الرئيسية / صفحات الناس / مرارة الاندماج، حلاوة الجبن/ شام العلي

مرارة الاندماج، حلاوة الجبن/ شام العلي

 

 

 

يستغرب «اللي جوا» في كثيرٍ من الأحيان اشتكاءَ «اللي برى» وتذمرهم، أو حنينَهم إلى الوطن، فحين يسمع من هو في سوريا، أو اللاجئٌ في إحدى البلدان العربية، عن الميزات التي يتمتع بها اللاجئ في دول أوروبا، يظن أنه يعيش ظروفاً أفضل بمراحل من ظروفه، ونعيماً مقارنة بجحيمه، ويستغرب: لماذا يتذمر من لم يكن لديه في وطنه بيت يسكنه، بينما يعيش في الخارج في بيت مزود بشاشة تلفاز وغسالة صحون ولديه تأمين صحي وراتب شهري، ناهيك طبعاً عن الكهرباء التي لا تنقطع؟! ولماذا تلتصق طبقة كتيمة من المرارة على شفتيه؟!

الأمر الذي يعرفه اللاجئون جميعهم هو أن الهجرة وحدها، ناهيك عن متاعبها، تخلُّ بالتوازن، وأن احترام الذات يأخذ بالتضاؤل على الأرض الغريبة الغربية، وكذلك الثقة بالنفس، وتصبح مناعة الإنسان النفسية أكثر هشاشة منها في وطنه، ولكن لا يعرف عمق أثر هذه العوامل على النفس والحياة من لم يجربها.

خسارة الناس لوطنهم تعني أكثر من الافتراق عن مساحة محددة من الأرض.

أبو عصام

طوال الفترة الممتدة من نمو شعر لحيته إلى أن خطَّ الشيب رأسه، كان أبو عصام يصعد السلّم الاجتماعي والثقافي والمهني في حلب، خطوة تلو الأخرى، وفق حياة مستقيمة هادئة واضحة من أولها إلى آخرها، وفجأة هوى السلم به وتقاذفته الأقدار، ليجد نفسه مطروداً مقتلعاً من جذوره، ومرمياً في بلد قصيّ يعامله كرقم ويسخر من أعزّ ما يملك.

لم يخطر في بال أبو عصام يوماً أن مدينته الموغلة في العراقة قد يخرج منها كل هذا العنف، كان يمكن أن يصدق أن العالم قد يشتعل كله، لكن مدينة الكبب والطرب تجلس على عرش من الانسجام والهارموني وتحتها كنزٌ الأمن والسلام. ذلك الأمل الواهم جعله ينتظر في سوريا حتى خسر كل شيء، بما في ذلك منزله، فلملم أوراقه وعائلته وركب البحر عندما لم يبقَ غير الماء طريقٌ يُسلَك.

كيف بوسع الدكتور الجامعي أن يصدق أن أربعين عاماً من المثابرة والعمل الجاد يمكن أن تنطمس آثارها يوماً؟! وأن بنية الحياة التي أسَّسَ قوامها بعرق جبينه وكفيّه يمكن أن تنهار أمام ناظريه، وأنه قد يُرغَم أن يبدأ بداية جديدة بعد أن وصل إلى القمة التي كان يطمح لها. لغةٌ جديدة في مدينة جديدة، والروح متعبة والطاقة لم تعد تكفي.

بعد سنوات تدريس اللغة في الجامعة، يعود أبو عصام طالباً على مقاعد الدراسة في معاهد اللغة. يحاول أن يشاغب أحياناً في الدرس كطلابه، ويضحك ضحكة مختصرة تتلوها غصّة عميقة، ثم يعود الأسى ليخيم على روحه.

الاندماج في ألمانيا

رغم أن كارثة واحدة عصفت بالبلد برمته، إلا أن أثرها جاء متفاوتاً على الناس فرادى وجماعات، وفي كورسات الاندماج في ألمانيا، تجدُ الفئةَ التي قضى قَدَرُها أن تصل إلى القارة الأوروبية وأن تحصل على الإقامة والاعتراف، ثم تبدأَ مشوارها غير اليسير في تعلم اللغة.

تحاول الحكومة الألمانية أن تدمج الوافدين إليها في المجتمع والحياة العملية وسوق العمل، وكل الطرق إلى ذلك تمرّ عبر تعلم اللغة الألمانية، لذلك تقوم بتمويل كورسات اللغة وتفرضها على اللاجئين وتحدد لهم ساعات لحضورها واجتياز اختباراتها. يبدأ المشوار اللغوي من تعلم الحروف حتى نهاية المستوى السادس الذي يسمى b1، وهي دورات إلزامية يتوجب على الطالب أن يوقع على حضوره فيها، ولا يعفيه منه إلا تقرير طبيبي أو أمر طارئ، والتقصير في الحضور يعرّضُ اللاجئَ لخصمٍ من راتبه قد يصل إلى حرمانٍ كاملٍ منه، ومشاكل مع مكتب العمل المسؤول عنه «جوب سنتر».

في برنامجها لدمج الوافدين، تحاول الحكومة الألمانية أن تُخضِعَ الجميع لسيطرةٍ من نوع ما، بحيث تضبط إيقاع عملية الاندماج بمجملها، إلا أن أسلوبها البيروقراطي الرتيب لا ينسجم مع إيقاع الشباب المضطرب العنيف، الذي يريد أن يعوّض بأسرع ما يمكن ما فاته في السنوات التي أُرغِمَ فيها على الموت البطيء، لذلك تجد معظم الشباب خائبي الأمل. كما أن ألمانيا بانفتاحها وتعدديتها ونمط حياتها، لا تنسجم مع إيقاع كبار السن الذين لا يريدون من العيش إلا أقله، وينتابهم الخوف من كل ما هو جديد وغريب، مما يحمّلهم أعباءً ليسوا معتادين عليها.

بعد مستوى الـ b1 يحضر الطلاب كورساً اسمه «الحياة في ألمانيا»، ويتم فيه الحديث عن تاريخ ألمانيا، مع مواضيع السياسة والثقافة والقوانين والأطعمة وغيرها، ليصبح اللاجئون بعد ذلك مؤهلين للدراسة أو العمل.

أنا والغريب على ابن عمي

يعرف المهاجرون وجع بعضهم بعضاً، ويميلون على بعضهم ليحموا وجودهم البسيط معاً، إذ لا غنى للإنسان عن الانتماء لشيءٍ ما، أياً يكن. إلا أن أجواءً من الارتياب المبرر وغير المبرر تسود في كثير من الأحيان بين السوريين، والخوف من الآخر والنفور منه يئد فرصة الخبز والملح التي يمكن أن تكون. الجميع على قارب واحد في بحر المنافي، إلا أن كل راكب يجدف في اتجاه، ويعتقد كثيرون أن القارب قد يمشي أسرع إذا ما كسروا مجاديف الآخرين.

الطالب الذي يريد الدراسة والعمل بأقصى سرعة، يشعر بالنفور من العوائل التي تريد أن تبقى عالة على مكتب البطالة والعمل، ويكره أن يُصنَّفَ في زمرتهم. والإسلامي المتعصب لا يحتمل وجود المسلمين الذين لا يبدون متمسكين جداً بهويتهم الدينية، ويتمنى أن يعيدهم إلى جادة الصواب خاصته بأي وسيلة. المتحررون المنفتحون الذين يحاولون الاندماج، يتجنبون ذوي الهويات الثقيلة المتحجرة، وأولئك الآخرون ينفرون منهم في الوقت نفسه. حتى أن مشاعر الناس تجاه وطنهم مختلفة قدر اختلاف أقدارهم، فبعضهم يحنّ إلى سوريا الوئام ويتغنى بها في كل مناسبة، وبعضهم الآخر يحمد الله على اللحظة التي خرج فيها من الجحيم السوري، وآخرون تتجاذبهم مشاعر متناقضة في آن واحد، كمان أن بعضهم يكره وطنه من رأسه حتى أخمص قدميه ويلعنه صبح مساء، لكنه لا يحتمل أن يذكره أي أحد «أمام الأجانب» بسوء.

رغم أن أبو عصام كان رجلاً منفتحاً متسامحاً مع الأديان الأخرى قبل الحرب، وكان يبحث عن «الأجانب» القادمين إلى قلعة حلب لكي يحظى بحوار ولو قصير معهم، إلا أنه يشعر بألم وجودي عميق وهو في هذه البيئة الغريبة، ويحاول اليوم أن يؤكد هويته عن طريق أن يكون مع أي أحد ضد شيءٍ ما أياً يكن، مع المسلم ضد المسيحي، مع المسيحي ضد الملحد، مع من يؤمن بقيمة العائلة ضد من يركز على ذاته، مع من يأكل اللحم من عند «التركي» مذبوحاً على الطريقة الإسلامية ضد من يشتريه من السوبر ماركت، ويصرف طاقته كلها في السجال كطفلٍ شقيٍّ لا يبدو على وجهه الرضا إلا عندما يفتعل شجاراً.

حاجة السوريين للانتماء من ناحية، والخوف من الأخ والخوف من الآخر وعقد النقص أمام الأوروبي الأبيض من ناحية أخرى، تجعل اللاجئين في حيرة من أمرهم، وتربكهم، فمرة يقفون مع الأخ ضد ابن العم ومرة مع الغريب ضد الأخ، وفق منهجية متناقضة، أو لا-منهجية بمعنى أصح.

سؤال الثقافة، ولا جواب

حرصاً على ألا يكون الاندماج من جهة واحدة، يحاول كثيرٌ من الألمان أن يتعرفوا على ثقافة الشعب السوري وأسلوب تدينه وتفكيره، فبعد كل درس يُطرَح السؤال نفسه: وكيف هو الوضع في بلادكم؟

بعد الثورة السورية اكتشف كثيرٌ من السوريين أنهم كانوا يعيشون في قوقعة كبيرة، تحت قيادة الحزب الواحد والرأي الواحد والتعتيم الإعلامي، لكن في السنوات السبع الأخيرة حدثت تغييرات وتحولات جذرية، وانكشفت أمور أكثر مما حدث في خمسة أجيال سابقة، لتنكسر القوقعة عنوةً.

في كورسات اللغة التي يجتمع فيها خليط من السوريين من مختلف المحافظات والثقافات، يبدو جلياً أنهم لم يكونوا يعيشون في قوقعة واحدة كبيرة فقط، وإنما كل فئة كانت تعيش في قوقعتها الخاصة وتتبنى رؤية خاصة متماسكة ظاهرياً، ولا تعرف شيئاً عن قواقع الجوار. المسلمون لا يعرفون شيئاً عن معاناة المسيحيين بين الأغلبية السنية، ولا الأقلية اليزيدية المهمشة في سوريا، ولا أولئك يعرفون شيئاً عن الأكراد، الذين كان يُسمَح لهم بالحديث بلغتهم لكنهم يمنعون من كتابتها. هذا كله قبل الثورة، أي قبل أن يتنازع المال والسلاح والسلطة السيطرةَ على الأراضي. أما بعدها فالأمر أعقد بكثير.

هل المقصود بـ «الوضع عندكم في سوريا»: قبل الحرب أم بعدها؟ في شمال سوريا أم جنوبها؟ في المناطق التي تحت سيطرة النظام أم تحت سيطرة المعارضة؟ قبل 2011 أم بعدها؟

بعد مرات عديدة من طرح السؤال وعدم جدوى محاولات الحصول على إجابة موحدة، اتخذ السؤال طابعاً فردياً، فصارت صيغته: كيف هو الوضع «عندك» في سوريا! لكن رغم ذلك باءت المحاولة بالفشل، فكل واحد من السوريين يشعر أن ماضيه من التنوع بحيث يبدو أنه أكثر من حياةٍ واحدة، يبدو كعدة حيوات وكلُّ حياةٍ مختلفةٌ عن الأخرى.

عبء الدين والهوية

يحتل «احترام المعتقدات والأديان وحرية ممارستها» مكانةً هامّة في ألمانيا، ويعتبر حقاً مقدساً ينص عليه الدستور وتحميه الدولة، ورغم كل الحرص الذي يبديه المعلمون على عدم الخوض بنقاشات حسّاسة مع الوافدين، إلا أن فرط حساسية نظام أخلاق الجيل الذي اكتمل نضجه في سوريا يطل مسبباً المشاكل بين حين وآخر، مع أبسط المواضيع وأعقدها.

كانت المعلمة تحاول بكل طاقاتها أن تشرح للطلاب كيف تُصرَّفُ الصفة مع الموصوف في اللغة الألمانية، وهو أحد أصعب مواضيع القواعد، ثم ضربت مثالاً أن البيرة لذيذة، وليست لذيذ مثلاً. بعد الشرح الطويل والمجهد، جالت الآنسة ببصرها تحدّق في العيون محاولة أن تقرأ الفهم أو عدمه في الوجوه.

يرفع أبو عصام يده، فتتجه إليه كل حواس الآنسة وجسدها لتسمع سؤاله وتستشفّ مدى فهمه. يقول بصوت رخيم وقور وألمانية ركيكة: aber bier nicht gut، وهو يقصد أن البيرة غير جيدة، قبل أن يسترسل في شرح مضارها.

تفقدُ الآنسة أعصابها وتقول منفعلة: بالتأكيد البيرة غير مفيدة! لتذهب البيرة إلى الجحيم، ولكن موضوعنا هو الصفات! تصريف الصفات!!

بالطريقة نفسها يحاول أبو عصام دوماً تأكيد هويته بتأكيد خطأ الآخرين، يتمنى لو أن بوسعه أن يجعل الجميع يتبنون رأيه، ليس لأنه مستبد ولكن لأن رأيه «برأيه» هو الصحيح ببساطة، يتمنى لو يستطيع أن يركب نظارات على عيون أبنائه على الأقل، وسماعات على آذانهم، بحيث لا يسمعون ولا يرون إلا ما يريده هو لهم. يحمل هويته ثقيلة على ظهره، يشعر بالتوتر المستمر ويحاول أن يحمي بكل طاقته وجوده الصغير هو وعائلته. وفي معمعته الفردية التي لا يأبه لها أحد، كثيراً ما يبدو مثيراً للشفقة.

مرةً دخلت الآنسة إلى الصف ومعها ابنها الذي أحبَّ أن يحضر الدرس، استقبله الجميع بحفاوةِ وتكريمِ الرجل الأبيض، ليجلسه أبو راتب إلى جانبه ويسأله عن أحواله ويخبره أن رقبته سدادة إذا لزمه أمرٌ ما. بعد مضي نصف الوقت قالت الآنسة أنها غير متزوجة، لم يفهم أبو راتب تماماً فأعاد الاستفسار عن الموضوع، وعندما تأكد لم يعد يستطيع إخفاء علامات القرف والاشمئزاز من على محياه. ثم تمتم متذمراً: «شو هالبلد يا، كلو كفار ونصو ولاد حرام!»، ومن حسن الحظ أن الألمان لا يجيدون العربية.

تتعدد كثيراً الاختلافات الجذرية بين الثقافتين العربية (الإسلامية خاصة) والألمانية، ومنها اعتبار الكلاب نجسة في حين أن كثيراً من الألمان يقتنونها، وحرمة المصافحة بين الذكر والأنثى رغم أنها في أوروبا بديهية وطبيعية، إضافة إلى حرمة الخنزير لحماً ودهناً، والكحول سواء قلّ أم كثُرَ، وهو يدخل في معظم المنتجات الغذائية، والحجاب والصلاة والصوم. كل ذلك يلعب دوراً كبيراً، ويشكل عائقاً أمام بناء تواصل حقيقي بين المجتمعين، لأن هذه الاختلافات وإن أمكن تعدادها، فإنها تدخل في مجالات كثيرة لا عدّ لها ولا حصر. ذلك فضلاً عن التابوهات الدينية، مثل المثلية الجنسية والعلاقة الجسدية قبل الزواج، واختلاف أسس التربية وحدود العلاقة بين الجنسين، وضرب الطفل والمرأة، ولذلك يشعر كثيرٌ من اللاجئين بثقل هويتهم ويشغلون أنفسهم بها طيلة الوقت، يحمونها بدل أن تحميهم.

ثقل الخفّة

هناك صنفٌ آخرٌ من السوريين أدركوا أنهم في بلاد غير بلادهم، وأن الهوية أضيق من رحاب العالم، فحاولوا أن يعيدوا ضبط أنفسهم على قيَمِ المكان الجديد، متحررين من خرم إبرة الهوية، ومحاولين الاندماج ولو على حساب عاداتهم أو ما تستسيغه قلوبهم. لكن كثيرين منهم وجدوا أنفسهم بعد كل جهودهم يعانون من ألم عدم الانتماء، فهم لن يكونوا ألماناً يوماً ولن يكونوا سوريين تماماً، وعبء غياب الهوية ليس أرحم على النفس من عبء ثقلها.

بعد أن أكملت نادية كورسات اللغة وبدأت بالتدريب المهني، أدركت أنها لن تشعر في يوم من الأيام أنها تنتمي لهذا المكان. تقول نادية: «الألمان بالنسبة لنا نحن اللاجئين هم فئات ثلاثة: فئة تشفق علينا وتتعاطف معنا وهؤلاء من غير الممكن تكوين علاقة صحيّة معهم، وفئة تتعامل معنا بشكل طبيعي وبالتالي تتوقع منّا ما لا يسعنا كونه أو فعله، والفئة الثالثة هي التي تكرهنا بكل بساطة». ورغم أن نادية تشعر براحة أكبر في الحياة في ألمانيا مقارنةً بكل من تعرفهم من المتمسكين بهويتهم، لكن ذلك لا يعني أنها يمكن أن تشعر وكأنها في بلدها مهما طال الزمن.

ومثل المتحررين من الهوية، أولئك الذين يحملون هوية أخف وطأة من البقية كأبناء الديانة المسيحية مثلاً، وكثيرٌ منهم يُظهِرون هويتهم بشدة محاولين التمايز عبرها عن الأغلبية المسلمة اللاجئة ومتماهين مع الشعب الألماني.

جورج طالب اقتصاد ترك سوريا بعمر 21 عاماً قاصداً ألمانيا دولة الاقتصاد العظيمة ذات الأغلبية المسيحية، يرتدي جورج قلادة تحمل صليباً، ويَشِمُ جلده بإشارات الصليب، ولو تيسر له أن يَشِمَ وجهه بما يدلّ على مسيحيته لفعل، لكن بعد سنتين من وجوده في ألمانيا أدرك أن انتماءه للمسيحية لا يعفيه من انتمائه لسوريا، ناهيك عن أن كثيراً من الألمان المسجلين على الورق كمسيحين لا يؤمنون فعلًا بذلك. ويعاني جورج من مشاكل لا تنتهي مع مكتب البطالة والعمل Job Center، ليست آخرها مشكلة فاتورة الكهرباء الضخمة التي عليه تسديدها من مصروفه.

حلاوة الجبن

بعد إتمام 700 ساعة من دروس الألمانية، كانت الأعصاب مشدودة والأفكار تحتدم في تيار الجدل، والكلّ مستاءٌ من الكلّ: أردوغان مستبد أم عادل؟ الديموقراطية أم الديكتاتورية؟ المثلية مرض أم شذوذ أم حالة طبيعية؟ هل لحم الغنم من المتاجر الألمانية حرام؟ هؤلاء يفهمون اللجوء ككرم من الحكومة وعلينا رد الجميل بحسن التصرف كضيوف، وأولئك يفرغون محتواه كلياً ليصبح سرقة للعقول والأطفال، وحرباً على الدين. هؤلاء يفهمون الدين بوصفه معطى مرناً قابلاً لتعدد الفهم بحسب المكان والزمان، وأولئك لا يقبلون جدلاً في نص أو حكم شرعي. ماذا عن ضرب الأطفال، هل هو أسلوب تربوي أم عنف مرفوض؟ ماذا عن زواج الأربعة؟ ونقاشات مدوخة لا تتوقف.

في اليوم الأخير أتى الطلاب ومع كل واحد منهم صنفٌ من المأكولات السورية، بابا غنوج ويالنجي، فلافل وهريسة مع مامونية وحلاوة الجبن وتبولة، ليدور الحديث حول المأكولات السورية واختلاف أسمائها ومكوناتها. هدأت النفوس أخيراً أمام المائدة المليئة بالألوان والأصناف، وأخذ الحديث مجرىً أكثر رقة وتفاهماً. بعد أن دارت حلاوة الجبن في الأفواه سادت الهارموني في الأجواء وانتقل الحديث من السياسة والثقافة والتاريخ إلى الفرق بين ماء الورد وماء الزهر، وأصل حلاوة الجبن المختلف عليه، هل هو حلب أم حمص أم حماة؟

رغم أن معظم الطلاب لم يكونوا يعرفون طريقة صنع هذه المأكولات في بلدهم، إلا أنهم تعلموا صنعها وأتقنوها في المغترب، هل هو الحنين؟ أم هي الحاجة أمُّ الاختراع؟ بكل الأحوال وحّدت حلاوة الجبن والمكدوس ما عصي على الألم المشترك والمستقبل الغامض توحيده.

افترقَ الجميع وهم على المركب نفسه، وتابع كل منهم التجديف إلى وجهته.

موقع الجمهورية

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رسالة إلى أسامة نصّار/ مرسيل شحوارو

      كان أسامة نصّار قد كتبَ من الغوطة الشرقية نصّاً عنوانه في القهر ...