الرئيسية / صفحات الرأي / الأم تيريزا والحرب الباردة والإحيائية الهندوسية/ وسام سعادة

الأم تيريزا والحرب الباردة والإحيائية الهندوسية/ وسام سعادة

 

 

أعلن الفاتيكان قداسة الأم تيريزا في مدّة من الوقت سريعة نسبياً، وكان سبق له تطويبها عام 2003. ينسجم هذا التعجيل بالآلية البيروقراطية للغاية لرفع إنسان إلى مرتبة القداسة في روما، والمشروطة بالتحقق من قيام الشخص بمعجزات، بتوجهات البابا فرنسيس الأوّل، الداعي إلى تحويل تجربة الأم تيريزا إلى منهج عمل وروحية حركية بالنسبة إلى الكنيسة، كي تعود كنيسة فقيرة، وللفقراء والمضطهدين والمهمّشين.

بالتوجه البيئي حيال «أمنا الأرض»، كما في رسالته حول التبدّلات المناخية العام الماضي، كما بالتوجه الاجتماعي، الذي يجد محطة رمزية هامة له اليوم من خلال تقديس الألبانية غانشي بوياخيو التي نالت الجنسية الهندية لاحقاً، يسعى البابا لإعادة تمكين الحضور الكنسي والكاثوليكي في المجتمع، وعلى الصعيد الكوكبي، وقد سبق لفرنسيس الأول أن أشار في أكثر من مناسبة أنه لو لم يكن منخرطاً في الرهبنة اليسوعية، لكان دخل في رهبنة الإرساليات الخيرية التي أسستها الأم تيريزا.

تحظى ظاهرة الأم تيريزا بشعبية واسعة تتجاوز الدائرة الكاثوليكية، وشعبيتها في الهند بالتحديد متأصلة، وعمل جهاز الدولة الرسمي مطوّلاً على تثبيتها، وكذلك الكنيسة الكاثوليكية في ولايات الحضور المسيحي المرتفع، ككيرالا وغووا وناغالاند. فتيريزا نالت الجنسية الهندية بعيد استقلال الهند مباشرة، وحظيت مطولاً برعاية حزب المؤتمر، وخصوصاً في فترة حكم انديرا غاندي، وبدورها ردّت الجميل بشكل إشكالي للغاية، فأيدت مثلاً انقلاب غاندي على الحريات واعلان حال الطوارئ في منتصف السبعينيات، وقالت الأم تيريزا وقتها كلاماً غير اجتماعي بالمرّة، يظهر الاضرابات كافة.

من هنا كان بديهياً، في الهند كما في الغرب، ظهور نقد لاذع وحاد تناول ظاهرة الأم تيريزا. الشيوعيون في كالكوتا تعاملوا معها كظاهرة تحرّكها الاستخبارات المركزية الأمريكية، لكن النظام الستاليني الذي قاده أنور خوجه في ألبانيا نسج شبكة علاقات أكثر تعقيداً معها. «منشقون» هنود عن عملها الخيري أفاضوا في وصف المؤسسات التي كانت ترعاها بسلبية سجالية. ثم كان الفيلم الوثائقي لطارق علي وكريستوفر هيتشنز بصددها، وبعدها كتاب هيتشنز «الأم تيريزا في النظرية والممارسة». إضبارة قاسية جداً، تظهرها كصديقة للفقر وليس الفقراء، مؤيدة لقمع الحريات في الهند ولسياسات هدم وابعاد مدن الصفيح، وضد الاجهاض انما ساكتة عن سياسات تعقيمية رسمية سرية للفقراء في بعض الضواحي أتهم بها نجل انديرا غاندي، وأكثر، تجوّز «عمادة المتوفين» من المرضى التي ترعاهم، وصديقة للطغاة، من أنور خوجة إلى الديكتاتور الهاييتي دوفاليه، ولكبار الأعمال الملاحقين بالربح غير المشروع، بل ان هيتشنز لاحق أيضاً فاتورتها الصحية، وقدّمها على أنّها بخلاف الصورة الشائعة عنها لم تكن زاهدة أبداً وتتلقى العلاج الطبي في أكبر وأغلى مستشفيات العالم. وضع طارق علي وهيتشنز في الفيلم الوثائقي الأم تيريزا في موضعها كظاهرة من ظواهر الحرب الباردة، ظاهرة متقاطعة مع الثلاثي رونالد ريغان ومارغريت تاتشر ويوحنا بولس الثاني: في سياق محاربة الشيوعية، من كالكوتا عرين الشيوعيين في البنغال حتى نيكاراغوا التي قصدتها لدعم نظامها في مطلع الثمانينيات ضد الثوار الساندينيين. المثير أن هيتشنز الذي أعد مع طارق علي الفيلم عام 1994 ونشر كتابه عام 1995 لن يلبث أن يتحوّل إلى الخط اليميني الإمبريالي الذي عابه على تيريزا، خصوصاً في مرحلة ما بعد هجمات 11 أيلول.

كل هذا كان في الحسبان، فيما كاتب هذه السطور، يعبر الساحل المالاباري باتجاه كوتشين، ويراقب كيف يحتفل شعب المالايالي، بمسيحييه لكن ليس فقط، وبطوائفه المسيحية اللاتينية الكاثوليكية، والرومانية الكاثوليكية، والسريانية الكاثوليكية، وأيضاً الأرثوذكسية، اعلان تيريزا قديسة، باضاءة الشموع قرب البيوت وفي الأسواق ليلاً، والتجمهر قرب الكنائس واقامة القداديس بمشاركة شعبية وابتهاج ومظاهر عيد بكل ما للكلمة من معنى. ظاهرة الأم تيريزا لا يمكن اذاً لها أكثر من وجه، والموازنة بين هذه الوجوه ليس تلفيقاً، بل هو شرط سانح بالمقاربة النقدية. بسطاء الحال يحبون الأم تيريزا في الهند. كتاب هيتشنز يفترض انه لم يصلهم، لكنه لو وصلهم، وهو يعتبرها صديقة الفقر لا الفقراء، لأجابوه نحن الفقراء من نقرّر الأمر!

لكن ما يصل هذه الأوساط الفقيرة المبتهجة بقداسة تيريزا الألبانية – الهندية، «الأم تيريزا من كالكوتا» كما يحبون الترداد، بل أكثر «البهارات راتنا الأم تيريزا» وهو اللقب الرسمي المعطى لها في الهند منذ العام 1980، هو نقد لها من نوع آخر، لا نقد شيوعيي الهند، ولا نقد يساريي الغرب. بل النقد اليميني المغالي في أوساط الحزب القومي الديني الهندوتفي (أي الذي يحيل على أيديولوجيا الهندوتفا حيث الهند وطن الهندوس والهندوسية) الحاكم، «بهاراتيا جاناتا».

القوميون الهندوس سبق لهم أن عارضوا تطويب تيريزا، وقسم واسع منهم يندّد اليوم باعلان قداستها، ويمتعض من موافقة رئيس الوزراء نارندره مودي على ارسال وزير خارجيته لتمثيل الهند في الحدث الفاتيكاني. بالنسبة إلى عقيدة الهندوتفا، من تنصّر أو تأسلم من الهندوس ينبغي استتابته إلى الهندوسية ولو بعد كذا جيل، فكيف الحال بالنسبة إلى ظاهرة توخت عمل الخير بعرض التبشير والتنصير كالأم تيريزا. أما رئيس الوزراء الذي يقود الحزب القومي الديني، وسبقت له محاصرة أو اعاقة أعمال رهبنة تيريزا، فاختار ان يميّز موقفه من الغلاة في حزبه، خاصة وان رصيد حزبه بين المسيحيين إلى ارتفاع، لكن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لنيو دلهي جاءت تسمح له بتفادي «احراج» حضور الحدث الفاتيكاني شخصياً.

في الثمانينيات، كان يمكن تصنيف الأم تيريزا في خانة الثورة المضادة العالمية، وفي سياق الحرب الباردة. لكن مع نارندره مودي وعالم اليوم، زحلت المقاييس. النقد اليساري لظاهرتها أستعيد إلى حد كبير من خلال النقد اليميني الاحيائي الهندوسي اللاحق: يتكرر في الحالتين وصفها بصديقة الفقر لا الفقراء. لكن بالنسبة لميليشيات الوعي الاحيائي المتصلّب، «الار.اس.اس»، التي تشكّل الجسم التعبوي للقوميين الدينيين، ليس هناك فرق كبير بين الماركسية والأم تيريزا لجهة العمل على تشويه الصلة العضوية بين الهند والهندوسية، انطلاقاً من الإحتجاج بالفقراء والمهمّشين.

في مكان ما، ينطق القوميون الدينيون الهندوس عكسياً، بما قاله الفيلسوف اليساري انطونيو نيغري قبل سنوات عديدة، وهو أن الكنيسة تحولت إلى «أممية خامسة» حين وجدت راية النضال الاجتماعي وقد ألقاها اليسار على قارعة الطريق، فأمسكت بها ورفعتها. بالفعل، عبثاً تستعيد الكنيسة دورها من دون النضال الاجتماعي ضد الفقر، وضد التخريب الرأسمالي لكوكب الأرض وتبديد موارده ومناخاته وتنوعه الحيوي، وعبثاً يستعيد اليسار دوره من دون التصالح مع الدين كظاهرة لا يمكنها أن تكون فردية فقط، ومنزلية فقط، بل اجتماعية قبل كل شيء، ظاهرة رهن المد والجزر في العصور الحديثة وليست رهن الاضمحلال الحتمي.

لكن في مكان آخر، ثمّة حيّز لا يمكن المكابرة عليه، حيث ينتمي، في السياق الهندي تحديداً، كل من نارندره مودي والأم تيريزا إلى مشترك أساسي: ظاهرتان تعكسان وتتغذيان من تآكل النموذج العلماني التقدمي، الذي أقامه جواهر لال نهرو وحزب المؤتمر، وان كانت تيريزا استظلت بدعم ابنة نهرو، انديرا، في مرحلة الانعطافة اليمينية التسلّطية للأخيرة، في حين يقيم اليمين القومي الديني حجّيته على مبالغة هزلية حول مظلوميته وديكتاتورية انديرا وسلالة آل غاندي، وحول اغتراب هذه السلالة عن الهند الأصيلة وعن الهندوسية.

٭ كاتب لبناني

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

8 + 2 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...