. ويبدو جليا تأثير والدته، السيدة رفيعة، على ابنها. وهي كانت معروفة بتدينها والتزامها الديني العالي، وهي من بث التدين فيه منذ أيامه الأولى، علمته القرآن وهو لما يتجاوز الرابعة من العمر، إذ كانت توقظه منتصف الليل لتدرسه إياه. ويقال إنه ختمه في شهر واحد.

أما والده، رامز أفندي، فكان بدوره من المتدينين، وكان بيته يعج بضيوف من العلماء والمتصوفين المعروفين في تلك المنطقة، لذا تعود محمد فتح الله مجالسة ‏الكبار والاستماع إلى أحاديثهم. وقام والده بتعليمه اللغة العربية والفارسية.

درس في المدرسة الدينية في طفولته وصباه، وكان يتردد إلى التكية أيضا، ودرس على أيدي علماء معروفين أبرزهم عثمان بكطاش الذي كان من أبرز ‏فقهاء عهده، حيث درس عليه النحو والبلاغة والفقه وأصول الفقه والعقائد. وفي أعوام دراسته قرأ أبرز مؤلفات العلامة بديع الزمان سعيد النورسي، المعروفة برسائل النور، وتأثر بها كثيرا، وقد وصفها لاحقا بأنها «حركة تجديدية وإحيائية ‏شاملة». السبب في إعجابه بأفكار النورسي – كما يقول مصطفى يشيل، وهو رئيس وقف الصحافيين والكتاب، الذي أنشأه غولن – هو أن النورسي من أبناء هذه الأرض وهو أيضا ركز على المعضلات التي تعيشها وأيضا أوجد الحلول التي تتلاءم مع تلك المنطقة، كما استفاد من أفكار الرومي ويونس آمرة والكثير من المفكرين منذ بداية العهد الإسلامي.

عندما بلغ العشرين من عمره عين إماما في جامع أوج شرفلي في مدينة أدرنة حيث ‏قضى فيها مدة سنتين ونصف سنة في جو من الزهد، حيث قرر المبيت في الجامع وعدم الخروج إلى ‏الشارع إلا لضرورة.‏ بدأ عمله الدعوي في أزمير في جامع «كستانه بازاري» في مدرسة تحفيظ القرآن التابعة للجامع. ثم عمل ‏واعظا متجولا، فطاف في جميع أنحاء غرب الأناضول. كما كان ‏يرتب المحاضرات العلمية والدينية والاجتماعية والفلسفية والفكرية.‏ ويقول مصطفى يشيل إنه في تلك الفترة لم يكن من المألوف أن يدخل أبناء جيله من الشباب في مثل هذه المعمعة ليعيشوا على أصول وتعاليم دينهم، فهذا شيء ليس بالبسيط ولا بالسهل في تلك الفترة». ويقول إن زملاءه الذين عايشوه في تلك الفترة يذكرون بأنه كان ذكيا جدا ولا يضيع فرصة للقراءة مهما كان نوع الكتب، إلى جانب أنه لم يهمل الطرف الاجتماعي في حياته حيث كان يزور من حوله من الأصدقاء، وكان محبوبا من محيطة ومن أبناء الحي الذي يقيم به، وأيضا كان يقيم علاقات جيدة من كبار المسؤولين ووجهاء تلك المناطق التي يعين بها».

يتركز معظم نشاط غولن في مجالي التعليم والإعلام، فهو أنشأ الكثير من المدارس وأصدر الجرائد والمجلات وإنشاء المطابع، بالإضافة إلى محطة إذاعة وقناة تلفزيونية. وبعد انهيار الاتحاد ‏السوفياتي انتشرت هذه المدارس في دول آسيا الوسطى. ولا يقتصر نشاط الحركة على ذلك، بل يمتد إلى إقامة مراكز ثقافية خاصة بها في عدد كبير من دول العالم، وإقامة مؤتمرات سنوية في بريطانيا والاتحاد الأوروبي وأميركا، بالتعاون مع كبريات الجامعات العالمية من أجل دراسة الحركة وتأثيرها وجذورها الثقافية والاجتماعية.

ويقول أكتاي إن غولن يميل إلى التصوف في عبادته أكثر من اللزوم، مشيرا إلى أن زهده وتصوفه جعله يترك حياة الدنيا ووهب نفسه للعبادة والتصوف ولم يتزوج قط، بمعني آخر أوقف نفسه بكل معنى الكلمة للدين والعبادة، موضحا أنه يقتدي في ذلك بملهمه بديع الزمان سعيد النورسي لأنه هو أيضا وهب حياته للدين والعلم ولم يتزوج».

ويرى أكتاي أن هذه «خطوة تتناقض مع سنة النبي محمد الذي أوصى بالزواج والتكاثر ليتباهى بنا يوم القيامة أمام ربنا». وغولن لا يطلب من أتباعه عدم الزواج ولكنه يطلب من الذين يردون أن يهبوا أنفسهم للدعوة أن يحذوا حذوه على هذا الصعيد». ويشير أكتاي إلى أن عدم زواج النورسي «كانت له أسبابه الخاصة»، مشيرا إلى أنه خرج بعد سعيد النورسي الكثير من أتباع الطريقة النورية الذين التزموا عدم الزواج، وكان من بينهم فتح الله غولن.

ويقول أكتاي: «لو نظرنا إلى فتح الله غولن سنرى بأنه يعتنق إسلاما خاصا على الطريقة التركية يكون أقرب إلى الإسلام القومي أكثر منه إلى إسلام الأمة، مثله مثل سعيد النورسي الذي اختار نهجا في الإسلامي يختلف عن الإسلام العربي وإسلام أهل السنة. وهنا تظهر نقاط الاختلاف بينه وبين رجب طيب إردوغان الذي ينتمي فكرا وتطبيقا إلى مذهب أهل السنة وينظر إلى الإسلام من منظور الأمة جميعا بخلاف جماعة غولن التي تعتبر نفسها هي الممثلة للإسلام في تركيا وتلغي جميع الجماعات الأخرى، وهذا يمنعهم من تطوير أي فكر يشمل الأمة جميعا، ولهذا نرى بأنهم غير ممتنين لتقارب تركيا مع العالم العربي، كما أنهم أعلنوا جهارا عن امتعاضهم من تضامن تركيا مع حقوق الشعوب العربية وعلى رأسها الشعب الفلسطيني، وأعلنوا عن رفضهم لإرسال تركيا سفينة مرمرة إلى غزة وانتقدوا سياسة حيال إسرائيل وأعلنوا أنه ليس من صالح تركيا أن تخوض صراعا مع إسرائيل، معتبرا أن مصالح الجماعة مرتبطة مباشرة مع إسرائيل ويعتبرون أنفسهم أقرب إلى إسرائيل من العرب، والسبب في أخذ الجماعة مثل هذه المواقف يأتي بتعليمات من فتح الله غولن نفسه، الذي يحثهم على عدم المساس بالمصالح الإسرائيلية أو الابتعاد عن انتقادها والدخول معها في صراع».

وفي المقابل يقول يشيل إن اتهام جماعة غولن بالابتعاد عن السنة النبوية يصدر عن من «لم يقرأ كتب وفكر غولن». ويقول: «لو نظرنا إلى الفكر وأسلوب حياته لوجدنا أنها تتوافق تماما مع السنة النبوية التي كانت تطبق أيام السلف الصالح، وهو يتابع ويحاول بكل السبل أن يطبق أسلوب حياة الحبيب المصطفى (عليه الصلاة والسلام)».

ويرد أكتاي السبب الحقيقي لخلاف غولن مع الحكومة إلى أن «الجماعة تريد أن تكون هي المتحكمة الأساسية، وبأن تكون السلطة الفعلية في البلاد، ولهذا تريد أن تقيم أو تنشئ دولة موازية (خفية) في تركيا على أنقاض الدولة الخفية القديمة التي جفف منابعها إردوغان، ولهذا كانوا يرغبون في الإطاحة بـ(رئيس الاستخبارات التركية) هاكان فيدان لتعيين رجل مقرب من الجماعة، لافتا إلى تقاطع بين الجماعة وإسرائيل التي كانت من أكثر الدول التي تنتقد فيدان… وهذا دليل آخر على نوع العلاقة بين الطرفين». وتوقع أكتاي أن يسحب إردوغان كل المرشحين المنتمين إلى الجماعة من لوائح الحزب، مشيرا إلى أن الاستقالات التي حصلت من الحزب قد ترتفع، لكنها لن تتجاوز 10 نواب.

* مشكلات المنطقة في فلسفة غولن: الجهل والافتراق والفقر

* يقول يشيل إن غولن يرى أن المشكلات التي تعاني منها منطقتنا تعود إلى ثلاثة أسباب: الأول منها هو الجهل، والثاني هو «الافتراق» وعدم الوحدة، والثالث هو الفقر، ولهذا نرى أنه في جميع مراحل حياته طور أساليبه حسب الظروف الموضوعية لمحاربة تلك المعضلات الثلاث. فكان يحاول تدريس التلاميذ على شكل حلقات في الأماكن التي يوجد بها ودعمهم ماديا لإكمال دراستهم الجامعية، ومن ثم فتح مدارس الدروس الخصوصية لتقوية من يرغب في الحصول على مساعدة للالتحاق بالكلية التي يطمح إلى الدراسة بها، وبهذه الطريقة حقق أول هدف وهو الحرب على الجهل، مشيرا إلى أن هذه الفعالية لم تنتهِ داخل الحدود التركية، بل تعدتها إلى أكثر من 160 دولة حول العالم، تحمل نفس التوجه والإيمان على أساس منطق دحر الجهل».

أما بالنسبة إلى الافتراق فقد قام بتقريب وجهات النظر بين الفرقاء المختلفين والمنتمين إلى قوميات وثقافات مختلفة، فالحضارات والثقافات التي لا يعرف بعضها بعضا تتصارع، فإذا جرى التعرف في ما بينهم فإن الصراع سينتهي فورا، ولهذا أقام منتدى الحوار الذي يوجد له فروع في أكثر من 100 دولة في العالم. أما بالنسبة للمعضلة الثالثة فقد عمل على محاربتها (الفقر) من جانبين، الأولى تأسيس جمعية «كيمسى يوكمو» لمساعدة المحتاجين في السلم والحرب والكوارث الطبيعية، والخطوة الثانية تجميع رجال الأعمال تحت راية واحدة لأن في الاتحاد قوة لاستثمار أموالهم بطريقة صحيحة سواء في داخل أو خارج البلاد، وكانت مؤسسة «توسكم» هي المظلة التي تجمع تحتها العشرات من المؤسسات ورجال الأعمال لإقامة مشاريع إنسانية خارج الحدود.

ولفتح الله غولن 60 كتابا، وقد حصل على الكثير من الجوائز على كتبه هذه، وأغلبها حول التصوف في الإسلام ومعنى التدين، والتحديات التي تواجه الإسلام اليوم. ألف في السيرة النبوية كتابا حديثا سماه «النور الخالد»، الدراسة العلمية للسيرة النبوية.

* علاقته مع العسكر: شهر عسل تلاه ندم

* يفضل البقاء في الولايات المتحدة خوفا من أن يؤذي وجوده أنصاره

* احتفظ غولن بعلاقة جيدة مع العسكر، خصوصا بعد انقلاب عام 1980، حيث ازدهرت حركته مع إعلان السلطات آنذاك إلغاء الحظر عن نشاطات الجمعيات الدينية، وإطلاق حرية الإعلام، وهو ما استفاد منه كثيرا غولن. لكن هذه العلاقة ما لبثت أن ساءت وصولا إلى حد تحرك القضاء ضده. ويقول رئيس معهد الفكر الاستراتيجي البروفسور ياسين أكتاي، الذي يعتبر واحدا من أبرز المنظرين لحزب العدالة والتنمية، إن «سبب انقلاب الجيش عليه هو أنه حاول إدخال رجاله إلى المؤسسة العسكرية باستخدام أساليب ملتوية اكتشفها العسكر بعد فترة، ولهذا كان يطرد من صفوف الضباط سنويا المئات نتيجة اتهامهم بالرجعية، واعتبر الجيش أنه وجماعته يشكلون خطرا على النظام العلماني في البلاد، مع أنه كان من الذين يدعمون الجيش بتصديه لنجم الدين أربكان، بل كان ينتقد سياسته في كل مناسبة، وطالب حكومة أربكان بالاستقالة لأنها تسير في الطريق الخطأ، ولهذا كان يعتبر ابن العسكر المدلل في البداية ولكن في النهاية فإن الطغمة العسكرية كانت ضد أي تيار ديني في البلاد». ويشير يشيل إلى أن غولن تعرض للاعتقال لمدة 9 أشهر في انقلاب 1960 وانقلاب 1971، كما أنه تعرض للملاحقة لمدة 6 سنوات بعد انقلاب عام 1980، ولكن رغم تلك الصعوبات والملاحقات إلا أنه لم يهمل إعطاء الدروس لمن يرغبون.

بدأت متاعب كولن مع السلطات التركية بدأت في 18 يونيو (حزيران) عام 1999 عندما تحدث في التلفزيون التركي، وقال كلاما اعتبره البعض انتقادا ضمنيا لمؤسسات الدولة التركية. وبعد ذلك بدأ المدعي العام للدولة تحقيقا في تصريحات غولن. وقد تدخل رئيس الوزراء التركي آنذاك بولند أجاويد ودعا الدولة إلى معالجة الأمر بهدوء. ودافع عن كولن وعن مؤسساته التعليمية قائلا إنها «تنشر الثقافة التركية حول العالم، وتعرف تركيا بالعالم. مدارسه تخضع لإشراف متواصل من السلطات». بعد ذلك اعتذر كولن علانية عن تصريحاته، إلا أن بعض العلمانيين ظلوا متشككين في أهدافه، ولاحقا وجهت إليه اتهامات بمحاولة تحقيق مكاسب سياسية على حساب مؤسسات الدولة بما في ذلك الجيش.

ثم أتت لقطة الفيديو الشهيرة التي بثت على «يوتيوب» وظهر فيها كولن وهو يقول لعدد من أنصاره إنه سيتحرك ببطء من أجل تغيير طبيعة النظام التركي من نظام علماني إلى نظام إسلامي، كما تحدث عن نشر الثقافة التركية في أوزبكستان، مما أثار موجة غضب في الجيش التركي وباقي المؤسسات العلمانية في البلاد. كما أدى إلى أزمة دبلوماسية بين تركيا وأوزبكستان دفعت بولند أجاويد إلى التدخل مجددا في محاولة لحلها. لكن أوزبكستان قررت إغلاق عدد من المدارس التابعة لكولن، بينما أصدرت هيئة التعليم العالي في تركيا قرارا يقضي بعدم الاعتراف بالشهادات العلمية التي تعطيها مدارس كولن، فانتقل كولن إلى الخارج من أجل «العلاج» ولا يزال منذ ذلك الحين مقيما في الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من أن المحاكمة انتهت في وقت لاحق إلى إعلان براءته، إلا أن غولن فضل البقاء في الولايات المتحدة حيث إنه «يدير أعمال وعلاقاته من الولايات المتحدة أفضل وبشكل آمن من تركيا»، كما يقول أكتاي. ويشير إلى أن إردوغان دعاه للعودة إلى البلاد لأنه لا يوجد أي مانع من ذلك، ولكن السبب الحقيقي من وراء عدم العودة أنه لا يريد أن يزج بنفسه في الصراعات السياسية ويحبذ أن يوجه السياسة من بعد، فلو كان اليوم هنا فإنه كان سيكون في قلب الحدث، كما أنه لا يستطيع ترك مؤسساته ومدارسه ولوبياته التي تعمل في الولايات المتحدة».

لكن يشيل يقول إن الجميع يعرف بأنه ذهب للعلاج إلى أميركا، وبعد تعافيه نظر إلى الوضع الذي كانت تعيشه تركيا آنذاك حيث كانت في حالة من عدم الاستقرار، ففضل أن لا يعود لأنه إذا عاد فإن الجماعة ستصاب بأذى نتيجة عودته وسيتضرر العشرات بل المئات من مناصريه». كما أن تركيا كانت تعيش مرحلة العودة أو الانطباق مع الديمقراطية وكان مخاضها صعبا، مشيرا إلى أنه عندما سئل غولن عن سبب عدم عودته مع وصول العدالة والتنمية إلى الحكم قال إن تركيا ما زالت تعيش مرحلة انتقالية غير مستقرة، وإن عودتي في مثل هذه الأيام أيضا ستلحق الضرر بالدعوة وبالمناصرين سواء ماديا أو معنويا»، مضيفا: «إذا كان وجودي في تركيا سيتسبب في استغلال البعض واستفزازهم فإنني أفضل أن أعيش في الغربة على أن أكون سببا لهذا»، معتبرا أن ما تعيشه تركيا الآن «من مرحلة لتطهير البلاد من الفساد لهو دليل قاطع لصحة نظرته ورؤيته». ويقول: «القوانين التي تصدر في دقائق والتعيينات وإقالة العشرات من مديري الأمن وسحب الملفات من الادعاء لهي أكبر دليل على أن تركيا ما زالت في مرحلة انتقالية ولم تنتقل إلى مرحلة الديمقراطية بعد».

نهاية “النموذج التركي”/ مصطفى اللباد

دُبجت ربما آلاف المقالات وصيغت مئات الأوراق البحثية وعشرات الكتب في العقد الأخير للحديث عن «النموذج التركي»، باعتباره ظاهرة جيو ـ سياسية وثقافية واقتصادية. وعكف باحثون عرب ـ ومنهم كاتب السطور ـ على دراسة الظاهرة الجديدة في المنطقة، التي استمدت وهجاً إضافياً من غياب النماذج العربية والشرق أوسطية المقابلة. قطعت تركيا وحزب «العدالة والتنمية» ورئيس الحكومة رجب طيب أردوغان شوطاً طويلاً منذ استلام الأخيرين للسلطة في العام 2002 وحتى الآن، فشهدت المنطقة والعالم نجاحات غير منكورة تم تضخيمها لأسباب لا تتعلق بتركيا ذاتها، وإنما بالدور المناط بتركيا أن تلعبه في المنطقة. وبالمثل أيضاً فقد جرى غض النظر عن تناقضات بنيوية في «النموذج التركي» تتعلق بالشفافية والعدالة الاجتماعية من ناحية، وبالانضواء الكامل تحت العباءة الأميركية من ناحية أخرى، ما يفقد في الواقع هذا «النموذج» شطراً كبيراً من استقلاليته الاقتصادية والسياسية. الآن، وفي خضم فضيحة الفساد الكبيرة التي تواجهها حكومة أردوغان، والتي أطاحت بمكون أساسي من صورة حكومة «العدالة والتنمية»، أي نظافة اليد والنزاهة، يتفكك التحالف غير الشفاف الذي قام عليه حكم «العدالة والتنمية» في تركيا مع حركة فتح الله غولن، رجل الدين المقيم في بنسلفانيا الأميركية منذ العام 1999. لا يمكن لحكم ديموقراطي يؤسس لـ«نموذج» ما أن يتحالف مع حركة سرية تعمل في أنشطة اقتصادية ومالية وثقافية واجتماعية، تقدر ثروتها بعشرات المليارات في تركيا وحول العالم من دون آليات رقابية شفافة ومعلومة للكافة؛ فالشفافية هي جوهر الديموقراطية الحقيقية وصنوها الأساس. وبغض النظر عن تفاصيل اعتقال أبناء لوزراء في حكومة «العدالة والتنمية» لاتهامهم بالتربح والفساد، وبقطع النظر عن صحتها من عدمها (المتهم بريء حتى تثبت إدانته)، تكشف فضيحة الفساد الأخيرة في تركيا، أن الطلاق قد وقع بالفعل بين حركة فتح الله غولن المسيطرة على الشرطة والقضاء، وحكومة «العدالة والتنمية» التي تحالفت معها طيلة العقد الماضي.

«النموذج التركي» والشفافية

قام المنطق الداخلي لما سمي «النموذج التركي» على إقليمية شرق أوسطية واضحة، فلم يتم الحديث عنه باعتباره نموذجاً عالمياً يتجاوز منطقته الجغرافية، بل تم النظر إليه وتسويقه باعتباره بديلاً ناجحاً لأنظمة الحكم في البلاد العربية تحديداً. ولما كانت الأخيرة ـ وبلا استثناء واحد ـ تعاني من فساد وترهل تتراوح شدته من بلد عربي إلى آخر، فقد كان «النموذج التركي» بضاعة رائجة وبالأخص، بسبب ما نسب له من شفافية عزت على تجارب المنطقة. وحتى النظام السياسي التركي، الذي عُدَّ موئلاً للفساد والمحسوبية طيلة عشرات السنين، لعب دوراً في تلميع صورة حزب «العدالة والتنمية» باعتباره قطيعة مع ذلك الماضي بالتحديد. أليس اختصار الحزب هو «أق»، الذي يعني أبيض ونظيف بالتركية؟.

تغيرت الصورة الآن مع استقرار الحزب لعقد من الزمان في مقاعد الحكومة، فتبدلت أولويات وارتفعت طموحات وظهرت ترهلات. وحتى من دون الخوض في هذه التفاصيل المحتاجة إلى دراسة وتأصيل وثائقي وعملي، تبقى قضية أساسية فائقة الأهمية تتعارض مع الشفافية في هذا «النموذج التركي». أي قضية التحالف بين حزب سياسي معلن يخوض الانتخابات البرلمانية، وحركة سرية ناشطة في البلاد، يديرها أشخاص من الخارج ولها واجهات وأفرع في الداخل، وتسيطر على جهاز الشرطة وتحظى بنفوذ قوي في السلطة القضائية. تحالف الطرفان، حزب «العدالة والتنمية» وحركة فتح الله غولن، لتقليم أظافر المؤسسة العسكرية التركية ولأسلمة المجتمع التركي من الأسفل، في ظل غطاء أميركي واضح. ربح الطرفان من هذا التحالف ـ قبل طلاقهما الأخيرـ، فالحزب حظي بكتلة تصويتية ضخمة قوامها مليوني صوت من أنصار غولن في كل الانتخابات الماضية وتلقى دعماً معنوياً وإعلامياً ومادياً من الحركة. ويمكن لمن يريد الاستزادة في هذا السياق مراجعة كل «خطابات الانتصار» «الأردوغانية» بعد المعارك الانتخابية والتي يوجه التحية فيها إلى … بنسلفانيا، في إشارة واضحة إلى فتح الله غولن.

وفي المقابل اتسع نشاط الحركة في تركيا تحت حكم «العدالة والتنمية» اقتصادياً وإعلامياً وثقافياً وسياسياً، فضُربت رموز المؤسسة العسكرية التركية وأودعت السجون، وانضم أنصار الحركة إلى البرلمان والمجالس المحلية التركية وطوابق الدولة التركية تحت غطاء الحزب. قبل أشهر ظهر إلى السطح أن الخلافات بينهما قد أصبحت عصية على التجسير، فأسرّت لي شخصية قيادية من الحزب أن حركة غولن تريد الذهاب إلى آماد أبعد في مواجهة المؤسسة العسكرية، الأمر الذي رآه الحزب مضراً بالتوازن الداخلي التركي. كما أرادت الحركة الحصول على حصة أكبر في وظائف الطوابق العليا للدولة التركية، وهو ما رأه الحزب مبالغاً فيه للغاية. في المقابل، وقبل شهور أيضاً، اعتبرت شخصية أكاديمية تركية ـ معلنة الانتماء إلى حركة غولن ـ في حديث خاص، أن نزوع أردوغان المتزايد نحو «الشخصنة والشمولية» سيسبب مشاكل مقبلة. ولم يمض أسبوعان على ذلك حتى اندلعت «انتفاضة تقسيم»، التي أظهرت مكنونات شخصية أردوغان.

لا تهتم هذه السطور بإنحاء اللائمة على طرف من طرفي التحالف المنفصم، وإنما بملاحظة أن المادة اللاصقة لهذا التحالف قد انتهى مفعولها منذ أشهر، وأن الطلاق الذي لا مفر منه يتحين الفرصة للإعلان عن نفسه، فكانت فضيحة الفساد الأخيرة إعلاناً مدوياً عن هذا الطلاق. أما الحقيقة الساطعة في ما جرى، أي التحالف غير الشفاف بين الطرفين، فهي الأجدر بتسليط الضوء عليها، إذ ربما تبرر الغاية الوسيلة في السياسة المجردة، ولكنها لا تقوى على فعل ذلك عند الحديث عن «نموذج» يحتذى به.

خيارات أردوغان

لا يتبقى أمام أردوغان من خيارات سوى إثنين: يتمثل الخيار الأول المستبعد في رضوخ أردوغان إلى مقتضيات التحقيق ورفع الحصانة عن الوزراء الثلاثة المقبوض على أولادهم، لاستكمال التحقيقات وتبرئة ساحتهم، وبالتالي ترميم صورته وحزبه و«نموذجه». ويترتب على ذلك اجتراح توافقات جديدة مع جزء من الطيف السياسي لتعويم الأزمة وترميم النظام السياسي الحالي، وهو أمر يبدو مستبعداً بدوره نظراً إلى الفجوة الكبيرة التي تفصل «العدالة والتنمية» عن العلمانيين في حزب «الشعب الجمهوري»، أو القوميين في حزب «الحركة القومية»، أو الأكراد في داخل وخارج البرلمان التركي. ذهب أردوغان بعيداً في استهداف المؤسسة العسكرية التركية ورموزها ولا يمكن توقع ترميم لهذه العلاقة طالما بقي في السلطة، وبالتالي سيتعين عليه ترميم علاقاته مع حلفاء الأمس من الليبراليين، الذين اتهمهم بأبشع الصفات إبان «انتفاضة تقسيم» صيف هذا العام، وأيضاً مع حركة غولن التي يتهمها بتدبير «الحملة القذرة» التي تشن عليه الآن. يبدو هذا الخيار مستبعداً بالنظر إلى شخصية أردوغان المعتدة بنفسها والسادرة في طريق الاستئثار برأيها، فهو قد سعى إلى تركيز السلطة في يده وفي يد حفنة من الرجال حوله، وبالتالي عند إصابة هؤلاء ـ كما جرى في الفضيحة الأخيرة ـ ستتعرض صورته مباشرة إلى الضرر.

باختصار سيتعين على أردوغان الاعتراف بالخطأ والانحناء للعاصفة، وهو أمر أصبح لا يجيده بعد عشر سنوات على مقعد رئيس الوزراء. أما الخيار الثاني الأرجح فمؤداه أن يستمرئ أردوغان البقاء في موقع المتعرض إلى «مؤامرة قذرة» تحيكها أطراف محلية ودولية ضده شخصياً وضد حكومته، وبالتالي استنفار مؤيديه إلى الحد الأقصى للدفاع عن الوجود السياسي للحزب في مواجهة طيف واسع من الخصوم في الداخل. في هذه الحالة يكون «النموذج التركي» القائم على التوافقات والربح بالنقاط وليس بالضربات القاضية، قد انتهى بالفعل، حتى ولو ربح أردوغان انتخابات الرئاسة المقبلة.

الخلاصة

سيتذكر المتابعون حول العالم في المقبل من السنوات أن «النموذج التركي» قام على توافق سياسي غير شفاف، بين حزب سياسي معلن هو «العدالة والتنمية» وحركة سرية بقيادة فتح الله غولن، وهو أمر يتناقض مع روح وجوهر الديموقراطية. ذهبت المادة اللاصقة التي جمعت مصالح أردوغان وحزبه وفتح الله غولن وحركته، فظهرت الشروخ واضحة في تحالف غير شفاف. تمثلت المادة اللاصقة لهذا التحالف في حصار المؤسسة العسكرية التركية وأسلمة المجتمع التركي من أسفل، ولكن من دون التعرض إلى المصالح الاقتصادية الكبرى في البلاد أو حصة الخارج فيه، وكان بديهياً أن ينتهي هذا التحالف المفتقر إلى الطابع الديموقراطي مع انتهاء مفعول مادته اللاصقة. قبل غيرهم سيكتشف المتابعون العرب قريباً أن إعجابهم بما سمي «النموذج التركي» كان راجعاً في أصله إلى افتراض ما ليس فيه من صفات، وأن العطب الأساسي في هذا الإعجاب العارم ليس جوانب الضعف في هذا «النموذج التركي» بحد ذاتها، وإنما في الأساس إلى الرغبة في تعويض الغياب لنموذج عربي قادر على الإشعاع والإلهام، فكان «النموذج التركي» بحق… بدلاً عن ضائع!.

السفير

أردوغان وعملية الفساد/ محمد نورالدين

ينتهي العام 2013 على أكبر المخاطر والتحديات التي يواجهها رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان منذ وصوله إلى السلطة في العام 2002 .

فبعد عام حافل بالخسائر في السياسة الخارجية، حيث أضاف إلى خسارته في سوريا خروجاً مذلاً من الساحة المصرية وتوترات غير مسبوقة مع بعض الدول الخليجية وتراجعاً في صورة تركيا لدى الرأي العام العربي، كانت الضربات الداخلية تتلاحق وأولاها كان انتفاضة تقسيم- غيزي في مطلع الصيف الماضي التي هزّت للمرة الأولى صورة أردوغان القوية وأظهرته زعيماً مستبداً غير آبه بمطالب فئات متنوعة في المجتمع تتلخص بتعزيز الديمقراطية والحريات .

غير أن ما شهدته تركيا في الأيام الأخيرة من العام 2013 كان استثنائياً بكل المقاييس عندما قامت الشرطة وبأمر من القضاء بتوقيف أبناء لوزراء ورجال أعمال ومقربين من أردوغان بتهمة التورط في قضايا فساد ورشاوى قد تصل قيمتها إلى مئة مليار يورو نتيجة عمليات التبادل التجاري مع إيران وغيرها وقبض عمولات خيالية ومخالفة القوانين في عمليات عقارية

تحدث عمليات الفساد في كل العالم وفي أرقى الدول الديمقراطية . لكن المسألة هذه المرة مختلفة بالنسبة لتركيا ولأردوغان تحديداً .

ذلك أن إحدى الميزات التي يتفاخر أردوغان بها هي نظافة الكف التي أوجدت له شعبية إضافية في بلد تعشعشع فيه عمليات الفساد حتى العظم . أردوغان نجح في إحداث الفرق وتغيير الصورة ولكن إلى حين.

السلطة بحد ذاتها تفسد خصوصاً إذا طالت كثيراً . وهو ما ينطبق على سلطة حزب العدالة والتنمية الذي مضى عليها 11 عاماً ويخطط أردوغان ليكون رئيساً للجمهورية في الصيف المقبل ولو بصلاحيات محدودة ولدورتين ليصل عمر أردوغان في الحكم، إذا تسنى له ذلك، حتى العام 2024 أي 22 عاماً تقريباً . وهذا لاشك كثير جداً على بلد يدعي الديمقراطية ويريد أن يكون عضواً في الاتحاد الأوروبي .

عملية الفساد الكبيرة التي ظهرت سوف ترخي بظلالها على صورة “أردوغان النظيف” خصوصاً أن المتورطين فيها هم من وزرائه والمقربين منه ولا يمكن أن يكون خارج العلم به .

هذا أولاً، أما ثانياً فإن طريقة تعامل أردوغان مع ملف الفساد الجديد كانت مريبة ومثيرة للتساؤلات . فبدلاً من أن يخرج ويقول إنه ضد الفساد من أي مصدر أتى وسيجتث جذوره ولو كان من أفراد عائلته، قام بالعكس وسجل خطوات تساهم في حرف التحقيقات وعرقلتها مثل الإطاحة بجميع قيادات الشرطة في اسطنبول وأنقرة وتعديل طريقة المحاكمات وتعيين محققين إضافيين إلى جانب المحقق الحالي ما يجعل الاستمرار في التحقيق بصورة حيادية غير ممكنة . خطوات أقل ما يقال فيها إنها تهدف إلى التعمية على الحقيقة بعدما وقع المتورطون في المصيدة الموثقة بالصور والفيديوهات والكاميرات وشرائط التسجيل .

منذ اللحظة الأولى وكما في أحداث “تقسيم- غيزي” حمّل أردوغان الخارج مسؤولية عملية الفساد قائلاً إنها تهدف إلى القضاء عليه وعلى تركيا عبر جماعة رجل الدين فتح الله غولين الذي له نفوذ في الشرطة والقضاء والمقيم في الولايات المتحدة منذ العام 1999 . الصراع بين غولين وأردوغان ليس جديدًا . لكنه انفجر في أحداث تقسيم والآن بسبب عزم أردوغان إغلاق مدارس مسائية تابعة لغولين .

تحميل أردوغان “عملاء بكسوة دينية” (غولين) مسؤولية تفجير فضيحة الفساد واقترابه من تسمية أمريكا أيضاً سوف تدخل المشهد السياسي التركي في تعقيدات لا يمكن لأردوغان نفسه أن يعرف نهاياتها الواضحة .

لقد أخطأ أردوغان بانتهاجه نهج التفرد والاستئثار في الحكم وإلغاء كل الآخرين ومحاولة شطب حتى المقربين منه مثل رئيس الجمهورية عبدالله غول والرجل القوي في الحزب بولنت ارينتش . لكنه فشل في ذلك حتى الآن . واليوم مع فضيحة الفساد التي تهز تركيا اهتزت إحدى أهم ميزات أردوغان ولم يعد ممكناً الحديث عن “حكم نظيف” . وهذا ستكون له نتائجه السلبية على أرض الواقع في الانتخابات المتعددة التي ستشهدها تركيا .

لكن تركيا التي لم تبق صديقاً لها منذ بداية “الخريف العربي” وحتى اليوم وباتت في وضع معزول عن الجميع لا يمكن أيضاً أن تتصرف كما لو أنها هي على حق والجميع على خطأ في الملفات الإقليمية والعالمية، وبالتالي ليس مستبعداً أن تكون فضيحة الفساد جزءاً أيضاً من صراعات القوى الكبرى وخصوصاً الغرب ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية في إطار ترتيب صورة المنطقة على طريقتها والتخلص من كل من يمكن أن يشكل عقبة وإزعاجاً لها وفي مقدمهم رجب طيب أردوغان .

الخليج

الأزمة التركية.. الفساد والسياسة/ خورشيد دلي

الفساد والمواجهة السياسية

التوقيت والدلالات

خريطة سياسية جديدة

ثمة أسئلة كثيرة عن سر سرعة تحول قضية الفساد الكبيرة التي تم تفجيرها في تركيا إلى أزمة سياسية، خاصة وأن التحقيقات في القضية استمرت 14 شهرا قبل أن يتم كشفها في توقيت حساس.

ولعل ما حولها إلى قضية سياسية بامتياز هو إقالة الحكومة لعشرات المسؤولين من قوات الأمن والشرطة والقضاء، فضلا عن إصرار رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان على توجيه أصابع الاتهام إلى الخارج، وتحديدا إلى الولايات المتحدة وإن لم يسمها حتى الآن.

الفساد والمواجهة السياسية

في انتظار أن يقول القضاء كلمة الفصل في قضية الفساد المثارة، تختلف التقديرات بشأن تداعيات هذه القضية على مستقبل حزب العدالة والتنمية في الحكم وزعيمه أردوغان الذي طالما تطلع للوصول إلى قصر تشانقاي الرئاسي في أنقرة.

فثمة من يرى أن الحزب الذي فاز في الانتخابات البرلمانية السابقة بأكثر من خمسين بالمئة من الأصوات، ويشغل حاليا الرئاسات الثلاثة (البرلمان، الجمهورية، الحكومة) لن يتأثر كثيرا وإن خسر بعضا من أصواته، وعكس هذه الرؤية ثمة من يرى أن الأزمة الحالية مختلفة في طبيعتها وتداعياتها وستؤثر على مستقبل الحزب في الحكم على أبواب الانتخابات المحلية والرئاسية والبرلمانية، خاصة وأن الظروف الداخلية والخارجية بالنسبة لتركيا باتت مختلفة.

في مجمل قضية الفساد الجارية، تتجه الأنظار إلى جماعة غولن المعروفة بالخدمة في تركيا (تنتمي تاريخيا إلى جماعة النور أو النورجية نسبة إلى العالم الديني سعيد النورسي المعروف ببديع الزمان)، وتحول التحالف القائم بين الجماعة والحزب إلى صدام مفتوح على خلفية تراكم الخلافات بين الجانبين ( الخلاف بشأن رئيس الاستخبارات حقي فيدان، العلاقة مع إسرائيل، التعامل مع تظاهرات تقسيم في إسطنبول،  قضية التعليم في المعاهد الخاصة…).

ولعل ما يجعل المواجهة مفتوحة بين الجانبين واحتمال ظهور الكثير من المفاجآت هو النفوذ الكبير لجماعة غولن في صفوف قوات الأمن والشرطة والقضاء، فضلا عن المرافق الحيوية، وتحديدا في مجالات الصحة والتعليم والخدمات. في التداعيات الدرامية لما قد يحصل في الأيام والأسابيع المقبلة، إضافة إلى استقالة ثلاثة وزراء، والتعديل الحكومي الذي أجراه أرودغان، يمكن التوقف عند ما يلي:

1- الكشف عن ملفات فساد جديدة واستمرار موجة الإقالات والتنقلات في المؤسستين الأمنية والقضائية على خلفية المواجهة المفتوحة بين أردوغان وغولن.

2- موجة استقالة جديدة من المسؤولين في حزب العدالة والتنمية، في ظل الحديث عن خلافات بين أردوغان ونائبه بولنت أرينج الذي يمثل كتلة كبيرة في البرلمان تقدر بمائة نائب، فضلا عن الخلاف بين أردوغان والرئيس عبدالله غول بشأن طريقة التعاطي مع العديد من القضايا الداخلية والخارجية.

3- الاستقالة الجماعية لـ 15 نائبا يمثلون كتلة غولن في البرلمان في مرحلة متطورة من المواجهة.

4- تصعيد المعارضة التركية وتحديدا حزب الشعب الجمهوري بزعامة كمال كليجدار أوغلو من المطالبة باستقالة الحكومة ورئيسها أردوغان، خاصة بعد دعوة وزير البيئة المستقيل أردوغان إلى الاستقالة.

إلى جانب هذه الخطوات، فإن المشهد التركي بات مفتوحا من جديد على أزمة سياسية من نوع أزمات النظام التي كان يتحدث عنها مرارا رئيس الوزراء الراحل بولنت أجاويد، في إشارة إلى الدولة الخفية الموجودة في بنيان الحكم في البلاد وقدرتها على إثارة الأزمات وتغير التحالفات.

التوقيت والدلالات

دون شك، توقيت الأزمة حساس بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الحاكم، ليس بسبب الاستحقاق الانتخابي في الداخل فقط، وإنما بسبب المرحلة الجديدة من العلاقات الأميركية-التركية، وتحديدا بين إدارة الرئيس باراك أوباما ورئيس الوزراء أردوغان على خلفية جملة من القضايا السياسية، بعد ما جرى في مصر وتطورات الأزمة السورية و تداعيات التقارب الإيراني-الأميركي، وصولا إلى توجه تركيا لإتمام صفقة الصواريخ مع الصين واستمرار الخلافات مع إسرائيل.

وفي هذا السياق ينبغي النظر إلى الدعوة التي وجهتها واشنطن إلى زعيم المعارضة التركية كمال كليجدار أوغلو لزيارتها، واللقاءات التي أجراها الأخير مع فتح الله غولن هناك، فضلا عن اللقاءات والاتصالات المتكررة بين المعارضة التركية والسفير الأميركي في أنقرة فرنسيس ريتشاردوني، كل ذلك مقابل جمود الاتصالات بين أوباما وأردوغان.

إذ تقول التقارير إنه لم يتم أي اتصال بين الرجلين منذ أشهر بعد أن كانت الاتصالات بينهما شبه يومية، حيث التشاور بشأن الأزمة السورية، وعليه يمكن التوقف هنا عند نقطتين:

الأولى: أن أردوغان يعتقد في العمق أن هناك مؤامرة ضد تركيا، وأن الأصابع الأميركية موجودة في قلب هذه المؤامرة، والهدف هو تركيا ودورها، ولعل هذا ما يفسر تهديداته بطرد سفراء بعض الدول، وحديثه عن عملاء في الداخل، وكذلك اتصال وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو بنظيره الأميركي جون كيري ليبلغه استياء أنقرة من سعي واشنطن إلى إسقاط حكومة أردوغان وتشويه سمعتها كما قالت الصحافة التركية.

الثانية: من الواضح أن أردوغان وفي مواجهة ما يتعرض له وحزبه ذاهب إلى مواجهة مفتوحة بالتوازي مع اتخاذ سلسلة خطوات للحد من تداعيات قضية الفساد على حزبه وحكومته.

ولعل أولى هذه الخطوات إجراء تعديل حكومي واسع، والحزم في مكافحة الفساد وتوجيه ضربات جديدة إلى معاقل غولن للإبقاء على الصورة القوية لحزب العدالة والتنمية استعدادا للمرحلة المقبلة.

خريطة سياسية جديدة

مع انتهاء تحالف أردوغان-غولن وتحوله إلى صراع يذكيه بعض أطراف المعارضة، من الواضح أن خريطة التحالفات السياسية والحزبية في البلاد لن تبقى كما هي عليها في المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية التي على نتائجها ستتضح القضايا المتعلقة باتجاهات الناخب التركي وتداعيات قضية الفساد.

الأمر الأكيد هنا، هو أن أردوغان لن يستطيع القول بعد اليوم إن حزب العدالة والتنمية هو الحزب الوحيد في تركيا الذي لم يعرف الفساد في البلاد حتى لو ضرب على المتورطين بيد من حديد.

الأمر الثاني: أن المنبت الأيدولوجي الواحد أي الإسلامي لا يعني احتمال عدم تحوله إلى صدام ومواجهة بين الحلفاء، كما حصل بين حزب العدالة والتنمية وجماعة غولن.

الأمر الثالث: أن قضية بناء تحالفات سياسية بين أحزاب مختلفة أيدولوجيا ليست جديدة في تركيا.

فمثل هذا الأمر حصل بين الحركة التي يمثلها غولن اليوم في السبعينيات وحزب العدالة في عهد الرئيس الأسبق سليمان ديميريل، كما حصل أيضا مع مؤسس الإسلام السياسي التركي نجم الدين أربكان مرارا حين دخل في تحالف مع حزب العدالة بزعامة ديميريل في السبعينيات، ومن ثم حزب الشعب الجمهوري في مرحلة بولند أجاويد في الثمانينيات، ومن ثم حزب الطريق القويم بزعامة تانسو تشيلر في منتصف التسعينيات، وشكل حكومة ائتلافية معها قبل أن يقدم استقالته في فبراير/شباط عام 1997 على خلفية ما عرف بالانقلاب الأبيض ضده من قبل الجيش، إثر البيان الشهير الذي عرف ببيان 28 فبراير/شباط.

سيناريو ما سبق، يرشح التوقعات التي تتحدث عن إمكانية حصول تحالف

بين جماعة غولن وحزب الشعب الجمهوري المعارض بزعامة كليجدار أوغلو، رغم أن البعض يستبعد مثل هذا التحالف نظرا للاختلاف الأيدولوجي الكبير بين الجانبين، ويرشح بدلا منه إمكانية حصول تحالف بين جماعة غولن وحزب الحركة القومية بزعامة دولت باغجلي.

وبغض النظر عن حصول مثل هذا التحالف أو عدمه مع أي من الحزبين، فلا شك أنها ستؤثر على نسبة أصوات حزب العدالة والتنمية في ضوء التقارير التي تتحدث عن أن نسبة المؤيدين لجماعة غولن في المدن الكبرى تتراوح بين 7 إلى 8 بالمائة فيما تتراجع هذه النسبة في الريف من 2 إلى 3 بالمائة.

ومقابل احتمال ظهور مثل هذا التحالف يرى البعض أن أردوغان قد يجد نفسه أمام تحالف مع حزب السلام والديمقراطي الكردي الذي له 36 نائبا في البرلمان خاصة إذا أقدم أردوغان على خطوات ملموسة لإيجاد حل سياسي للقضية الكردية في تركيا في ظل عملية السلام بين حكومة أردوغان وحزب العمال الكردستاني بزعامة عبدالله أوجلان.

في الواقع، ومع أنه ما زال من السابق لأوانه الحكم على التداعيات النهائية لقضية الفساد في تركيا إلا أنه من الواضح أن ما حصل يرشح المشهد السياسي التركي للدخول في مرحلة انتهاء دور الحزب الحاكم الذي يهيمن على مؤسسات الدولة.

ومن المرجح بدلا من ذلك أن تتجه الأمور نحو مرحلة بناء تحالفات حزبية وسياسية جديدة، لن يستطيع معها حزب واحد قيادة البلاد، كما هو الحال منذ عام 2002 مع حزب العدالة والتنمية والاضطرار إلى الدخول في صيغ ائتلافية وتوافقية.

الجزيرة نت

الإسقاط الديموقراطي والسلمي لرجب طيِّب أردوغان سيكون انتصاراً لـ”النموذج التركي”/ جهاد الزين

كمهتمٍّ مزمن بالشأن التركي، أجادل منذ بضع سنوات في العديد من مقالاتي، وتحديداً منذ العام 2010 أن الديموقراطية التركية باتت تحتاج إلى بدء مرحلة “ما بعد حزب العدالة والتنمية” لأن استئثاره بالسلطة أصبح عبئا على تطوّر الديموقراطية التركية بعد أن كان هذا الحزب قوة طليعيّة في النجاح التركي التحديثي الاقتصادي والسياسي…

كل سلطة سياسية لفرد أو حزب، حتى في الديموقراطيات بل لاسيما في الديموقراطيات، تمتدّ زمنيا فترة طويلة، تَفْسُد بذاتها.

ترسّخت قناعتي هذه مع بدء تحوّل السياسة التركية إلى المصدر الميداني الأول والأخطر والأكثر أذىً لعسكرة الثورة السورية منذ أواخر العام 2011، وتأكّدت هذه القناعة، إلى جانب كثيرين في تركيا والغرب، منذ اندلعت مظاهرات “حديقة جيزي” في ساحة تقسيم أوائل صيف 2013.

تقتضي هذه المقدمة توضيحا لا بدّ منه لفهم وجهة النظر هذه: فموقفي المشار إليه ينطلق من معادلة اساسية هي أن “النموذج التركي” ليس مرتبطا بتجربة “حزب العدالة والتنمية” بل هو سابقٌ عليها و مواكِبٌ لها، ولا بد أن يكون لاحقاً عليها. “النموذج” هو الذي ولّد الحزب وليس الحزب هو الذي ولّد “النموذج”. وهذا اختلاف أساسي عن الموقف الذي ساد في العالم العربي، وخصوصا بعد بدء موجات “الربيع العربي”، والذي اعتبر “النموذج التركي” مرتبطا فقط بوجود “حزب إسلامي” في السلطة هو “حزب العدالة والتنمية”. “النموذج التركي” إذا كان نموذجا فلأنه يسمح في بلد مسلم كبير بتداول السلطة وإدارة اقتصاد ناجح. للتكرار: النظام العلماني التركي رغم كل عيوبه هو الذي أتى بـ”حزب العدالة والتنمية” وليس العكس.

لكل ما سبق صار يجب اختبار الحداثة السياسية والاقتصادية التركية بمدى وكيفيّة قدرتها على تخطّي تجربة “حزب العدالة والتنمية” وجعله من الماضي فيما تتقدّم ويجب أن تتقدم الديموقراطية التركية في البلد المسلم الوحيد حاليا، في الشرق الاوسط على الاقل، الذي يحمل إمكان نجاح علاقة مجتمع مسلم بالحداثة.

هذا ما بدأ يحصل بشكلٍ متسارع في العام 2013. وإذا كنا نشهد حاليا على الارجح بداية نهاية عهد رجب طيِّب أردوغان بعدما بلغ تآكلُ هذا العهد داخليا وخارجيا وربما لاحقا اقتصاديا درجة كبيرة (حتى أن أحد الوزراء في حكومته، وزير البيئة والتخطيط المدني، استقال ودعاه إلى الاستقالة بدوره)… إذا كان الأمر كذلك، فسيكون علينا في العام 2014 أن نراقب من هو بديل أردوغان من داخل هذا الحزب (عبدالله غول؟) والأهم من هي القوة البديلة لتحل مكان “العدالة والتنمية” في السنوات المقبلة؟

إذا تمكّنت تركيا من تأكيد القدرة السلمية والديموقراطية على تبادل السلطة وحافظت معها على الصعود الاقتصادي التصنيعي والخدماتي فعندها سيتكرّس أكثر “النموذج التركي”.

لهذا نشاهد اليوم في تركيا:

1 – حالة جديدة من حيث تحوّل قوة طليعية أقصت الوصاية العسكرية على الحياة السياسية إلى قوة رجعية هي حالة قيادة أردوغان وحزبه، ومن حيث ان البلد صار يحتاج إلى عقلية جديدة تدير شؤون القوى الاجتماعية الشابة الصاعدة في السنوات العشر الاخيرة مثلما قيل عام 1968 أن طلاب “ربيع باريس” هم “أبناء” مرحلة رئاسة شارل ديغول الذين ارادوا الخلاص من هذه الأبوّة لرسم فرنسا جديدة. كان “الحزب الاشتراكي” الموحّد تحت زعامة فرانسوا ميتران والمتحالف مع الحزب الشيوعي هو القوة البديلة. فمن ستكون القوة البديلة التركية وهل سيستطيع حزب عتيق وعريق إنما بقيادة جديدة هو “حزب الشعب الجمهوري” أن يلعب هذا الدور أم أن قوة جديدة ستظهر في العام 2014 ؟ (هناك مرشح شاب عن “حزب الشعب الجمهوري” لانتخابات بلدية اسطنبول يجب مراقبة صعوده السياسي مع التذكير ان رجب طيّب اردوغان بدأ زعامته من رئاسة بلدية – بلديات اسطنبول).

2 – حالة شبه انهيار في السياسة الخارجية التي قامت عليها تجربة “حزب العدالة والتنمية” وخصوصا في سوريا حيث باتت تركيا حتى إشعارٍ آخر حليفة وداعمة تيّاراتٍ جهاديةٍ متشدّدة ناهيك عن انخراطها في المعركة المذهبية كقوة سنّيّة كما يأخذ على أردوغان عددٌ من المعلِّقين البارزين في الصحافة التركية مما أفقد “النموذج التركي” أحد عناصر قوّته كحالة تحديثية غير مذهبية الاستقطاب في المنطقة وجعل تركيا قوة تعبئة طائفية مثل إيران وبعض الدول العربية ناهيك عن التورّط الأردوغاني المستجد بالعداء الحاد مع مصر على غرار خمسينات القرن الماضي ضد الرئيس جمال عبد الناصر.

3 – فشل حقيقي في حل المسألة الكردية واستبداله بتحالف اقتصادي مع إقليم كردستان العراق يهدّد العلاقة مع بغداد ولا ترتاح إليه واشنطن (ظاهرا على الاقل). إلى جانب هذا الفشل تفاقُمٌ خطِرٌ في موضوع العلويين الأتراك حيال الطابع المذهبي للسلطة.

أحيانا يبدو التداخل معقَّداً بين جميع هذه العناصر التي تتضمّنها النقاط الثلاث إلى حد، مثلا، السؤال كيف يمكن تفسير المعلومة شبه المؤكّدة أن الشباب الخمسة الذي قتلوا على يد الشرطة في تظاهرات الصيف الماضي خلال أزمة “ساحة تقسيم” هم من العلويين؟ هل هذا مؤشِّر على كثافة مشاركة العلويين الأتراك في تلك الأحداث أم على استهداف طائفي ما؟ كل هذا مع تجدّد الحديث عن دور اميركي ضد أردوغان عزّزته قيادة حركة غولن، الحليف الإسلامي السابق لـ”حزب العدالة والتنمية”، في توجيه أكبرضربة حتى اليوم لسلطة هذا الحزب ومصداقيّته الأخلاقية معا؟

قيادة أردوغان هي المريضة لا تركيا.

النهار

أردوغان يشرب من الكأس التي سقى منها خصومه/ بكر صدقي

كتب يالتشن آكدوغان، أبـرز الـمـســتــشاريـن السياسيين لرجب طيب أردوغان، مقالةً يهاجم فيها «المؤامرة» التي استهدفت الحكومة. وفي ما يبدو زلة لسان بليغة، ذكَّرَ المستشار بمؤامرة مماثلة حاكتها جماعة فتح الله غولن ذاتها، قبل سنوات، ضد المؤسسة العسكرية في القضية المعروفة باسم «أرغينيكون».

نعم، حين كان الأمر يتعلق بتصفية دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية لمصلحة حكومة «العدالة والتنمية»، لم يرف جفن للمستشار وحزبه وحكومته. وربما كانت الجماعة ذاتها وراء تصفية دنيز بايكال من رئاسة حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري. فقد نـشر حيـنها شـريط فيديو يوثق لقاء جنــسياً بـين زعيم التيار العلماني وامرأة يخون معها زوجته، الأمر الذي أدى إلى استقالة الرجل من رئاسة الحزب. شريط فيديو مشابه يصور لقاءً حميماً لنائب رئيس حزب «العدالة والتنمية» نعمان كورتلمش، دخل حيز التداول على موقع «يوتيوب» الأسبوع الماضي، ومعركة الفساد على أشدّها بين الحكومة والجماعة.

ويشكو أردوغان والصحافة الموالية له اليوم من «انتهاك حرمة التحقيقات القضائية»، في حين كان مجرد الظنون ينشر، في ما خص اتهام العسكر بالتخطيط لمحاولات انقلابية، على صفحات الصحف الموالية للحكومة أو تلك المموّلة من جماعة غولن.

ولطالما لعب الإعلام الموالي دور رأس الحربة ضد كل خصوم أردوغان وحكومته، من عسكر وتيار علماني وحركة سياسية كردية. أما اليوم، فبدأت الحكومة تمنع وسائل الإعلام من الوصول إلى أي معلومة تتعلق بقضية الفساد التي أدت إلى استقالة ثلاثة وزراء ونائبين من الحزب في البرلمان. وصدرت الأوامر إلى شركة الطيران التركية بالامتناع عن نقل الصحف غير الموالية إلى مدن البلاد، الأمر الذي لم يحدث سابقاً.

كان على الرأي العام التركي أن ينتظر أسبوعاً كاملاً حتى يستقيل الوزراء الملوثة أسماؤهم في أكبر قضية فساد تـشهـدها تركـيا في تـاريخها الحديث. لكن يوم الاستـقالات شهد مفاجأةً غير سارة للحكومة، إذ قال وزيـر شؤون البيئة والتوسع العمراني في بيان استقالته إن على رئيـس الحكومة أن يــستــقيل أيـضاً حتى ينتهي هذا التـوتر.

لكن هذا التصريح المفاجئ لن يكون أسوأ ما سيقع لأردوغان. ففي صباح اليوم التالي تسربت أخبار إلى الصحافة المعارضة عن موجة ثانية متوقعة من الاعتقالات، ضمن فضيحة الفساد الحكومي، وأنها ستطاول أسماء صادمة أكثر مما في الموجة الأولى. وفي طريقه إلى باكستان، تحدث أردوغان عن ذلك شاكياً، فقال إنهم أرادوا استهداف ابنه بلال بالذات!

لكن أوامر صارمة صدرت إلى جهاز الشرطة بالامتناع عن تنفيذ التوقيفات الجديدة، بعدما كان وزير الداخلية المستقيل بسبب توقيف ابنه في قضية الفساد، شن حملة تصفيات شملت أكثر من خمسين من مديري الشرطة المكلفين ملف الفساد ذاته، بتوجيهات علنية من رئيس حكومته.

لقد تأخر أردوغان كثيراً في إقالة وزرائه الضالعين، مباشرةً أو بواسطة أبنائهم، في قضية شـملت رشاوى ضخمة وتبييض أموال وفساداً إدارياً. بدلاً من ذلك، شنّ هجومه المضاد، فكان كمن يثبّت التهمة، ليس فقط على وزرائه أو أبنائهم، بل على الحكومة ككل حين تدخل في سـير العملية القضائية بفظاظة، وعاقب مديري الشرطة لأنهم قاموا بواجبهم. صحيح أن الرأي العام التركي يعرف أن جماعة غـولـن اسـتهـدفـت أردوغان وحكومته، لكنه يعرف أيضاً أن المتهمين بالـفساد ضـالعون وغـيرهم، في إساءة استخدام الـسلـطة الحكومية الممنوحة لهم بتفويض شعبي واسع.

منذ ثورة الشباب في متنزه «غزي» قرب ساحة تقسيم، وأردوغان يرى في كل مكان متآمرين على حكمه. ولم يكتف باتهام خصومه الداخليين، بل اتهم «جهات خارجية» باستخدام تلك «الأدوات الداخلية» للتخلص من حكم «العدالة والتنمية» الممتد منذ أحد عشر عاماً. وفي الحملة على الفساد لم يتوانَ، عبر صحافته الموالية، عن اتهام الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء «مؤامرة» جماعة فتح الله غولن، وقد اتهموا الـسـفير الأميركي بالاسم، ما دفع وزارة الخارجية الأميركية إلى إصدار بيان يعبّر عن الاستياء من تلك الاتهامات. وكتب أحد الصحافيين الموالين يقول إن «المؤامرة» هي الرد الإسرائيلي على توبيخ أردوغان الشهير لشمـعون بيريز في دافوس، مطلع 2009.

لا يمكن إغفال أن للسياسة الخارجية التركية خصوماً إقليميين ودوليين، سيفرحهم تخبط أردوغان وحكومته أمام فضيحة فساد بهذا الحجم. ومن المحتمل أن بعض تلك القوى يتربص بالحكومة التركية ومستعد لاغتنام أي فرصة ضدها. إسرائيل هي إحدى تلك القوى، لعلها لن تنسى أنها أُرغمَت على الاعتذار من تركيا علناً – نتيجة ضغوط أميركية – على المجزرة التي ارتكبتها بحق سفينة مرمرة الزرقاء. كذلك دول في الخليج والحكومة المصرية الجديدة مستاءة من الموقف التركي المناهض لانقلاب 3 تموز (يوليو) والمدافع عن شرعية الرئيس المخلوع محمد مرسي. أما الإدارة الأميـركيـة، فعبرت عن اسـتيائها أكـثر من مـرة مـن دور الـمـصـرف الـحـكومي التركي «خلق بنك» في تجارة النفط مع إيران، لا سيما أن الشخصية المركزية في قضية الفساد هو الإيراني رضا صراف، المتهم بتبييض أموال في تركيا لمصلحة الحكومة الإيرانية، وببيعها ذهباً مقابل النفط.

الخلاصة أن حرب جماعة غولن على الحكومة أصابتها في مقتل. فالحزب الذي كان يتباهى بأنه حزب الأيدي البيضاء، أو «الحزب الطاهر» وفق اختصار اسمه باللغة التركية، سيدخل الانتخابات البلدية، بعد ثلاثة أشهر، ملوّث اليدين.

الحياة

في ظاهرة “الإخوان”/ مصطفى زين

لا تسيل كل هذه الدماء في العالم العربي من المحيط إلى الخليج بسبب الدين أو الطائفة، على رغم ادعاء المتحاربين، ورفع الرايات السود في ساحات «الجهاد». ولا تسقط تجربة الإسلام السياسي في تونس والسودان وتركيا ومصر بسبب الدين أو المؤامرات الخارجية، ولا بسبب الإيمان أو غيابه. عندما يتولى الإنسان شؤونه السياسية والإجتماعية يصبح هو المسؤول عن كل شيء. عن القتل والدمار والعمران. عن القانون والحريات. وعن الحاضر والمستقبل. تصبح السياسة ظاهرة إجتماعية خاضعة لقانون التطور، للخطأ والصواب. وليست ظاهرة سماوية أو ماورائية. هذه أمور من البداهات في العلوم السياسية والإجتماعية.

ظاهرتان جديرتان بالدرس في هذا المجال. ظاهرة «الإخوان المسلمين» في مصر، و»حزب العدالة والتنمية» في تركيا. الحزبان قديمان ولهما قواعدهما. اعتمدا في عملهما الدعوة الدينية، والإنخراط عضوياً في المجتمع. «إخوان» مصر أسسوا جمعيات خيرية ومؤسسات إقتصادية وساعدوا آلاف الفقراء الذين قصرت الدولة في احتضانهم. حصلوا على أموال طائلة من مصادر بعضها معروف وبعضها مجهول، ساعدتهم في نشر دعوتهم. ودعمهم رجال دين لديهم طموحات سياسية. ورجال أعمال حاربوا ويحاربون أي إشراف للدولة على الثروة وتوزيعها. أي أنهم وقفوا مع «الإخوان» المؤمنين بحرية السوق، ويبررون هذا الإيمان بنصوص دينية. هم يحاكون الرأسمالية الأميركية. الحسنات والهبات التي كان «الإخوان» يوزعونها، مرفقة بجرعات كبيرة من الإيمان، وعدم وعي الفقراء أن الحسنة ليست حلاً لمشكلتهم بل تأسر حريتهم في المطالبة بحقوقهم، أمنت للحزب قاعدة شعبية كبيرة حملته إلى السلطة، آملة أن تدوم حسناته وتكثر. بوصولهم إلى الحكم تبين أنهم لا يملكون أي تصور للإقتصاد، ولا أي رؤية استراتيجية، كل ما فعلوه كان لخدمة بقائهم في سدة الحكم، والتمكن من مؤسسات الدولة، متجاهلين كل ما هو ليس «إخوانياً» فسقطوا في الإمتحان. وها هم اليوم مطاردون وسيعودون إلى العمل السري تحت الأرض، وفي هذا خطورة عليهم وعلى المجتمع. ولا شك في أن السلطة المصرية ارتكبت خطأ كبيراً عندما اعتبرتهم إرهابيين وستطبق عليهم أحكام القانون الخاص بالإرهاب، فهم على رغم أخطائهم وارتكاباتهم ما زالوا سياسيين مصريين يجب التعامل معهم على هذا الأساس، ووضعهم أمام مسؤولياتهم التاريخية ومطالبتهم بالشفافية في العمل ومحاسبتهم حين يخدمون مموليهم في الخارج والداخل.

تجربة «العدالة والتنمية» في تركيا تشبه تجربة «الإخوان» المصريين في كثير من سلوكها ومسيرتها. اعتمد الحزب على أموال رجال أعمال. أسس شركات. أشرف على مدارس دينية. وزّع حسنات على الفقراء. اشتهر بنظافة الكف حين وصل إلى رئاسة عدد من البلديات، قبل أن يتسلم السلطة. أهم داعميه مالياً ومعنوياً رجل الدين والأعمال فتح الله غولن المقيم في أميركا. أسس الرجل مئات المدارس ومئات الشركات، ولديه أعمال تجارية تقدر ببلايين الدولارات في أنحاء العالم. وإلى غولن يدعم الحزب رجال أعمال آخرون وشبكة من الإعلاميين وخريجي المدارس «الدينية»، هؤلاء شكلوا جماعة ضغط هائلة تعمل لمصلحة الحزب. لكنه بعد 12 سنة من تسلم رجب طيب أردوغان زعامته ووصوله إلى الحكم، مع شريكه عبدالله غل، بقي يتصرف حزبياً. مثله مثل «إخوان» مصر، عمد إلى التمكن من كل مؤسسات الدولة، مقصياً من لا يؤيده.

خاض أردوغان صراعاً قاسياً مع المؤسسة العسكرية. أقصى كبار الضباط من القيادة، بذريعة تدبيرهم انقلاباً عليه. عزّز الدرك. شكّل جيشاً آخر في موازاة الجيش. أقصى قضاة ومسؤولين كباراً بحجة الفساد. وعندما بدأ عملية التغيير في قيادة الشرطة، حيث نفوذ غولن كبير جداً، بدأ الصراع بين الرجلين. وبدأت فضائح الفساد المتهم بها وزراء ومسؤولون مقربون من أردوغان تظهر إلى العلن، وتكاد تطيحه من الحكم، وهو على أبواب الإنتخابات.

أما في السياسة الخارجية، فالطرفان في مصر وتركيا ارتكبا من الأخطاء ما لا يحصى. احتضنا «حماس» لأنها فرع لـ «الإخوان». أبعداها عن المقاومة. جمعا من الأعداء أكثر من الأصدقاء، في العراق وسورية وإيران ودول الخليج. حاولا قيادة المنطقة من منطلق إخواني. غابت عنهما تعقيداتها. نسيا أن المجتمع الإسلامي، مثل أي مجتمع آخر، خاضع للتطور، ولعوامل الإجتماع. لا نستطيع تأبيده في قالب واحد، دينياً كان أو غير ديني.

«الإخوان» في مصر وتركيا ظاهرة اجتماعية علاقتها بالدين سياسية خاضعة للتغيير.

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...