الرئيسية / صفحات سورية / مواء عربي فصيح

مواء عربي فصيح


نادر قريط

كان مواؤها شاكيا حزينا يُوجع القلب، لحظتئذ تذكرت السيدة أن جيرانها في إجازة خارج البلاد، ولابد قد تركوا القطة لمصيرها. لم تتريث طويلا، إتصلت بالشرطة، مع ذلك ضحكت في سرّها فما شأن الشرطة بالقطط؟ بعد دقائق حضر رجلا بوليس. والظاهر أنهما كانا أرقّ قلب منها، فبادرا وطلبا نجدة الدفاع المدني، وهكذا وصلت التعزيزات وأغلق الشارع وإمتدت السلالم وصعد ذوو القبعات، وتم إنقاذ القطة “صاحبة الجلالة” وسط بهجة وتصفيق الفضوليين والمارّة. هذه الحادثة وقعت حيث أعيش، في جمهورية لا تزرع الموز ولا الموت، أقسم لكم بمن خلق الأنعام (ودريد لحام) لقد هرع رجال الشرطة والمطافئ من أجل قطة ضاق عليها البلكون

أما في بلادي فالقصص مروّعة.. أحزان وندب وصراخ. شباب تنهال عليهم العصي ويعتقلون أو يُسفح دمهم في الشوراع.. جرحى يختبئون في البيوت خشية إختطافهم من المشافي (فأن تموت خلسة بين ذويك، أهون من أن تعيش في أقبية التعذيب)

سيدة قروية ملفعة بالسواد تقرفص بجانب صبي شاحب، إخترق الرصاص قدمه وساقه، إنتقاما لفرار والده أثناء مداهمة بيتهم، كانت تتضرع بحرقة وتحاول إبعاد الكاميرا (الله يخليك يا أخي لا تصوّرنا، بعدين بيرجعوا وبيقتلونا؟!)

شاب قُتل أثناء جنازة تشييع شقيقه، الذي قُتل في يوم سابق! هاهنا تتحطم آلة المُخيّلة وتعجز عن تصوير فاجعة أم فقدت ولديها.

سيارة رسمية تُلقي جثة شاب ثلاثيني في أحد الشوارع وتولّي مسرعة، فتحمله الناس إلى جامع قريب، وبالكاد يتعرفون عليه بسبب الإنتفاخ وكثرة الكدمات. الشاب كان أحد ناشطي التظاهرات والجامع كان دائما لإستلام الأمانات وتسليمها (لحفاري القبور)..

يا إلهي ما أبشع هذه البلاد التي أصبح أهلها أقل منزلة من القطط الجرباء والكلاب السائبة

قال لي بحزم: آن أوان العلمانية، لابد من فصل الدين عن الدولة.. يجب شطب عبارة “الإسلام دين الدولة” من الدستور، يجب نفي الجامع عن حياة الناس، فديمقراطية الصناديق ستأتي بالإسلاميين لا محالة.

قلت له: حقك عليّ لا تزعل! غدا سأشطب لك هذه العبارة من الدستور، ولولا ضيق الوقت لأعطيت الأوامر للجرافات كي تزيل الجوامع (والكنائس إن أحببت!) لكن ماذا سيتغيّر يا تُرى؟

منذ عقود نعيش في ظلال دولة علّمانية، يسبّح بحمدها رجال الدين، ويشكر لها الخطباء على المنابر.. فالفصل بين الدين والدولة أمر واقع أليس كذلك؟.

قال: لا..لا هناك من يحرّض على الفتنة كالقرضاوي والعرعور والفضائيات وأمريكا وإسرائيل والظواهري. إننا بحاجة لأتاتورك كي نقتلع أربعة عشر قرنا من ثقافة الصحراء

قلت: على رسلك يا أخا العرب، لمَ تُصعّب المسألة؟ وتبدأ بمدّ أنابيب العَلمانية إلى أعالي البحار وقعر التاريخ. هل يكون علاج “الإستبداد” بإستمراره لحين إنجاز ملف سقيفة بني ساعدة, أو دراسة حيثيّات قصة الإفك. ثم يا حبذا لو أخبرتنا أي أتاتورك تريد: ممانع أو مُطاوع (سكّر زيادة، ع الريحة) وعن أية فتنة تتحدث؟ سبحان الذي جمع أمريكا والظواهري من غير ميعاد. ألا ترى أن التخويف بالظواهري بات مضحكا جداً، مقارنة بما رأته الناس من عنف وسجون وحشية وقنّاصة ودبابات؟

لكن قل ليّ يرحمك الله، إذا فصلت بين الدين والدولة. كيف ستفصل الدولة عن بطانتها المُلتصقة بها . من سيفتكها من العائلة والعشيرة؟ ومن سيُلغي مبدأ

L État, c’est moi ويعيد 70% من ثروة البلاد التي أصبحت في جيوب “آل البيت” (سابقا كانوا يكتفون بالخمس) الأمر الذي جعل سواد الشعب من “آل الشارع” من سيُنقذ خزينة الدولة من مفتاح الحاكم بأمره، ويوقف طوفان الفساد والنهب والإبتزاز، ومن سيُعلّم ضابط الأمن إحترام آدمية الإنسان وحقه في الحياة وضمان حريته في التعبير والمشاركة في شؤون بلده

هلّا تخبرني أين ترعرعت تلك الثقافة، التي استلهم منها رجال الأمن مبادئ الرفس والدعس والضرب وصبّ الشتائم المُهينة المقذعة. هل لي إسماعك تلاوة قصيرة مما تيسّر من أدب المعتقلات وأزقة الحارات:

ولاه يا خرا يلعن أبوك يا كر يا أخو الشرمو.. والله لأفعل كذا وكذا بأمك.. مين أنت يا حقير يا منّيـ….راح أدعس على راسك بقندرتي “بدك حرية يا كلب”؟ بترفع راسك على أسيادك يا أخو المنيـ .. عامل نفسك مثقف يا واطي، والله لأدحش الثقافة ب طيـ.. أمك يا ابن العرصة؟

ما الذي يدفع اللغة إلى سوقية بذيئة؟ وتوحش لفظي منحط يهتك إنسانية وكرامة الإنسان ويحقّره ويحطّم رموز العفّة والحياء والحب والكبرياء في حياته!؟

إن لغة الشارع البذيئة والعفوية ترمز إلى شحنة الإنتقام والكراهية والرغبة بإغتصاب الآخر، وقد تكون مقياسا إضافيا لمعرفة تمدن الأمم. فالمدنية ليست إرتداء قميص ماركة أرماني، ونظارات ريبان، ولا بتربية قطة سيامية، وترديد بعض عبارات فولتير، أو التغني بتفاهات شعرية عن خمسة آلاف سنة من الحضارات، التي إكتشفها غيرنا بين ركام الأتربة. المدنية لغة وثقافة حيّة، تأخذ بيد الكائن بعيدا عن روح التوحش والإنتقام وغريزة تمزيق الفريسة. فالعنف اللفظي واللغة البذيئة الساقطة، مرادف لعنف مادي ولإنحطاط وتوحش السلطة السياسية والأبوية. العَلمانية كلمة لا معنى لها بدون المدنيّة. والأخيرة أتت من “مدينة” حيث الإجتماع البشري، الذي لم يكن له أن يكون دون إختراع الإنسان لل “سياسة” الأداة الوحيدة لإدارة وتوزيع الحقوق، ولولاها لأكلت الناس بعضها.

لم يكن الحوار طويلا، فقد لاحظت منذ البدء علامات تململه وضيقه. وهوذا يفرك يديه ويهز ركبتيه بتوتر، وبينما كان يهمّ بالمغادرة قال: إسمع إن الأقليات خائفة من هؤلاء، والله لن نعطيها لهم حتى لو أغرقنا البلاد بالدم!

هذا هو بيت القصيد إذاً، فما سبقه كان لفّا ودورانا، لقد وصلنا إلى جملة فصيحة تحتوي على واو القسم، وعدة ضمائر متصلة (ـها، هم، نا) ثم إلى خواء وصمت مُفزع.

المُخزي أن هذا الرجل يعيش في أوروبا منذ ربع قرن، ويرى بأم عينه كيف يهبّ الإنسان لإنقاذ قطة، رغم ذلك مازال يرى السلطة غنيمة دونها بحار الدم!

صمت مُفزع يصمّ الأذن وأسئلة تنهمر من بينها: هل أن خوف الأقليات يبرر إغراق البلاد بالخوف والدم؟ كيف يسمح لنفسه إستباحة البيوت بقوة الهمجية، وبث الرعب في قلوب الأطفال النائمة، وإعتقال وقتل بني جلدته، وهو لا يجرؤ على رمي قشرة موز أمام عابر إسرائيلي!

إن أصعب ما في الدنيا أن يصمت المرء، هناك حيث تتبارى أنبلُ وأرذلُ الأشياء.

الحوار المتمدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

65 − 63 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...